الرئيسية » مقالات » كوستاس كاريوتاكيس ـ مختارات

كوستاس كاريوتاكيس ـ مختارات

تمهيد:

عُثر على الشاعر اليوناني كوستاس كاريوتاكيس (Kostas karyotakis) ميتاً تحت شجرة يوكالبتوس على الشريط الساحلي خارج مدينة بريفيزا Preveza اليونانية في وقت متأخر من مساء الحادي والعشرين من يوليو 1928 ، عُثر عليه منتحراً باطلاق النار على نفسه وهو في الثانية والثلاثين من العمر.
كان في الليلة السابقة قد حاول أن يُغرقَ نفسه في البحر دون جدوى، فذهب الى بيته لينام . وفي اليوم اللاحق خرج في طريقه فاشترى مسدساً، وحوالي الساعة الثانية بعد الظهر جلس على مقهى ساحلي لمدة ثلاث ساعات يدخن سيجارة في عقب أخرى. وقد كتب رسالة عُثر عليها لاحقاً في جيب سترته ورد فيها:
“أدفع الآن عن كل أولئك الذين مثلي لم يروا شيئاً مثالياً في حياتهم ، أولئك الذين كانوا فريسة لخيباتهم ، وكانوا يعتبرون وجودهم لعبةً بلا معنى.”
عاش كاريوتاكيس في بيئة بورجوازية متزمتة، تعلم الألمانية والفرنسيةباتقان برز في ترجماته لهاينريش هاينه وبودلير ، وظهرت تأثيراتها في مجموعاته الشعرية.
حين انتقل الى أثينا 1913 كان يبدو شاباً خجولاً ، جدياً ، ليس طويلاً ، نحيفاً وأنيقاً جداً. درس القانون في جامعة أثينا. فتح لفترة مكتباً للمحاماة وبعد فترة أغلقه لقلة الزبائن ليعمل موظفاً في قطاع الخدمة العامة. تعين موظفاً في دائرة حكومية في سالونيكي ، لكنه بعد أربعة أشهر حن الى أثينا كثيرا:

يا صديقي ، أشعر الآن وكأن قلبي قد شاخ.
لقد تركت ورائي الحياة في أثينا ،
الحياة التي انقضت جميلة مثلما كانت بهيجة
وأحياناً مشوبة بطعم الجوع المر القاسي.

لن آتي الى المكان ثانية ،
المكان الذي أصبح مسكناً لفرح شبابي
إلا كعابر سبيل مليء بالأمل،
والحلم الذي تلاشى.

حصل على جائزة في الشعر عام 1920 . التقى 1922 لأول مرة بزمبلته في العمل الشاعرة اليونانية الجميلة ماريا بوليدوري. فنشأت بينهما علاقة انقطعت بعد سبعة أشهر، لكن اللقاء بالشاعر كاريوتاكيس ترك أثره الكبير في حياة وشعر بوليدوري التي كانت مغرمة به الى حد كبير.
أصدر مع صديق له في 1919 صحيفة هجائية اسبوعية صدرت منها ست طبعات قبل أن تغلقها الشرطة بتهمة الخروج على الآداب العامة.
تنقل شاعرنا عام 1924 بين المانيا وايطاليا ثم رومانيا. وفي مايس 1927 سافر الى فرنسا ليعرض نفسه على طبيب متخصص لاصابته بمرض السفلس، الذي واجه بسببه ازدراء مسؤوليه في العمل ، حيث نقلوه بالضد من رغبته الى مدينة باتراس الريفية ، ثم الى مدينة بريفيزا Preveza في 18 يونيو 1928 . وقد صور معاناته هذه في آخر قصائده (بريفيزا). وفي 21 يوليو من نفس السنة عثر عليه منتحراً.
اصدر كوستاس كاريوتاكيس في حياته ثلاث مجموعات شعرية: (ألم الانسان والاشياء) 1919 التي لم تستقبل بشكل طيب ، ثم (نيبنثي) 1921 ، (اليجير وساتيرر) 1927 ، ويمكن القول أن مجموعتيه الأخيرتين تمثلان تعبيراً صادقاً عن معاناته وهزيمته في مواجهة الحياة.

يمتاز شعره بكونه مرآة صادقة تعكس حياته في صراعه الدائم مع آلام وجوده ، رومانتيكي، كئيب الايقاع، في معظمه تعبير عن قلب ممزق ، فيه سخرية لاذعة تكشف درجة أحاسيسه الجريحة.


* باكتريا السفلس الشاحبة

الكتب العلمية كانت غاية في الجمال،
بصورها الحمراء الدموية، الصديقة
التي بخيبة نظرت ضاحكة في الخفاء،
جميلة كانت حتى شفتاها المنفرجتان اللتان منحتهما لنا…..

دقت برقة فائقة على جباهنا، وبعناد
لدرجة أننا فتحنا لنُدخلها مثل سيدة.
الحماقة في رأسنا، لكي نقفل بعد ذلك.
الآن امست حياتنا غريبة، تاريخ قديم .

أفكارنا وأحاسيسنا ترفٌ ،
حِملٌ نمنحه لكل شخص نبيه.
نتمسك بالاطراء ، ضحكاتنا الطفولية ،
وفطرتنا أن نترك أنفسنا بين يدي الله.

مخلوقاته كوميديا مرعبة،
هو، الذي يملك الغاية الفضلى دائماً ،
يبيح للستارة أن تنسدل أمام أعيننا.
ـ أواه ، أية كوميديا ! ـ عمى ، حلم ،
مناخوليا.

والصديقة المشتراة كانت غاية في الجمال ،
في هذا الغسق الشتوي البعيد جداً ، حين
ضحكت بغموض ، منحتنا شفتيها
وأبصرت الاحتمال ، الهاوية قادمة.

(1923)


* منتحرون مثاليون


انهم يديرون مفتاح الباب ، يأخذون
رسائلهم القديمة المحفوظة بعناية
يقرأونها بهدوء ، ثم يجرون
أقدامهم خلفهم للمرة الأخيرة.

حياتهم ، يقولون ، كانت تراجيدية.
يا الهي ، ضحكات الناس المخيفة ،
الدموع ، العرق ، حنين السماء
اللانهائي ، وكل الأماكن المقفرة.

إنهم يقفون عند النافذة وينظرون
الى الأشجار ، الأطفال ، الطبيعة البعيدة ،
العمال في مقلع الرخام وهم يدقون ،
والشمس التي ستغيب الى الأبد.

كل شيء يمضي. انظرْ الى الرسالة الصغيرة هناك ،
قصيرة ، بسيطة وعميقة , والتي تؤقلم نفسها ،
مليئة باللامبالاة والصفح
تجاه الذي سيقرأها ويبكي.

إنهم يرون أنفسهم في المرآة ، ينظرون الى الساعة ،
يتساءلون إن كان هذا جنوناً ربما، خطأ ،
“كل شيء يمضي” يهمسون، “الآن”،
في الفعل نفسه أبعدوا احتمال تأجيله.

(1927)


* بريفيزا Preveza


الموت هو الزاغات التي تحلق عالياً
باتجاه الأسوار السود والسطوح القرميدية ،
الموت هو النساء اللاتي يسمحن أن يقع العشاق في هواهن
كما لو كن يقشرن البصلَ .

الموت هو الطرق القذرة غير المهمة
باسمائها الشهيرة اللامعة
حقل الزيتون ، البحر المطوق ،
مع الشمس ، الموت وسط الأموات.

الموت هو الشرطي الذي ينحني ،
كي يضبط الوجبة الموزونة بشحة ،
الموت هو البصل المعلق في الشرفات ،
والمعلم مع صحيفته.

قاعدة عسكرية ، حامية ، قوة حرس في بريفيزا.
في يوم الأحد سوف نستمع الى الأوركسترا العسكرية.
استخرجت لنفسي دفتر الحساب المصرفي ،
أول ايداع لي كان ثلاثون دراخما.

حين تمشي ببطء على رصيف الميناء ،
تتساءل مع نفسك: ” هل أنا موجود؟” ثم:
“أنت غير موجود!”
السفينة البخارية ترفع الراية في الأعلى.
ربما يأتي السيد المحافظ الى هنا.

لو كان على الأقل بين هؤلاء الناس
واحد فقط مات من الملل …
صامتين وحزينين ، بشكل قنوع ،
كنا حينها كلنا سنتسلى بالدفن.

(1928)

* بريفيزا: مدينة في ابيروس شمال غرب اليونان.

(ترجمة عن السويدية)