الرئيسية » مقالات » هموم عراقية في برقية – على المسرح في مالمو

هموم عراقية في برقية – على المسرح في مالمو

تعتبر الحياة مسرح كبير يلعب فيه الإنسان دوره من الولادة للممات، كما تلعب الجماعات أيضاً دورها في عملية البناء أو الهدم إن شاءت من خلال ما تحمل من قيّم وأفكار وما تسعى إليه من غايات وتستخدم من وسائل وآليات، كل ذلك في إطار الصراع اليومي وبدافع نوعي وجهد أساسي، نسهم نحن فيه لكبح الشر وأثامه ونشر فعل الخير وإطالة أيامه.
إن مسرح الحياة لا يمكن إن يكثف هموم الحياة، بسبب تلازم حجم الهموم مع سعة الحياة وتنوع مجالاتها المتعددة، بينما المسرح الفني يمكن إن يكثف هموم الحياة عندما تتوفر القدرة الإبداعية وهذا شأن المبدعين في المسرح بشكل عام من ولادة فكرة القصة / المسرحية وكتابتها إلى إعدادها وتمثيلها، وقد شاهدنا الكثير من الأعمال الفنية الرائعة والرائدة قدمت في العراق وخارجه في إطار المسرح الجاد، الذي يساهم في التحفيز على رؤية الحياة بمنظار المشاركة في المسؤولية لا الهروب منها إلى الأمام أو الوراء.
وخلال هذه الفترة التي يشهد العراق مخاضات وشهقات وطموحات ونداءات تؤشر إلى المتاهات التي يجب أن تتوقف وإلا سوف لن يكون أمامنا سوى المنحدرات!!! شاهدنا يوم 16 / 2 / 2008 ( مسرحية البرقية ) قدمتها فرقة الطريق العراقية للمسرح، التي تأسست حديثاً في الدنمارك بالتعاون بين الفنان المجد حيدر أبو حيدر والفنانة القديرة نضال عبد الكريم، بمناسبة يوم الشهيد الشيوعي الذي أقامته منظمة الحزب في جنوب السويد وحضره جمع كبير من أبناء الجالية العراقية بينهم عدد من عوائل الشهداء الأبرار.
لقد كانت ( مسرحية البرقية ) أول عمل مسرحي للفرقه أعده الفنان حيدرأبو حيدر عن قصة ـ الشهداء يعودون هذا الاسبوع ـ وهي من روائع الكاتب الجزائري المبدع الطاهر وطار، والذي قال في جريدة المساء الجزائرية عن مكانة هذه القصة ( وأنا لست من الذين يلجأون إلى الكم ليتحدث الناس عنهم، أنا بالنسبة لي مازلت محاصرا بـ “اللاز”، و”الحوات والقصر”، و”الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، و”الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي”، أنا من الذين لا يصطادون السردين ولكن أصطاد الحوت الكبير ولو كانت صفحاته قليلة، وهذا هو الإبداع، هو انفجار في داخل المبدع يظل يشع للناس دهرا طويلا )، وحقاً كانت إبداع لا يشع فقط للناس بل يحفزها على التساؤل بإستمرار كيف ولماذا؟!
إلى جانب إعداد المسرحية قام الفنان حيدر أبو حيدر بإخراجها أيضاً، هذا وقد كان للفنانة القديرة نضال عبد الكريم حضور متميز بعد غياب دام ثلاثين عاماً عن المسرح الذي أحبته ودرسته في أكاديمية الفنون الجميلة ومارسته مع خيرة فناني العراق في فرقة المسرح الفن الحديث، حيث تمكنت من دورها ( أم خليل )، أم الشهيد، واجادته بشكل رائع، وقد جعلتنا نشعر بحالة تفاعل تلقائي من دون مبالغة، كما فعل زملائها في إجادة أدوارهم بتعبير صادق وجميل رغم محدوية المكان وقلة المستلزمات، فالحركة التي بدت لنا تلقائية تعكس حالة معايشة للهّمِِْ العراقي اليومي خصوصاً بعد التغيير في نيسان / أبريل 2003 كإمتداد للهّمْ الذي سبق هذا التاريخ، فكل الظواهر والإشياء لها إمتدادات في الأعماق الإنسانية والتي هي عبارة عن ذاكرة نحملها مع الأيام.
إن قدرة الممثلين إنعكست في تلقائية حركتهم على خشبة المسرح وبالإرتباط مع يومية الهّمْ وإقترانه بالعراقي إينما كان، تجاوب المشاهد معهم في أكثر من موقف وتعبير، كما كانت واضحة طاقة الفنانة السورية غفران ابو سالم التي شاركت في التمثيل وتمكنت من الإنسجام مع اللهجة العراقية مما يدلل على بذلها مجهود كبير من أجل ذلك، وكذا الحال في مشاركة الشابة الموهوبة لانه البابلي والفنان حيدر ابو حيدر، الذي لعب دور شخصيات إجتماعية متنوعة من حيث الموقع الإقتصادي والإجتماعي والثقافي والسياسي.
يقول الفنان حيدر أبو حيدر ( قد حاولنا من خلال بناء النص وتعريقة ان نطرح الكثير من الاسئلة التي تتركز بشكل واضح على موضوعة الشهداء واهدار حقوقهم بعد التغير فمن خلال التعريق اخذنا خصوصية العراق في مرحلة ما بعد سقوط النظام لذلك دراميا اخذنا النماذج السلبية فقط لنطرح عليهم اسئلتنا, ومن خلالهم يمكن ان يتفاعل معنا الجانب الايجابي .وليس العكس اي ان نطرح الجانب الايجابي لكي يتحسس السلبي. الان و ما يجري بالعراق شيء خطير جدا حتى الاحزاب التي تمثل الاغلبية هي قدمت شهداء على مذبح الوطن .. فلو اخذنا المعادلة التي تقول ان جميع الشهداء حينما كانوا يناضلون من اجل مستقبل مشرق هم المعبر الاهم في هذة المعادلة فلماذا لا تسلك الاحزاب نفس هذا النفس..بعيدا عن كل شيء الوطن اولا واخيراً نحن كعاملين في هذة المسرحية نعتقد ان جميع اصحاب القرار قد خذلوا الشهداء.. )
كان الإعداد والتمثيل يجسد هموم حياتية متنوعة في برقية كل حرف فيها عبارة عن حالة إجتماعية تعكس عمق مأساة الإنسان العراقي، الذي غدا والهّمْ صنوان لم يفترقان منذ عقود طويلة، وعلى ما يبدو ستستمر هذه العلاقة غير المطلوبة، بل الضارة، فأبسط الأحلام غدت عبارة عن شظايا وصدى ذاكرة بسبب مرارة الواقع وهزالة التبرير ووقاحة الإستهزاء بأحلام الأحياء، فالشهداء كما تقول البرقية ويردد المسؤول الحكومي والسياسي بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهذه أية قرانية كريمة لا غبار عليها ولا خلاف حولها، والقرآن الكريم لا يأتيه الباطل من أي حدب أو صوب.
ولكن ( البرقية ) بشخصياتها المتعددة التي تمثل شرائح إجتماعية متنوعة قالت بوضوح بأن لا حياة سوى للباطل، سوى للسمسار والمزور، وحاولت أن تخلق حالة من اليأس لو إصرار( أم خليل ) وحلمها الذي لم يفارقها وثقتها العالية بعودة أبنها الشهيد، بالتأكيد ليس كجسد، بل كقيّم ، يعود منتصراً بقيمه ومسؤولياته التي تفترض موقف الأبن من أمه أولاً وبالتالي من شعبه، من خلال موقف الجهات المسؤولة الرسمية منها أو الشعبية، فالشهيد هو ذلك المناضل من أجل الخير بكل بأبعاده، هوالذي كان يناضل في سبيل الحياة الآمنة لكل العراقيين، حياة تصان فيها كرامة الإنسان من دون تمييز، فالشهيد خليل، كان يحمل السلاح مع فصائل الأنصار، أنصار الحزب الشيوعي العراقي، أنصار الديمقراطية، أنصار الحقوق القومية، أنصار المجتمع المدني.
لقد كان إختيار قصة المبدع الطاهر وطار، إختياراً مناسباً جداً ليس فقط ليوم الشهيد إنما للظروف التي يمر بها العراق، إن الشهداء كرمهم يصل إلى درجة تقدم الحياة ثمناً لآجل أن يعيش الآخر بحرية وكرامة، لأنهم كانوا يخافون على حياة الأحياء، واليوم هناك الكثير من المخلصين ممن يخافون على شهادة الشهداء.
حقاً، ماذا لو عاد الشهداء ؟؟؟ كيف سنبرر لهم ما يجري ؟؟؟ هل من مسوغ مقنع نقدمه لهم ؟؟؟ أم نستمر بالقول والله الظروف لم تساعد !!! نعم هذا هو السؤال الكبير الذي تولد عندنا جراء الأوضاع والحالات التي حملتها البرقية، كتكثيف للهموم الحالية، ؟؟؟ كيف سنبرر لهم ما يجري ؟؟؟ هل من مسوغ مقنع نقدمه لهم ؟؟؟ أم نستمر بالقول والله الظروف لم تساعد !!! ولكن الظروف كانت تساعد إن يذهبوا الشهداء والآخرون يعيشوا بالإمتيازات سعداء!!! لا ، لا رجاءاً لا تعودوا أيها الشهداء فستموتون بلوم النفس ولن تنالوا الشهادة مرة أخرى !!! أبقوا أحياء عند ربكم إنه أرحم الراحمين !!! فالشهادة قيمة عالية كقيمة الأهداف التي نريدها ونعمل في سبيل تحقيقها على طريق حرية الوطن وسعادة الشعب، فبدون ذلك لا معنى للنضال، والشهادة تفقد جدواها من دون هدف إنساني عام ونبيل من مختلف المواقع السياسية أو الدينية أو القومية .
وأثارت ( البرقية ) أسئلة كثيرة عند الحضور، من هذه الأسئلة، سؤال ملحاح ويحمل حلول عملية لو فرصة صادقة تتاح، وهو : هل يمكن أن يكونوا الشهداء عندنا أحياء إلى جانب كونهم عند ربهم أحياء ؟؟؟ وبعد أيام من التفكير توصلت إلى ما يمكن أن يكون جواب مناشداً الحريصين أن يساهم بتدقيق هذه الإجابة أو المساهمة سويةً في الوصول إلى إجابة فتاريخ البشرية مملؤ شهداء أبرار مخلصين الهدف والمسعى والمعتقد … نعم ممكن أن يكونوا الشهداء أحياء عندنا من خلال الوفاء لهم عبر الإلتزام بقيّمهم التي ضحوا من أجلها، فالشهداء رقباء علينا في كل لحظة، إنهم أودعوا عندنا أمانة من الواجب أدائها من أي موقع نحن فيه، فهم أحياء بهذا، بإستكمال مشوارهم وتحقيق أهدافهم الإنسانية النبيلة، كي يتحقق العدل والإنصاف وتزدهر الحياة وبذلك هم يفرحون، فلا يكفي من أجل ذلك تسمية الشوراع والساحات والمدارس … بأسمائهم إنما لتكن الشوراع والساحات والمدارس مملؤة بقّيّمهم وهذا هو الوفاء وعلاج للداء!!!
إن فرقة الطريق العراقية للمسرح، بادرة عمل لها آفاق كبيرة إستناداً إلى جديّة العاملين وحاجتنا نحن المشاهدين للعمل المسرحي ذات الجدوى والتأثيرالإيجابي في حياة الناس، نبارك للجميع هذا العمل وننتظر مع بقية المشاهدين أعمال ناحجة أخرى ، وبرقيات حاملة حلول لتلك الهموم، هذا ما تمكنا عليه من التعبير تأثراً بعمل الفرقة الرائع على العموم، وللمتخصصين في الجانب المسرحي كلمتهم من حيث مستوى الإعداد والأخراج والتمثيل.

الحقوقي / محمد عنوز

6 / 3 / 2008