الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة الحلقة العاشرة

حرب الخليج الثالثة الحلقة العاشرة

أولاً: بوش يعين الجنرال جي كاردنر حاكما على العراق:

فور إعلان الرئيس الأمريكي بوش انتهاء العمليات الحربية في العراق أصدر قرارا بتعيين الجنرال المتقاعد [جي كاردنر] حاكماً عسكريا مؤقتاً على العراق بحجة إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية في البلاد.
وكان كاردنر قد قدم للرئيس بوش اقتراحاً بتقسيم العراق إلى ثلاث ولايات هي بغداد والموصل والبصرة، ويتولى مسؤولية إدارة كل ولاية من هذه الولايات موظف أمريكي، وتعيين مجلس استشاري له من العراقيين دون أن يتمتع المجلس بصلاحيات تنفيذية.
كما اقترح كاردنر إن تتولى إدارة بغداد[ باربارة بودين] السفيرة السابقة للولايات المتحدة الأمريكية في اليمن، كما يتولى الجنرالان المتقاعدان [بروس مور] و[باك والتزر] مسؤولية إدارة ولايتي البصرة والموصل. (1) .
وقد ووافقت الإدارة الأمريكية علي مقترح الجنرال غاردنر في بادئ الأمر، إلا أنه جرى صرف النظر عن تنفيذ اقتراح كاردنر بعد إن لقي قرار تعيين الجنرال كاردنر حاكماً عسكرياً على العراق من قبل الشعب العراقي وسائر القوى السياسية معارضة شديدة، وعليه قرر الرئيس بوش إبدال الحكم العسكري المباشر بحكم تحت غطاء مدني، حيث أصدر بعد أسبوعين من تعيين كاردنر قراراً بتعيين السفير السابق [بول بريمر] حاكما على العراق.

ثانيا: بوش يعيّن بول بريمر حاكما مدنياً على العراق:

عندما عين الرئيس الأمريكي بوش الجنرال المتقاعد[جي كاردنر] حاكماً مؤقتاً على العراق كان الاعتقاد السائد لدى كل من وضع كامل ثقته في السياسة الأمريكية أن يكون هذا التعيين لفترة زمنية محدودة، ريثما يتم إعادة الأمن والنظام العام في البلاد، بعد انهيار كافة مؤسسات الدولة، ليتم فيما بعد تعيين حكومة عراقية مؤقتة لفترة انتقالية ريثما تهيئ الشعب العراقي لدخول مرحلة الديمقراطية التي وعد بها الرئيس بوش آنذاك، ولم يدر في خلدهم أن يمارس الرئيس بوش الضغوط على مجلس الأمن لإصدار قرارا يُشرعنُ الاحتلال، واعتبار الولايات المتحدة دولة محتلة للعراق، ويعين الدبلوماسي الأمريكي [بول بريمر] حاكماً عاماً على العراق.
لقد كان الأجدر بالرئيس بوش أن يشكل فوراً حكومة تنكوقراط من العناصر الديمقراطية العلمانية المشهود لها بالكفاءة والنزاهة مدعومة من القوات المتعددة الجنسيات لكي تثبت للعراقيين بأن الولايات المتحدة لا ترمي إلى حكم العراق سواء كان ذلك عن طريق الحكم المباشر كما فعلت عندما عين الرئيس بوش حاكماً أمريكيا، ولا عن طريق غير مباشر، كما فعلت بريطانيا عندما أقامت النظام الملكي بعد ثورة العشرين، وجاءت بالأمير فيصل أبن الحسين ملكاً على العراق ، لكنها قيدت العراق بقيود معاهدات جائرة، وحكمت العراق من وراء الستار حتى قيام ثورة 14 تموز، حيث تشكلت لأول مرة حكومة عراقية دون تدخل السفارة البريطانية. لكن بوش اختار الحكم الأمريكي المباشر للعراق بتعينه [ بول برايمر] حاكماً على العراق.
من هو الحاكم بول بريمر؟
بول بريمر دبلوماسي أمريكي محترف شغل خلال ثلاثة عقود مناصب رفيعة عدة، فقد عمل رئيساً لمستشاري وزير الخارجية السابق [هنري كيسنجر]، كما عمل كسفير مفوض في قسم مكافحة الإرهاب، في عهد الرئيس [ رونالد ريغان ]، وتنقل بحكم وظيفته تلك إلى عواصم العديد من دول الشرق الأوسط ، باستثناء العراق. كما خدم هو زوجته [فرانسي] في السفارة الأمريكية في أفغانستان لمدة طويلة، لكنه ترك العمل الدبلوماسي، وعمل في القطاع الخاص، حيث أشرف على قسم إدارة الأزمات في شركة أمريكية ضخمة تدعى [مارش وماكلنان]، وفجأة استدعاه الرئيس بوش ليعينه حاكماً مدنياً على العراق خلفاً للجنرال كاردنر. (2)
وصل بول بريمر إلى بغداد في الثاني عشر من أيار ليتولى منصبه الجديد، يرافقه نائبه المعين [كانكلاي مكمنوي]، وهو سفير آخر متقاعد، وأحد أصدقائه القدامى بالإضافة إلى مستشاره[هيوم هوران] وهو سفير سابق كذلك، وأحد المختصّين بالثقافة العربية، في وزارة الخارجية، وقد أمضى جلّ حياته المهنية في الشرق الأوسط. (3)

ثالثاً: بول بريمر يقرر حل الجيش والأجهزة الأمنية:

كان أول قرار اتخذه بول بريمر، بعد المشاورات التي أجراها مع وزير الدفاع الأمريكي [رامسفيلد ] وبموافقة الرئيس بوش، هو حل الجيش العراقي وكافة الأجهزة الأمنية، وإلغاء وزارة الدفاع، و وزارة الإعلام، وكان ذلك القرار الكارثي من أعظم الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية، وهذا ما أكده الجنرال [جيمس كونواي] قائد قوات المارينز الأمريكية الذي صرح لشبكة US News بتاريخ 18آذار 2007 قائلاً: {إن الخطأ الأكبر الذي تم ارتكابه في العراق يبقى قرار تفكيك وحل الجيش العراقي، حيث أن تداعياته السلبية لا تزال تتردد أصداؤها حتى اليوم. وأضاف قائلاً لقد كان الجيش العراقي المؤسسة الأكثر احتراما في البلاد، كما أن مساعدته لنا كانت أساسية في مجال التخطيط الأمريكي ما قبل الحرب لجهود إعادة البناء في العراق، لكن بعد حل وتفكيك الجيش العراقي تحول عناصره السابقون إلى أعداء سواء لقوات الأمن العراقية أو القوات الأمريكية}. (4)

كان الأجدر بالإدارة الأمريكية أن تطلب من كافة أفراد الجيش ضباطاً وحنوداً الالتحاق بمعسكراتهم فورا بإشراف القيادة الأمريكية، ومن ثم تجري دراسة أضابير كبار ضباط الجيش، وتتخذ الإجراءات المناسبة بمن كان على صلة وثيقة بالنظام بإحالتهم على التقاعد، و بتكليف الآخرين بوظائف مدنية، وإعادة تثقيف منتسبي الجيش بالفكر الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان، وصيانة حقوقه وحرياته المنصوص عليها في شرعة حقوق الإنسان، وإبعاد الجيش والأجهزة الأمنية عن أي نشاط حزبي لكي يكون ولاءهم للعراق بشكل مطلق.

لقد ألقى قرار حل الجيش المتسرع بأكثر من نصف مليون ضابط وجندي في قارعة الطريق، من دون التفكير في الوضع المعيشي لهم ولعوائلهم، ودون التفكير في عواقب هذا القرار على مستقبل الوضع الأمني في العراق، حيث تحول قطاع كبير من ذلك الجيش نحو حمل السلاح باسم مقاومة الاحتلال، لكنه سرعان ما تحول إلى عمليات إرهابية موجهة ضد المواطنين وقوات الأمن العراقية حيث تفجير السيارات المفخخة والعبوات المزروعة في الطرق والشوارع والأحزمة الناسفة والإرهاب والخطف والابتزاز والاغتصاب والقتل الذي اقض مضاجع الشعب العراقي، والذي دفع ولا يزال يدفع حتى اليوم ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه، حيث تزهق الأعمال الإرهابية أرواح المئات من المواطنين الأبرياء كل يوم .

ويشير الحاكم المدني الأمريكي بريمر في مذكراته عن قرار حل الجيش قائلاً:
{في التاسع من مايو 2003، أي قبل يوم واحد من مغادرتنا الولايات المتحدة إلى العراق، أرسلت مذكرة إلى وزير الدفاع [دونالد رامسفيلد] ونسخة منها إلى [بول ولفوويتز] وعدد آخر من المسؤولين في الوزارة لخصت ما دار من النقاشات مع رفاقي حول الإجراءات الضرورية، التي تنتظرنا، وخلصت إلى ضرورة حل جيش صدام وأجهزته الأمنية كمقدمة لأنشاء جيش وجهاز امني جديد، وأرفقت بالمذكرة مسودة قرار بذلك، وعقدت جلسة أخرى لمناقشة الموضوع مع المستشارين [وولت] و[كلاي] واستمر النقاش لأيام، وأكملنا النقاش حول الموضوع مع مسؤولي البنتاغون، بما فيهم وكيل الوزارة [دوغلاس فيث] وكتبت إلى رامسفيلد قائلاً :
{ دعنا أولا نكون واضحين بشأن ما نريد تحقيقه، أنه لأمر أساسي أن نقنع العراقيين بأننا لن نسمح بعودة أدوات القمع الصدامية كالبعث والمخابرات والجيش. فنحن لم نرسل قواتنا على بعد آلاف الأميال لإسقاط صدام، ووضع دكتاتور آخر مكانه، ولأنه كان يتعين علينا أن نأخذ التركيبة الطائفية في البلاد وتاريخها}. (5)

وهكذا بدأ بريمر يتحدث بأسلوب طائفي عن تكوين جيش جديد حيث يقول:
{أن تشكيل جيش عراقي جديد ليس بالأمر السهل. إذ يجب أن يمثل الأمة بأسرها، وليس كما كان عليه الوضع بالنسبة لجيش صدام، الذي كان غالبية ضباطه من السنة، وكان صدام هو الذي يقوم بإسناد المناصب العليا فيه لمن يشاء، أما الجنود والرتب الدنيا فكانت من الشيعة}. (6)
ثم يمضي بريمر في رسالته إلى رامسفيلد قائلاً:
{بينما كنت أناقش المستشار [سلوكومب] حول موضوع الجيش، اتفقنا على عدم استدعاء الجيش القديم الذي كان يخضع لهيمنة السنة، لأن ذلك سيثير حفيظة الغالبية الشيعية، وسوف يعتبرونه عودة للصدامية دون صدام، وكذلك عبّرَ قادة الحركة الكردية ،الذين يتمتعون بقدر من الحكم الذاتي، عن تأييد قرار حل الجيش}!!. (7)

هكذا إذا بدأ بريمر فترة حكمه دكتاتوراً للعراق، والتي استمرت عاماً كاملا، باتخاذ القرارت التي صبت جميعها في إقامة نظام طائفي في البلاد، وترسيخه في عملية بناء السلطة العراقية الجديدة بدءاً من إقامة مجلس الحكم، مروراً بالانتخابات البرلمانية، وتشكيل الحكومات المتعاقبة، وإعداد الدستور الطائفي، وإعادة تشكيل الجيش الجديد، وقوات الشرطة والأجهزة الأمنية التي باتت ملغمة بالعناصر الطائفية المرتبطة بأحزاب وقوى الإسلام السياسي الطائفي، مما مهد السبيل إلى الاستقطاب الطائفي، وبالتالي الصراع المسلح الذي شهده العراق، والذي حصد وما زال يحصد أرواح مئات الألوف من المواطنين الأبرياء.
وفي نهاية المطاف أدركت الإدارة الأمريكية كم هي أخطأت بحق العراق والعراقيين، وبدأت تضغط على حكومة [نوري المالكي] لكي تعيد بناء الجيش والقوى الأمنية من جديد، وإعادة الألوف من عناصر وضباط الجيش العراقي السابق، وجانب كبير من الأجهزة الأمنية، بعد أن أعيتها الحالة الأمنية، وحدّتْ من قدراتها للسيطرة على الوضع الأمني في البلاد، ووقف نزيف الدم الذي أخذ يعصف بالجميع، رغم كل الإجراءات التي اتخذتها قوات الاحتلال، وقوات الجيش العراقي والأجهزة الأمنية لوقف نزيف الدم، وإعادة الأمن والسلام في ربوع البلاد، لكن كل تلك الجهود باءت بالفشل الذريع، بل على العكس من ذلك أخذ النشاط الإرهابي يتصاعد بوتائر عالية من حيث الكم والنوع رغم كل ما تملكه القوات الأمريكية من أسلحة متطورة، وخبرات قتالية عالية، وبدأت ارقام خسائرها البشرية بالتصاعد بشكل خطير لم تكن تتوقعه، ففي حين لم يتجاوز أعداد القتلى في صفوف قواتها خلال الحرب عن 300 ضابط وجندي، فإن ارقام القتلى بعد مرور 5 سنوات على نهاية الحرب قد جاوز 3983 قتيلا حسب التصريحات الرسمية الأمريكية ، وعشرات الألوف من الجرحى، بالإضافة إلى التكاليف الباهضة للحرب والتي جاوزت 400 مليار دولار، وبات التواجد العسكري الأمريكي في العراق يشكل كابوساً رهيباً لجنودها، وقد أثار هذا التواجد قلقاً شديداً للكونكرس الأمريكي، حيث بدأ يطالب الديمقراطيون الذين يشكلون الأغلبية فيه، بالإضافة إلى بعض الجمهوريين بسحب القوات الأمريكية من العراق، بل لقد تعالت الأصوات المنادية باستقالة الرئيس بوش الذي اضطر بدوره إلى الطلب من وزير الدفاع [رامسفيلد] والعديد من طاقمه الاستقالة، وأجراء تغيرات واسعة في البنتاغون، وتشكيل لجنة من كبار مستشاريه لإعادة تقييم الوجود العسكري الأمريكي في العراق.