الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة الحلقة التاسعة

حرب الخليج الثالثة الحلقة التاسعة

لم تكن نتائج حرب الخليج الثالثة تقتصر على إسقاط نظام صدام حسين القمعي الذي نكل بالشعب أبشع تنكيل، بل أدت هذه الحرب إلى انهيار شامل لكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وفقدان الأمن والنظام العام، وانتشار عصابات الجريمة، بالإضافة إلى عصابات البعث في طول البلاد وعرضها، والتي عملت على تخريب وتدمير وسرقة وحرق كل ما وقع تحت أيديهم.
وكان القرار الكارثي الذي أصدره الحاكم المدني الأمريكي [بول بريمر] الذي عينه الرئيس الأمريكي بوش حاكماً على العراق بحل جهازي الجيش والشرطة قد فسح المجال لهذه الزمر لتمارس جرائمها بكل حرية دون أن تخشى الملاحقة، وجعلها تتمادى في جرائمها التي وصلت إلى حد الاعتداء على المواطنين الآمنين، واغتصاب ممتلكاتهم الشخصية، ولم يتورعوا حتى عن قتل الألوف منهم.
وهكذا وجد الشعب العراقي، الذي كان يعاني أشد المعانات من أوضاعه المعيشية السيئة، نفسه أمام معضلة أشد واخطر، إلا وهي فقدان الأمن الذي أصبح هاجسه الأول، وأصبح المواطنون يفكرون بالأمن قبل أن يفكروا بلقمة العيش.
وبسبب تلكأ قوات التحالف في ملاحقة وإلقاء القبض على أعوان النظام الذي تواروا عن الأنظار في بادئ الأمر خوفاً من الاعتقال، ومن العقاب وجدوا بعد فترة زمنية قصيرة أنفسهم في مأمن من المطاردة والعقاب، فبدأوا يخرجون إلى العلن، وأخذوا يمارسون أعمال التخريب والحرق للمؤسسات العامة، ثم تصاعدت جرائمهم التي تحولت إلى أساليب جديدة وخطيرة، حيث السيارات المفخخة، وإلقاء القنابل وزرع المتفجرات، وقتل المواطنين، ومهاجمة قوات الشرطة، بحجة مقاومة الاحتلال، لكنهم في واقع الأمر كانوا وما زالوا يبغون من وراء أعمالهم الإجرامية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإعادة سلطة النظام البعثي السابق بعد أن فقدوا كل الامتيازات التي تمتعوا بها في ظل ذلك النظام.
وهكذا أدركت قوات التحالف، بعد أن أصابتها نيران هذه العصابات وأوقعت بأفرادها الخسائر الجسيمة، وما تزال حتى هذا اليوم، خطأ تقديراتهم، حيث بادرت إلى شن الحملات العسكرية لملاحقة واعتقال هذه الزمر التي تمتلك الخبرة العسكرية، والأسلحة الكثيرة التي وزعها النظام المسقط، والأموال الضخمة التي تمت سرقتها من قِبل النظام ، وفي أذهانهم حلم استعادة الفردوس المفقود !!.
لقد وقع الحاكم المدني بريمر بخطأ جسيم آخر عندما استهان بتلك القوى البعثية التي ظنها ضعيفة، ولا تشكل مصدر تهديد، لكن الحقيقة كانت على العكس من ذلك، فبعد فقدانها السلطة أصبحت تمثل خطراً حقيقياً على مستقبل العراق، وكان لابد للتصدي لها، وعدم إتاحة أي فرصة أمامها لإعادة تنظيم صفوفها، وتجميع قواها، مستفيدة من عملية حل الجيش والأجهزة الأمنية لتصعيد أعمالها الإجرامية.
وفي ظل تلك الظروف الصعبة فإن المشهد السياسي كان يتسم بالتعقيد، وتحف به المخاطرالكبيرة، حيث بدأت تظهر بوادر انقسامات واستقطاب بين سائر القوىالسياسية، وكل جهة تسعى للحصول على أكبر قسم من كعكة الحكم متجاهلين المخاطر المحدقة بالعراق من كل حدب وصوب، غير مدركين أن الجميع في سفينة واحدة، وأن غرقها يعني غرق الجميع. كان المشهد يعكس لنا أن هناك انقساماً واستقطاباً للقوى السياسية الفاعلة في أربعة اتجاهات:
الاتجاه الأول:
ويضم القوى الإسلامية التي كانت تهدف إلى إقامة دولة إسلامية تتخذ من الشريعة أساساً لسن الدستور الجديد، وفي ذهنها أنها تمثل الأغلبية في البلاد، وأنها هي المؤهلة لحكم البلاد.
لكن هذه القوى ضمت تيارات مختلفة وطوائف متباينة، فهناك الطائفة الشيعية، والطائفة السنية، وتضم الطائفة الشيعية حزب الدعوة المنقسم على نفسه، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وحزب الفضيلة، والكتلة الصدرية التابعة لمقتدى الصدر، وحزب الله وغيرها من التنظيمات الشيعية الأخرى، وهذا الانقسام قاد بلا شك إلى التنافس وحتى الصراع المسلح بين هذه التيارات المختلفة هذا بالإضافة إلى التنافس بين التيار الإسلامي ككل والتيار العلماني من جهة أخرى، والذي يعمق من أزمة الحركة الوطنية، ويحد من نشاطها في استتباب الأمن والنظام العام، وإعادة بناء العراق، وإقامة نظام حكم ديمقراطي حقيقي يصون حقوق وحريات الشعب بمختلف قومياته وأديانه وطوائفه.

أما الطائفة السنية والتي كانت في ظل النظام السابق تهيمن على الحكم، والتي وجدت نفسها على حين غرة وقد فقدت سلطتها، فقد أصيبت بالصدمة وبدأت ترتب شؤونها من جديد يحدوها الأمل في لعب دور سياسي في ظل النظام الجديد، وبادرت إلى عقد مؤتمر يضم مختلف الاتجاهات السنية.
وخرج علينا مؤتمرهم ببيان يعلن عن تأسيس ما سمي بـ [مجلس الشورى وأهل السنة ] ويضم الأخوان المسلمين والسلفيين وغيرهم من التجمعات الرجعيةالأخرى، وهو ما يشكل استقطاباً طائفياً، وهذا الاستقطاب أثار القلق في صفوف الشعب بعد أن تحول إلى صراع طائفي عنيف، مما تسبب في اعظم الأخطار على مستقبل العراق.
الاتجاه الثاني:
وقد ضم القوى العلمانية واللبرالية واليسارية، وهذه القوى دعت إلى إقامة دولة ديمقراطية عصرية، وإلى سن دستور علماني يضمن الحقوق والحريات العامة والمساوات لسائر المواطنين بصرف النظر عن قوميتهم أو دينهم أو طائفتهم، وهذا الاتجاه يطمئن مصالح كافة فئات الشعب بكل أطيافهم.
لكن تنظيمات هذه القوى لم تكن تخلو من عناصر الضعف نتيجة القمع والتصفية المتواصلة التي تعرضت لها على أيدي الأجهزة الأمنية لنظام صدام، ومنعها من ممارسة أي نشاط سياسي في البلاد من جهة، ونتيجة الاختلاف في التوجهات الاستراتيجية لكل حزب، وعدم استطاعتها إيجاد قواسم مشتركة فيما بينها لتشكيل جبهة سياسية موحدة تستطيع التأثير في مجريات الأحداث السياسية، وخاصة عندما جرت الانتخابات البرلمانية، وفي عملية إعداد الدستور.
ورغم الدعوة التي أطلقتها ثلاث قوى سياسية هي الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي والحزب الاشتراكي العربي مؤخراً لتشكيل جبهة سياسية ديمقراطية علمانية التي جاءت متأخرة جداً، وفي ظل ظروف بالغة الصعوبة حيث تسيطر اليوم قوى الإسلام السياسي على الساحة العراقية، وميليشياتها المسلحة تتحكم في الشارع العراقي، وفي سائر أجهزة الدولة من القمة حتى القاعدة.
كما أن تخلي قيادات الأحزاب القومية الكردية عن حلفائها الحقيقيين من الأحزاب العلمانية واليسارية واللبرالية بوجه خاص، وتحالفها مع قائمة الائتلاف التي ضمت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي قد ساهم بشكل أساسي في إضعاف تأثير هذه القوى، مما أتاح الفرصة لقوى الإسلام السياسي الشيعي أن تهيمن على البرلمان والسلطة في البلاد، ولعب دور بارز في إعداد الدستور وما حواه من مثالب تحمل في طياتها عوامل استمرار الصرع بين القوى السياسية .
الاتجاه الثالث:
وقد ضم هذا الاتجاه قوى الأحزاب القومية الكردية بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السيد مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة السيد جلال الطالباني اللذان حكما منطقة كردستان العراق مناصفة منذ انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991 بحماية أمريكية بريطانية، واستطاع الحزبان، رغم الصراع والاقتتال الذي جري بينهما على السلطة والثروة لسنوات، أن يوحداً جهودهما من جديد بضغط من قبل الإدارة الأمريكية التي جمعت القطبين في واشنطن من أجل التنسيق معهما قبل شن حرب الخليج الثالثة التي انتهت بسقوط نظام الدكتاتور صدام حسين، وقد استطاعت الحكومة الكردية خلال المدة مابين الحرب الخليج الثانية وحرب الخليج الثالثة التي دامت 12 عاماً ، إن ترتب شؤون الحكم في كردستان، وتنشئ قوات عسكرية كبيرة ساهمت في الحرب إلى جانب القوت الأمريكية، واستطاعت الحصول على أسلحة الفيلقين الثاني والرابع الذين كانا متمركزان على تخوم كردستان، عندما ألقت قوت هذين الفيلقين السلاح بعد اندحار نظام صدام ، وبذلك أصحبت قوة يحسب لها الحساب في تقرير مصير العراق، وخاصة بعد أن تحالفت مع قوى أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، مما مكنها من تحقيق أقصى ما يمكنها من المكاسب في السلطة، وفي تعزيز كيانها السياسي حتى باتت دولة مستقلة تمام الاستقلال ولا يعوزها غير الإعلان الرسمي الذي ينتظر الظرف الدولي المناسب لإعلانه. وهكذا تخلت القيادات الكردية عن حليفها الاستراتيجي السابق المتمثل بالحزب الشيوعي وسائر القوى الديمقراطية، وتخلت عن شعاراتها التي طالما كانت تنادي بها طيلة العقود الماضية، فالسياسة ليس لها مبادئ ، بل لها مصالح ومصالح فقط.
لقد وضعت كل هذه القوى والأحزاب السياسية كل بيضها في السلة الأمريكية، وتخلت عن شعاراتها في الحرية والديمقراطية وتحقيق الحياة الكريمة للشعب العراقي، ودخلت في العملية السياسية التي جرى ترتيبها على أيدي الحاكم المدني الأمريكي السيئ الصيت بول بريمر من دون أن تمارس السلطة الحقيقية في البلاد ، حيث بقيت الولايات المتحدة بقواتها المحتلة هي الحاكم الفعلي للبلاد حتى يومنا هذا، ولا احد يستطيع تحديد نهاية لهذا الاحتلال واستعادة العراق لسيادته واستقلاله الحقيقيين.

الاتجاه الرابع:
ويمثل القوى التي تم إسقاط حكمها في التاسع من نيسان والمتمثلة بحزب البعث المنحل، وفلول الرجعية التي ارتبطت مصالحها مع النظام الصدامي المباد، والتي فقدت تلك المصالح والامتيازات التي تمتعت بها لأربعة عقود على حساب بؤس وشقاء غالبية أبناء الشعب، وكذلك عناصر القاعدة التي حولت ساحة صراعها مع الولايات المتحدة إلى أرض العراق، والتي بدأت تمارس أعمالاً إجرامية في مختلف المدن العراقية من تفجير السيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة، وزرع القنابل الموقوتة التي تودي بحياة الكثيرين من أبناء الشعب، وتبث الفزع والرعب في نفوسهم.
إن هذه القوى لعبت وما تزال دوراً خطيراً في الأحداث الجارية في البلاد، وتشكل تهديداً جدياً على مستقبل الديمقراطية، مما كان يستدعي من سائر القوى السياسية المؤمنة حقاً وصدقاً بالحرية والديمقراطية إدراك مدى هذه الخطورة، والتصدى لها بجبهة موحدة تمتلك برنامجاً مشتركاً تتفق عليه جميع القوى العلمانية، والليبرالية واليسارية كي لا يتعرض مستقبل العراق لمخاطر جسيمة.
إن هذه القوى تبدو اليوم أشد شراسة مما كانت في الحكم، وأن أبعاد خطرها على مستقبل البلاد ليس بالأمر الهين، وهو يتطلب تظافر كافة الجهود للتصدي لها، وقمع أي تحرك من قبلها في مهده، وهذه القوى تستمد القوة بلا أدنى شك من تفكك وتناحر واختلاف القوى والأحزاب السياسية فيما بينها، بدل أن تضع مصلحة الشعب والوطن فوق كل المصالح الأخرى، لكي لا تضيّع فرصة ربما لا تجدها مرة أخرى لسنين طويلة.

الدور الأمريكي والبريطاني في المشهد السياسي العراقي:

وفي ظل هذا المشهد العراقي الذي نجده اليوم يبقى الدور الأكبر الذي تلعبه الولايات المتحدة في تحديد مستقبل العراق، ويخطئ من يظن أن الولايات المتحدة ستخرج خالية الوفاض من العراق بعد دفعت جيوشها وخاضت الحرب لإسقاط نظام صدام، وضحت بأرواح جنودها، ودفعت وما زالت تدفع تكاليف الحرب الباهضة، والتي جاوزت 400 مليار دولار بعد مرور 5 سنوات على هذه الحرب.
إن العالم اليوم يعيش فترة العصر الأمريكي بلا أدنى شك، فهي القوة العظمى الوحيدة في العالم، وبات على العالم أن يتعامل معها على هذا الأساس شاء أم أبى ، والعراق اليوم محتل من قبلها، وهي لن تخرج قواتها من العراق قبل أن تضمن، وبشكل دائمي، مصالحها فيه بإقامة نظام حكم يكون على ارتباط وثيق بها سياسياً واقتصاديا، وفي سائر المجالات الأخرى.، وسيمتد الوجود العسكري الأمريكي إلى أمد طويل.

ورغم إن الشعب العراقي يبتغي إقامة أفضل الروابط مع بلدان العالم أجمع، ومنها الولايات المتحدة، لكنه يشترط أن تكون العلاقة قائمة على أساس المصالح المشتركة، واحترام سيادة واستقلال العراق، وإن تحقيق هذا الأمر يتطلب وحدة القوى والأحزاب المؤمنة بعراقيتها كافة، واتفاقها على برنامج مستقبلي مشترك كي تشعر الولايات المتحدة بقوة تأثيرها وعدالة مطالبها في الحرية والاستقلال، وبناء عراق ديمقراطي مسالم ومزدهر يحقق الحياة الرغيدة للشعب الذي عانى من المصائب والويلات والإفقار خلال العقود الأربعة الماضية.
وأن أية محاولة من جانب الإدارة الأمريكية للاستمرار في حكم العراق من وراء الستار، واستمرار احتلاله لن يؤدي إلا إلى تصاعد أساليب الكفاح الشعبي من أجل التحرر واحترام سيادة البلاد، فالسيادة والاستقلال أمران لا يمكن التساهل بهما. وأن العلاقات المتكافئة والمصالح المشتركة هما السبيل الوحيد لاحتفاظ العراق بعلاقة جيدة ودائمة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
www.hamid-Alhamdany.com