الرئيسية » مقالات » أحقاً (رؤية عراقية) ؟؟؟ (1)

أحقاً (رؤية عراقية) ؟؟؟ (1)

قرأنا للأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط مقالاً * * معروضاً على صفحات الأنترنيت وعلى ما يبدو منشوراً في جريدة الوطن في زاوية ” رؤية عراقية ” تحت عنوان ” المقاومة العراقية ” وقد إستوقفتنا هذه الرؤية وما تضمنته من تقديرات وتفسيرات لما يجري في العراق من أحداث، وما يتخذ من مواقف، وما يتدوال من مفاهيم متعددة خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات الدولية .
سنحاول محاورة المكتوب عسى أن نسهم في عملية إغاثة المنكوب، وهو شعبنا العراقي من دون جدال، والذي يتم تغيّب مصالحه وإرادته ورؤيته دوماً، وفي مراحل مختلفة من تاريخه القديم والحديث، حيث يقول الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط في مفتتح مقاله ( أصبح » تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين «ـ حسب اعلانات الجيش الامريكي ـ اكبر تهديد للسلام في العراق. وكان جيش المهدي يحتل هذا الموقع الى ان اعلن قائده السيد مقتدى الصدر تجميد عملياته العسكرية ضد القوات الامريكية ).
وهنا سؤال يطرح نفسه تلقائياً، أين الرؤية العراقية هنا يا ترى ؟! فلا دليل لدينا على عراقية هذه الرؤية، اللهم إلا بالتبني، فالكاتب كما هو معروف عراقي، وهذا لا يغيير من مصدر الرؤية وبالتالي تبقى رؤية أمريكية تبناها الكاتب، وهذا حق من حقوق كل إنسان أن يتبنى ما يقبله من أفكار أو ينحاز إلى مواقف معينة، ويكتب حولها أو يدافع عنها، كما إن رؤية كاتب لايمكن أن تكون رؤية مجتمع، وبالإمكان أن تكتب تحت باب رؤية عراقي أو رؤيتنا أو رأينا أو … ما يدل على خصوصية هذه الرؤية لا عموميتها غير متوافرة في هذا المجال، ولا نعتقد إن الأمر يحتاج إلى الإطالة لتوضيح ما هو واضح في هذه النقطة بالذات.
لقد توصل الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط إلى نتيجة غريبة عن مجريات الأحداث وأفاق تطورها بقوله ( ويمثل هذا القول اعلانا بنهاية ما يسمى لفترة طويلة » المقاومة « ضد القوات الامريكية، لوصف منفذي العمليات العسكرية ضد هذه القوات بهدف معلن هو تحويل وجودها في العراق الى كارثة، تجبرها بعد ذلك على الانسحاب منه. فقد آثر منفذو تلك العمليات من غير اعضاء القاعدة تغيير وجهة القتال. فبدلا من محاربة القوات الامريكية، تحولوا الى محاربة »القاعدة « ) .
إن وجه الغرابة بهذا القول يكمن في :
1- إعلان تجميد جيش المهدي من قبل السيد مقتدى الصدر، بكل بساطة ووضوح ووفق تصريحات القيادين في التيار الصدري، لا يوصلنا إلى مثل هذه النتيجة على الإطلاق، فالتجميد لا علاقة له بالموقف المناهض للإحتلال الأمريكي، ولا يمثل في كل الأحوال إعلان لنهاية المقاومة، بقدر ما له علاقة بفرز القوى التي تنتحل صفة جيش المهدي وتقوم بأعمال لا علاقة لها بجوهر سياسة التيار الصدري وبمهام المقاومة، كما إن تجميد الأعمال العسكرية هو إجراء مؤقت، فخلط المفاهيم والمواقف سمة سائدة في الساحة العراقية، التي تحتاج بصورة ملحة جداً إلى الفرز والإصطفاف على أسس وطنية ومصالح إجتماعية عامة، فالخلط هذا وصل إلى درجة تعرض الكثير من المدنيين إلى الإيذاء والمداهمة والإعتقال، بهذه الحجة أو تلك في حين المطلوب سعي جاد لتحقيق العدل والإنصاف.
2- كما إن المقاومة ليست إدعاء بل عمل جدي، أبرز سماته هي حماية المواطن والعمل على تلبية حاجاته، وهذا نجده في سعي المخلصين بكل السبل المشروعة، وليس الفعل التدميري الذي غايته القتل وحسب أو إهمال متطلبات العيش الكريم، فهذه ليست مقاومة بكل الأعراف والأديان والحركات … ومما يؤكد لنا بأن الرؤية موضع حوارنا هي ليست عراقية، من خلال وضع تنظيم القاعدة مكان التيار الصدري في عملية تهديد القوات الأمريكية، إن هذه المساواة إنما هي رؤية أمريكية بحته، علماً إن تنظيم القاعدة هو قاعدة للدكتاتورية والإحتلال، ولن تبتغي خيراً لشعبنا العراقي، فليس من السليم جعل الجميع في سلة واحدة رغم التباين الواضح في هذه القوى من حيث التركيبة والغاية، وهنا يستوجب إن نفصح ونقول، بأن وحدة الشعار أو وحدة الأداة لا تعني بالضرورة وحدة الدوافع والغايات، والأمثلة على ذلك في متناول من يريد، فالحياة مملؤة بديهيات.
3- إن النتيجة التي توصل إليها الكاتب، تجعل المقاومة محصورة بشكل الإعمال العسكرية فقط،، لا بل حصراً على تنظيم القاعدة الذي هو تنظيم إرهابي بإمتياز، وأعماله دالة تقطع أي شك بيقين راسخ رسوخ الجبال، ولا يجوز وصف القاعدة بهذه الوصف حتى على سبيل الإفتراض، وبتلك النتيجة يجانب الكاتب الصواب، ولا يمكن قبولها من الناحية الفكرية والعملية، فالمقاومة لا تنتهي بوجود حالة التحويلة أوالتجميد، فهي مستمرة بالوسائل السليمة وعبر النشاط السياسي الذي يقوم على أساس التعامل مع واقع الحال وليس أن يكون جزء من واقع الحال. كما لا يمكن حصر المقاومة بجيش المهدي فقط، فهي عامة ووسائلها مختلفة وتقوم على رفض الإحتلال وعدم الخضوع لإرادته التي تتعارض في كل الأحوال مع إرادة شعبنا وطموحاته في الحرية والحياة الكريمة، بدليل العديد القوى الساسية تتحدث وترفع شعارات تطالب فيها إعادة إستقلال البلاد، أي إعادة السيادة الوطنية، إلى درجة تجعلنا لا نستثني أية قوة، ولكن السلوك يعطينا نتائج عكسية، لا علاقة لها بالشعارات، وهذا مظهر من مظاهر الخلط السائد في الساحة العراقية.
4- إن تحويلة بعض القوى، التي يطلق عليها تسمية ” مجالس الصحوة ” ، لقتال القاعدة، عبارة عن تحويلة مؤقتة أسبابها كامنة في صلب نزعة المشاركة في السلطة السياسية، وليس عملية تحول في الستراتيجية العملياتية العسكرية بشكل مجرد، أي عكس ما يرى الكاتب ويستطرد كي يصل إلى نتائج لا علاقة لها بواقع الحال ولا بتلميحات وتصريحات قيادات تلك القوى. فهذه القوى لها أساس إجتماعي ولها طموح سياسي، وقد جرى دعمها كي تكون عامل توازن مع القوى المشاركة حالياً في السلطة، بدليل إن الحكومة العراقية قد تقبلت وجودها بالإقساط ، لا بل قبلتها في أماكن ورفضتها في أماكن، وحددت شروط للتعامل مع قواها المسلحة، ولذلك لا يمكن إعتبار ذلك تطور إيجابي في المحصلة النهائية إنما عامل تعقيد إضافي، وفي أحسن الأحوال عامل توازن إذا ما تم التعامل معها كشريك تتزايد إمكانياته يومياً، وبذلك، لا يمكن إلغاء حالة القلق المستمر وعدم الإستقرار الدائم، وهذا هو رأينا قبل أن يصف مؤكداً، قائد العلميات العسكرية الأمريكي في العراق بترايوس بالقول إن ( الوضع الأمني هش، والنتائج غير دائمة ). كما توصل الإستاذ محمد عبد الجبار الشبوط، بعد أن ذكر الإعلان الأمريكي في وصف القاعدة وجيش المهدي، وعدد المدنيين الذين زهقت أرواحهم، إلى نتيجة أقل ما يقال عنها إنها لا مصداق لها على الأرض، وهي النتيجة التالية !!! ( وبالمعنى الحرفي للكلمة، انه لم تعد هناك » مقاومة« في العراق (، وهذا قول من الصعب إطلاقه، فإذا كانت ” المقاومة ” هي الإعمال العسكرية فهذه لم تتوقف لحد الآن، وخصوصاً العمليات الأرهابية البشعة التي تطال المدنيين من العراقيين، وإذا كانت ” المقاومة ” هي الأعمال السلمية، فهذه بالأساس غير قابلة للتحويل أو التجميد، فالإستمرار في العمل والمطالبة من إستعادة إستقلال البلاد من خلال مشروع وطني شامل وبعيد حتى لو مسافة شبر واحد عن إرادة المحتلين ورؤيتهم لقوى شعبنا، ناهيك عن عمل البعض الذي يستهدف المحتل فقط، وفي هذا السياق فالمقاومة ستستمر بما فيها العمل المسلح وفق معطيات وقدرات أبناء شعبنا. علماً إن الحياة كفيلة بفرض المفروض، لأن المقاومة ليست عمل إرادوي محض أو رغبة مسؤول فرد، يطلقها ويلغيها، إنها عملية إجتماعية سياسية، ذات أهداف إنسانية بالأساس، خصوصاً في ظروف العراق الذي عانى من الدكتاتورية والآن من الإحتلال والإهارب، وفي كل تلك الحالات كانت سيادة البلاد في أسطع صورها مطعونة وعلى وجه الدقة في مجال تطبيق القانون الذي يصون كرامة الإنسان على أقل تقدير، فإذا لم يرى الكاتب المقاومة اليوم هذا لا يعني إنها غير موجودة، وستكون الكلمة النهائية لها عندما يدرك الجميع أهمية وضرورة الإرادة الحرة في بناء الحياة الكريمة، وعندما لا تتوفر الإرادة الحرة فالنتيجة كما نعيشها الآن، مع كامل التأكيد على رفض الأعمال الأرهابية التي تستهدف أرواح الناس المدنيين وتجمعات سكناهم وعملهم أو ملتقياتهم المختلفة، فذلك أرهاب لا بل أرهاب منظم ومدروس، كما إن المقاومة بكل مستلزماتها وأهدافها النبيلة بعيدة كل البعد عن مبادئ الفاشية والنزعة العدوانية التي تعتمد ” الضرورة ” أو ” الضربة الإستباقية ” كمفاهيم في تحركها وتعاملها، إلى جانب أهمية التأكيد على الموقف وليس الموقع خصوصاً في مجال العمل مع القطاعات الشعبية والهيئات التمثيلية فالكثير من الأشخاص أو الجماعات تعمل من أجل مصالح وطنية وليست شخصية أو حزبية أو طائفية أو قومية ضيقة، وبذلك لابد من إعتماد طبيعة الموقف كأساس في تحديد التعامل مع الآخر، وهذه بديهية حياتية تنسجم مع عمل المقاومة التي شهدتها شعوب العالم، وعكس ذلك فهو عمل إرهابي بحت، والمقاومة الحقيقية لا تعفي أفرادها من المحاسبة عند تجاوزهم لأهدافها ومبادئها وموقفها الأخلاقي الرافض للظلم والعدوان، لأن السؤال يطرح نفسه حول المقاومة ومعناها ومغزاها، ماذا تقاوم ؟! بالتأكيد تقاوم الشر بكل أشكاله وألوانه، فليس من المعقول أن تقاوم الخير، أليس كذلك ؟! وعلى هذا الأساس نمييز الأفعال ونحدد المواقف والآليات.
22 / شباط ـ فبراير 2008
* * هذا رابط المقال والذي نشر بالأصل في جريدة الوطن ، وعدة مواقع الكطترونية ، ولغرض الفائدة نرفق نص المقال أيضاً بحروف صغيرة ممكن تكبيرها.
http://www.factiniraq.com/modules.php?name=News&file=article&sid=1515
كما نعتذر للقراء على التأخر في نشر الموضوع الذي كتبناه بتاريخ 22 / 1 / 2008 ، لأسباب فنية( عطل الكومبيوتر) ومشاغل يومية، وسوف ننشره على شكل حلقات لأنه يتعلق بموضوعات لا تفقد اهميتها رغم مرور وقت على نشر مقال الأستاذ محمد عبد الجبار الشبوط،
رؤية عراقية (( المقاومة«.. العراقية ))
أصبح »تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين« ـ حسب اعلانات الجيش الامريكي ـ اكبر تهديد للسلام في العراق. وكان جيش المهدي يحتل هذا الموقع الى ان اعلن قائده السيد مقتدى الصدر تجميد عملياته العسكرية ضد القوات الامريكية. ويمثل هذا القول اعلانا بنهاية مايسمى لفترة طويلة »المقاومة« ضد القوات الامريكية، لوصف منفذي العمليات العسكرية ضد هذه القوات بهدف معلن هو تحويل وجودها في العراق الى كارثة، تجبرها بعد ذلك على الانسحاب منه. فقد آثر منفذو تلك العمليات من غير اعضاء القاعدة تغيير وجهة القتال. فبدلا من محاربة القوات الامريكية، تحولوا الى محاربة »القاعدة« بعد ان اكتشفوا ان هذا التنظيم المتطرف يسعى الى اقامة دكتاتورية جديدة باسم الاسلام تحرم العراقيين من ابسط متع الحياة الدنيا التي تعودوا عليها، خاصة وان مقاتلي القاعدة، الذين يقولون انهم جاءوا الى العراق لمحاربة »القوات المحتلة« قتلوا في عام 2007 وحدة 3870 مدنيا عراقيا واصابوا نحو 18 الفا في 4500 هجوم، وهي هجمات لم تكن موجهة ضد القوات الامريكية، وانما ضد المدنيين العراقيين، مايحوّل »القاعدة« الى تنظيم ارهابي بامتياز كبير. وبانتشار »حركات الصحوة« التي انطلقت من محافظة الانبار، التي كانت ذات يوم ملاذاً آمنا للقاعدة ودولتها الاسلامية المزعومة في العراق، تحددت سمة القتال الدائر حاليا في العراق. فبدلاً من ان يكون قتالها بين »الوطنيين العراقيين« و »قوات محتلة« مثلا، اصبح قتالاً بين هؤلاء الوطنيين من جهة، والقاعدة من جهة ثانية، خاصة بعد ان تراجع القتال الطائفي الذي اندلع اثر تفجير منارتي مرقدي الامامين العسكريين في سامراء في فبراير عام 2006. وفي هذا القتال، اختارت القوات المتعددة الجنسيات التي يقودها الجنرال البارع ديفيد بتريوس، ان تقف الى جانب مقاتلي الصحوة ضد القاعدة، والذين كانوا الى وقت قريب يقاتلون القوات الامريكية الى جانب القاعدة. وهذا يعني، وبالمعنى الحرفي للكلمة، انه لم تعد هناك »مقاومة« في العراق، حتى اذا كنا نفرض وجودها قبل هذا التحوّل.. وليس هذا اعلانا بهزيمة احد سوى القاعدة، والارهابيين، لان حسابات الكلفة كانت توضع منذ البداية ان افضل طريق للتعامل مع القوات المتعددة الجنسيات انما رسمته قرارات مجلس الامن التي صدرت منذ دخول القوات الامريكية والبريطانية العراق في 19 مارس من عام 2003. فقد اعتبر مجلس الامن هذه القوات في البداية »قوات احتلال«، ثم اعتبرها »قوات متعددة الجنسيات« بعد تسليم السيادة لاول حكومة عراقية بعد سقوط نظام صدام، واحال مسألة وجودها أو رحيلها، الى ما تبرم الحكومة العراقية ـ عبر الآليات الدستورية المعتمدة ـ من اتفاقيات مع هذه القوات، ومع الولايات المتحدة الامريكية، بشكل خاص. يوصلنا هذا الاستطراد والتحليل الى ايراد حقيقة معمول بها في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي: ان وجود قوات اجنبية في بلد ما، بناء على اتفاق بينها وبين حكومة هذا البلد، لايعني ان البلد محتل، مادامت هذه القوات لا تفرض ارادتها السياسية على البلد على الضد من حكومته وهيئاته الرسمية، وهذه هي الحالة في اليابان والمانيا والعديد من الدول الاخرى التي توجد فيها القوات الامريكية. اخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار، يكون افضل ما يقوم به القادة العراقيون في هذه الفترة هو »تعويم« خلافاتهم حول القوات الامريكية، والتفرغ لحل مشكلات البلد السياسية والاقتصادية والاجتماعية الاخرى، ذات الصلة المباشرة بحياة المواطن.