الرئيسية » مقالات » اتفاقية الحادي عشر من آذار والدرس البليغ

اتفاقية الحادي عشر من آذار والدرس البليغ

تمر اليوم ذكرى التوقيع على اتفاقية الحادي عشر من اذار 1970 والتي تمت بين القيادة السياسية الكوردية والحكومة العراقية التي كان يقودها حزب البعث آنذاك.
لقد جاءت هذه الاتفاقية بعد ما يقرب من عشر سنوات على قيام ثورة ايلول الباسلة بقيادة البارزاني الراحل وبعد عدد من المحاولات التكتيكية التي بذلتها الحكومات المتعاقبة بين الفترة 1961 حتى 1971 لكي تلتقط هذه الحكومات انفاسها من النجاحات التي كانت ثورة ايلول تحرزها ابتداء من زاخو وحتى خانقين وبعزم لايلين من قبل البيشمركة الكورد الابطال وهذا ما كان يدفع الحكومات تلك الى طلب الدخول في مفاوضات مع القيادة السياسية الكوردية وايقاف الاعمال العسكرية وهي تستشعر خطورة الامر الذي كان يهدد وجود هذه الحكومات واحتمال سقوطها، اما ما كان يدفع القيادة السياسية الكوردية للموافقة على مثل هذه المبادرات فكان الكورد ومن خلال قيادتهم السياسية لايريدون تفويت اي فرصة داعية للسلام وتنفيذ الشعار الذي اطلقه البارزاني الخالد منذ ابتداء الثورة (الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان) لذا فالحرب او الاقتتال لم يكن يوما من الايام هدفاً كورديا وبناء على ما تقدم كانت استجابة الكورد الدخول في مفاوضات مع الحكومة العراقية عندما دعت الى ذلك لأن مثل هذا الامر الذي يقع ضمن مبادئ ومفاهيم ثورة ايلول لايمكن ان يتحقق الا اذا عم السلام وانتهى القتال فكيف تعم الديمقراطية في العراق وكيف يتحقق الحكم الذاتي في اجواء ليس فيها سلام؟
وهكذا توقف القتال ووقعت الاتفاقية التي كان لها وقعها الكبير عربيا وعالميا وشرق اوسطيا وقد ايد الكثير هذا الموقف السلمي واستاء البعض منه لا سيما الذين كانوا وبأفكارهم المريضة يعتقدون انه بامكان الدولة العراقية القضاء على ثورة ايلول ورجالها لا بل على الشعب الكوردي بأسره وامانيه المشروعة.
لقد كانت المكاسب القومية التي حصل عليها الكورد في حينه وقياسا بالاوضاع السياسية في المنطقة مكاسب عكست طموح الشعب الكوردي في تلك الفترة وهنا نقصد بالمكاسب المدونة في الاتفاقية وليست المتحققة على الارض ويجب ان يعي المتابع والمؤرخ والسياسي ومحبو الكورد واعداء القضية الكوردية هذه الحقيقة اي الفرق بين ما تم تدوينه في الاتفاقية وبين ما تحقق على الارض فضلا عن المحاولات التسويفية لروح اتفاقية 11 آذار من قبل السلطة العراقية.
ان الحكم الذاتي لم يكن يوما لافتة او مجموعة لافتات بل الحكم الذاتي في مفهومنا ممارسة ديمقراطية فعلية حقيقية يمارسها الكورد وبارادتهم وليس بارادة حزب البعث العربي الاشتراكي لكي تقول الحكومة العراقية كما كانت تعلن دوماً نحن اعطينا الكورد الحكم الذاتي والقيادة الكوردستانية غير موافقة لا بل ذهب الشطط والغرور والخداع بالنظام المندحر البائد الى اكثر من ذلك فقام بتأسيس قيادات كوردية كارتونية بديلة عن القيادة السياسية الاصيلة وبدأ يتعامل معها على انها قيادات للشعب الكوردي للأسف وأسس لها مؤسسات الحكم الذاتي كالذي سمي بالمجلس التشريعي والمجلس التنفيذي وهي مؤسسات بعثية صرفة ولكن الخداع لم يستمر وهذه سنة التاريخ.
ومع ما قام به النظام البائد بعد تآمره على الثورة الكوردية من خلال اتفاقية الجزائر السيئة الصيت عندما وجد نفسه امام جدية القيادة الكوردية بتطبيق اتفاقية آذار روحا ونصرا وليس كمسألة تكتيكية كالتي كان النظام البعثي الجائر قد تعامل معها ورغم فشل تجربة اتفاقية 11 آذار مع الحكومة العراقية آنذاك فاننا نعتقد ان اعلان هذه الاتفاقية في حينه والسنوات الاربع التي تلت ابرام الاتفاقية السابقة للتنفيذ كان له اكثر من فائدة للكورد واولى تلك الفوائد ان الشعب العراقي والشعوب المجاورة وانظمتها تطبعت على مصطلح الحكم الذاتي المقرون بالشعب الكوردي وحقه في ذلك في وقت كان مصطلح الحكم الذاتي قبل اتفاقية الحادي عشر من آذار كافياً لمن ينطق به فقط انه يعد مجرما ويحاكم جنائيا ويصفى جسديا!! اما الشوفينيون خارج الحدود العراقية فكانت هذه العبارة ترعبهم مثلما هي الفدرالية اليوم التي ترعب الكثيرين خارج الحدود العراقية.
وثاني تلك الفوائد ان اقرار الحكم الذاتي رغم عدم التنفيذ الفعلي مهد الطريق للكورد بأن يطالبوا بالفدرالية من بعد ان وجدوا ان الحكم الذاتي الذي كان يصلح لمرحلة سياسية من تاريخ العراق بات لايصلح للمرحلة التي تلت ذلك ولا يعبر عن رغبة الكورد في ضوء المستجدات العصرية في العالم فرفع شعار الفدرالية صيغة للحكم في العراق ليس للكورد وحدهم بل ظهرت الحاجة الى ذلك في انحاء العراق.
اننا اذ نستعيد ذكرى واحدة من اهم الاتفاقيات الكوردية مع الدولة العراقية لابد ان نؤكد على درس بليغ تاريخي وهو ان الكورد يدخلون في اتفاقياتهم بجدية ومبدأية وان ابرام الحكومات اتفاقيات مع الكورد بعيدا عن الايمان بحقوق الشعب الكوردي بل من باب التكتيك وكسب الوقت للالتفاف على ما ابرمته مع الكورد لم يأت على تلك الحكومات غير الخراب والدمار.