الرئيسية » مقالات » بالمسيرات المليونية لا تبنى دولا ولا تتقدم شعوب…؛

بالمسيرات المليونية لا تبنى دولا ولا تتقدم شعوب…؛

في الاسابيع الماضية ساهم ملايين الناس في مراسيم عاشوراء ثم اربعينية الحسين وبعدها بيومين تحركت ملايين اخرى الى النجف للاحتفال بوفاة الرسول ، وفي الايام والاسابيع التالية ذكرى ومناسبات دينية اخرى. وقبل شهر محرم كانت حلت مناسبات مولد الحجة ومواليد عدد من الائمة الاطهار. وفي كل هذه المناسبات يشارك ابناء الشعب بأعداد كبيرة بلغت (9) ملايين في اربعينية الامام الحسين ، وثلاثة ملايين نسمة بمناسبة وفاة الرسول كما ذكر مسؤولوا خطة حماية الزوار. و جرت هذه الزيارات والمسيرات مشيا على الاقدام. ولقد تحول هذا التقليد في الزيارة والمسير في السنين الاخيرة الى ما يشبه الواجب وللبعض الاخر عادة.

واذا ما احصينا عدد الايام والساعات التي تهدر من اوقات العمل في دوائر الدولة والاعمال الحرة الخاصة وتكاليف خدمات الامن والجيش والخسائر البشرية في صفوفهم وفي صفوف المدنيين ، عندها ستكون التكاليف الحقيقية للمناسبات المذكورة باهضة جدا. قد تكون الضرورة الاجتماعية والنفسية هي ماتدفع بعض المواطنين لتجشم عناء السفر الى مراقد الائمة الاطهار وهو امر يعود للاشخاص انفسهم ، ولكن أن يجعل من المناسبة عطلة طويلة عن العمل والبيت والمدرسة فهذا امر بحاجة الى توجيه المراجع السياسية والدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني في البلاد.

ان التكاليف الضخمة التي قد تصل الى مليارات الدنانير والتي كانت ستذهب لتغطية متطلبات المسيرات والزيارات الجماعية يمكن ايداعها في صندوق خاص لتنمية المدن المقدسة التي يؤمها الزوار. ولاجل الاستفادة القصوى من تلك الاموال وغيرها من الاموال التي يتبرع بها المواطنون ، ينبغي اعداد خطة انمائية للمدن المقدسة ، مفصلة فيها المشاريع والانشطة الاقتصادية والسياحية والصحية والتعليمية والثقافية الضرورية لتلك المدن لازدهارها. ولحساب تكاليف انجاز تلك الخطة واموالها اللازمة وسبل تنفيذها سيكون من الضروري أن يساهم في اعدادها اقتصاديون ومتخصصون في الخدمات السياحية والصحية والثقافية والتعليمية التي تحتاجها تلك المدن. أن النتائج المتوقعة من تلك الخطط ستكون باهرة حقا على سكان المدن المقدسة وزوارها والبلد ككل. أن انشاء مثل هذا الصندوق لتمويل تنمية المدن المقدسة يفتح افاقا رحبة امام المدن و زوارها ويشعر المساهمين فيه بالفخر لانهم حولوا اموالا كانت ستضيع الى اعمار وازدهار وتنمية دائمة. وحتى تتحول الافكار الى اعمال وليس الى تمنيات نطرح الخطوات التالية :

اولا : توضيح الفكرة للناس وتشجيعهم من خلال الاعلام الايجابي للتجاوب مع فكرة ايجاد الصندوق وليكن اسمه” صندوق النوايا الخيرة”. وتعتمد فكرة الصندوق على تبرع المواطنين بمبلغ تكلة السفر والاقامة وكذلك تقوم الدولة بتحويل الاموال التي كانت ستخصصها لتمويل عمليات ارسال الوحدات العسكرية والشرطة الى الصندوق. ويضاف اليه ما يتجمع في المراقد من تبرعات نقدية وعينية من المواطنين والهيئات الاجتماعية في داخل البلاد وخارجها .

ثانيا : تشكيل لجنة لآدارة الصندوق تنتخب من بينها اعضاء الهيئة الادارية التي ستقوم بالاشراف على الصندوق وادارة امواله وتكون لها علاقة مباشرة بلجنة اعداد خطة تنمية المدن اذا كانت مستقلة او تابعة لوزارة التخطيط. وتقوم هذه اللجنة بالتنسيق مع ادارات الوقف السني والشيعي لتجنب تداخل انشطة الوقفين مع لجنة ادارة الصندوق. على أن تقوم اللجنة بنشر تقارير عن نشاطاتها النصف سنوية على الرأي العام اضافة الى خضوعها للرقابة المالية للدولة. ويكون من حق المنظمات الممثلة للمواطنين أن تطلب من لجنة ادارة الصندوق اطلاعها على نشاطات او نفقات او تبرعات وردت او ترد للصندوق.

ثالثا : المشاريع المراد انجازها بتمويل الصندوق و الحصيلة الاقتصادية المتوقعة منها.

أن اكثرية سكان المدن المقدسة فقراء معدمون بسبب غياب الانشطة الانمائية ، التي تخلق سوقا دائمة للعمل تتيح للقوى الحية الفتية فرص العمل للمساهمة في عملية بناء مدنهم. أن فرص العمل التي يتيحها الوضع الاقتصادي الحالي لتلك المدن محدودة وموسمية ، واكثر العاملون فيها لا تنطبق عليهم صفة العاملين الدائميين ،وهم اقرب للعاطلين عن العمل من كونهم عاملين ويندرجون في صنف البطالة المقنعة. فهم بحاجة الى عمل دائم ليحسنوا من مستوى حياتهم المعيشية ،والعمل الدائم توفره الاستثمارات في المشاريع الصناعية و بناء الطرق الجديدة والفنادق الحديثة والمستشفيات والمراكز الطبية والمدارس والجامعات والمراكز الثقافية والمتاحف التي تعني بالتراث الثقافي والديني والفنون التشكيلية وصيانة المواقع الاثرية والتراثية وزراعة الاراضي الفضاء بالاشجار الدائمة الخضرة لتحسين صورة المدن امام الزوار وتضفي بيئة صحية على السكان.