الرئيسية » مقالات » ألمرأة … وألسيّاسة وفقدان ألأنوثة

ألمرأة … وألسيّاسة وفقدان ألأنوثة

لا شك أنَّ ألإحتفال بعيد ألمرأة ألعالمي لهُ دلالات عديدة منها إعادة ألإعتبار لمخلوق ساهمَ مساهمة فعّالة في خدمة ديمومة ألحضارة ألإنسانية على مدار ألمراحل ألتي عاشتها ألبشرية من عمرها ألطويل ، فعندما كنّا نقف أمام مُدرِّسة متمكنة من موضوعها ومن ألسيطره على ألحالة ألعامة للصف ألدراسي كانَ يُخَيّل إلينا أنها هي ألرجل ونحن ألنساء في هذهِ ألحالة ومِراراً ما فكّرَ أحدنا بتلك ألقدرة من ألتسلُّط ألتي تُمَكّنها من ذلك لا سيما وإنها تجعلنا نشعر بأنها مُتفوِّقة علينا حتّى وإن كانت هي ألطرف ألضعيف في ألمعادلة ، كانت تدفعنا للشعور بأنّها صاحبة ألقرار وأننا عاجزون عن مجاراتها مهما كان وضعنا في تلك ألمعادلة …

أغلب ألألمان يعتقدون أنَّ وصول ألمرأة للمواقع ألقياديّة يجعلها تفقد جزءاً من إنوثتها لا سيما وأنها تمارس حقّها ألطبيعي في ألتأثير على ألمجتمع وتترك طابعاً سلطويّاً على تصرّفاتها ، هذا ألإعتقاد يدفع ألمرء في بعض ألأحيان لإعادة صياغة نظرتِهِ إلى تلك ألوقائع ألتي عاشها دون إيجاد تفسير مُعيَّن يقنِعُهُ في ألبحث عن حقيقة تلك ألحالة ، فنادراً ما كانت هذهِ ألقضية تثير ألإنتباه على إعتبار أننا ألطرف ألضعيف أمام تسلُّط ألمرأة بشخص ألمُدرِّسة أو ألمُديرة ..

هذا ألتصرُّف كان يُبعِد علينا ألإعتقاد بأنّها مخلوق ضعيف مهظوم ألحقوق في مُجتَمعِنا ، فكيفَ يمكنُنا تخيُّل أنها ألضعيفة في ألوقت ألذي نلتمس فيهِ قدرتها على ألتحكُم بمصيرنا ومستقبلنا ؟

كانت أغلب ألنقاشات تدور حول واقع إجتماعي مُتذبذِب غير قادر على إعطاء ألحالة شكلها ألصحيح ، لكن ألواقع ألأُسري وألإجتماعي كان يدفعنا لإعادة ألنظر في مفهوم وضع ألمرأة في واقِعنا فألدفاع عن حقوق ألمرأة كان يدفعنا في بعض ألأحيان إلى خانة ألمُجاملين على حِساب ألحقيقة كما كان يعتقد ألبعض ، لكنّها في ألواقع كانت أسيرة عاداة وتقاليد ربما وضعتها في خانة ألمظلوم وكذلك في خانة ألدور ألمُهَّمَش في مجتمعِنا ..

لم تكُنْ ألمرأة في ألعهد الدكتاتوري تمتلك ألحريّة ألكافية في إثبات ألوجود وإثبات دورها في ألأُسرة والمجتمع ، لكنّها كانت أسيرة وضعٍ شاذ تحكَّمَ في مجتمعنا بأسرهِ وهو ألنظام ألسائد وطريقة تحكُمِهِ في وقائع ألأمور ..

أرمَلة أو زوجة أسير أو زوجة جندي لا ترى وجهُهُ في ألشهر سوى خمسة أيام أو على ألأغلب سبعة أيام هكذا كان وضعها في عهد صدام ألذي كان يصِفها بألماجدة في ألوقت ألذي كانَ أبناءُهُ يمعنون في إهانتها وإحتقارها عبرَ سهراتهم ألماجِنة ، إن وضع ألمرأة في ألعراق كان يخضع إلى حالة ألنظام ألسائد في ألدولة دون ان يكون هناك واقِعاً يجعلها تشعُر بألأمان ، ففي خمسينيّات ألقرن ألماضي كانت تعيش حالة أفضل من ممارسة حياتها في ألبيت وألمجتمع ، وتحكُّم قوانين ألمجتمع بها دفَعَها إلى أخذ ذلك بنظر ألإعتبار ومواكبتها لتلك ألنظرة ألتي إنبلجت من صميم واقعها ألمُعاش ، إنَّ دخول ألمرأة عالمَ ألسيّاسة حوَّلها إلى مخلوق فاقد لبعض إنوثتهِ كما يقول ألألمان لا سيما وأنها بدأت تفرض واقِعاً مُختلِفاً نابٍِعاً من سيطرتها على مصدر ألقرار وطريقة تحكُمِها بهِ ، وبألعودة إلى ألمراحل ألتي عاشتها ألمرأة في ألعراق منذ بزوغ ألحضارة فيهِ وحتى يومنا هذا نجد أنَّ وضعها يشبه سلسلة هرَمِيّة تتفاوت بين الصعود وحصولها على أعلى ألدرجات في ألمكانة ألإجتماعية وبين ألهبوط إلى حالة يصعُبُ معها ألتخيُل أنها جزء من ألمجتمع ألبشري ، وتتحكَّم هي بوضعها بشكل عام في جميع ألمراحل فألمرأة ألمتعلِّمة والتي تتمتع بوعي عميق يصعب على ألمرء ألنيل من حقوقها مهما كانت صفتهُ لأنها قادرة على تحديد أهدافها ومطالبها من ألحياة بشكل واضح كما أنها تستطيع أن تكون ألطرف ألمعادل للحالة ألإجتماعية دون خلل أو قصور …

وفي حالات أخرى تكون في وضع يجعلُ محيطها عاجزاً عن إعطائها ألدور ألمطلوب لإفتقادها للتعلُّم وألوعي ألكافيَين وهنا تلعب ألأسرة وألبيئة ألإجتماعية دوراً حاسماً في نشئتها بهذهِ ألطريقة..ففي حالات مُعيّنة تقف خلف نجاحات ألرجل بِأسرها دون أن يتمكّن من ألتغلّب على غرورهِ وألإعتراف لها بذلك ، وفي حالات أخرى تُساهم في تدمير طموحاتهِ بِتسلّطها ألذي ينبع في أغلب ألأحيان من ألغيرة وينبري فيها لإعطائها حقّها بطريقة سلبيّة تؤدي إلى تحطيمها وألتقليل من أهميّتها ، إنَّ وجود ألمرأة في مواقع قياديّة يدفع ألرجل لإتهامها بألتسلُّط وألتجبّر ووصفها بألذكر لإنها تملئ ذلك ألمكان ألذي تشغلهُ ويُخرج غيرتهِ إلى ألسطح دون شعور ، وحالة ألتنافس بينهما تأخذُ في بعض ألأحيان طابعاً عدائياً تدفع بألرجل لتبرير حصر حقوق ألمرأة في زاوية ضيّقة حتى ولو كان ذلك يتعارض مع ألقِيَمْ ألمتحضِّرة ، أعود للمثل ألألماني وأتذكر برنامجاً تلفزيونيّاً أعدّتهُ ألقناة ألأولى (أي آردي) حول أهميّة أعتلاء سيدة منصب ألمستشارة ألإتحادية لأول مرة في تاريخ ألمانيا وإجرائها إستطلاعاً عاما لدى ألشباب وكذلك ألنساء فإنَّ أغلب ألآراء كانت لا تؤيّد ذلك حتى أن بعض ألشباب ألألمان قال بألحرف ألواحد أنّهُ سيغادر ألمانيا طوال حكم ألمستشارة لأنّهُ لا يستطيع تصوّر أن مرأة ستقودهُ !!

وبِغَضّ ألنظر عن توجّهات ألمستشارة ألحالية لألمانيا وحياتها ألسابقة إلا أنَّ طريقة ألنظر للموضوع عند مجتمع قطع شوطاً كبيراً في ترسيخ قيَم أللبرالية وألفردية ألنابعة من علاقات ألأنتاج ألرأسمالية ألسائدة تبدو قديمة أو ربما تُعبِّر عن عاداة متجذِّرة في ألنفس ألألمانية ألتي عاشت عقوداً طويلة كواحدة من ألنفسيّات ألمُحافظة حتى نهاية ألحرب ألعالمية ألثانية لتبدأمرحلة ألتغيير ألجذري في هذهِ ألنفسيّة …

إنَّ واقع حقوق ألمرأة في عالمنا يعود بألدرجة ألأولى لطبيعة ألصراع ألطبقي ألدائر من أجل تحرّر ألمجتمع بأسرهِ وبناء علاقات إنتاجية جديدة تقف فيها جنباً إلى جنب مع ألرجل تقضي فيهِ على ألعلاقات ألإنتاجية ألقديمة وبناء مجتمع تسودهُ قوانين مُتحضِّر لا تُفرِّق بين ألجنسين في شئ ..

إن رؤية ألمرأة في مواقع ألعمل في ألمصانع ألثقيلة وساحات ألمرور ومواقع سياسيّة وإجتماعية مُهِّمة غدت ظاهرة مألوفة في ألعالم ألغربي وبعض ألمجتمعات ألتي لا يمكن إعتبارها محسوبة على ألغرب كآسيا وأمريكا أللآتينيّة بينما يصعب على ألمرء تخَيُّل ذلك في ألعالمَين ألعربي وألإسلامي لأسباب رُبّما نعرِفها جميعاً وهي ألطريقة ألتي تنشأعليها ألمرأة في هذهِ ألمجتمعات حيثُ يتّم وضعها في قالب جاهز تحكُمُهُ مجموعة من ألعاداة وألتقاليد ألمتجذِّرة في هذهِ ألمجتمعات ألتي لا ترغب في تطوير حالة تلك ألقوالب ألجاهزة ..

لا يمكن ألنظر في هذهِ ألمجتمعات إلى ألمرأة نظرة تخلو من ألجنس إلاّ في حالة وجودها في مركز ألقيادة كأن تكون مديرة أو شخصيّة متنفّذة حينها يتم تسليط ألضوء على حالة تسلّطِها قبل ألنظر إليها بشكل آخر …

وتلعب عمليّة ألتثقيف وتطوير ألذات دوراً ملموساً في تقدٌّم ألمجتمعات عند ألذكر وألأُنثى على حدٍّ سواء غير أنَّ واقِعنا يدفعنا للقول أنَّ مجتمعنا بعيد عن تلك ألنظرة ألتي تعطيهِ ألثقل في ألنظر إلى موضوع ألقراءة وتطوير ألوعي للإرتقاء بأساليب ألتعامل مع ألآخرين وهو أحد ألأسباب ألجوهرية لِتخلفنا عن ألعالم ألمُمَيّز ، إنَّ دخول ألمرأة عالم ألسياسة وألنشاطات ألإجتماعية وألإقتصادية ألأخرى يعود بألدرجة ألأساس لتمتُعِها بوعي وثقافة عميقَين يؤهلانِها للقيام بذلك وهو ما يُعطيها ألتمَيُّز وألقدرة على إثبات ألوجود وبالتالي ترك بصماتها في ألحضارة بشكل مؤثِّر …

إنَّ ألإحتفال بعيد ألمرأة ألعالمي يجب أن يأخذَ نطاقاً أوسع بكثير من ألذي نعيشهُ الآن ،فقِلّة قليلة من ألنساء تفكّر في قراءة مئة كتاب منذ بلوغها ألثامنة عشر وحتى سنّ ألخامسة وألعشرين !! او أن تضع لنفسها سنويّاً هدفاً مٌعيّناً مهما كان صغيراً تُنجِزُهُ !! أي أنَّ ألقضاء على حالة ألركود وألتخلّف ينبغي ان ينبع من ألمرأة نفسها قبل أن يفرِضُهُ ألمجتمع عليها ،لأن حالتها هي ألتي تُقرِّر ثقلها في مُحيطها وليس شيئأً آخراً …

وهذا ألشئ ينطبق أيضاً على ألذكور في عالمنا من ألذين يعتقدون أنَّ ألإله خلق ألمرأة للبيت وألإنجاب وألجنس ، فهؤلاء لا يزالون بحاجة إلى عملية بناء وعي ذاتي يلائم حالة ألتطوّر ألتي قطعها ألمجتمع ألبشري قبل أن يُحَوِّلَهم عالمنا إلى جسور تعبر على أجسادهم وعقولهم جموع ألمتفوّقين من ألجنسَين إلى شاطئ ألتقدُّم وألإزدهار ألبشرِييّنْ !!!