الرئيسية » مقالات » خلجنة الثقافة العربية في نسختها الثانية

خلجنة الثقافة العربية في نسختها الثانية

العربية , الجزيرة , روتانا و باقة واسعة من قنوات دبي و أبو ظبي و غيرها ( عدا عن التحالف بين مؤسسات سعودية مرتبطة بالنظام و قنوات و فضائيات لبنانية لتقوم هذه القنوات بنقل الرسالة الإعلامية لتلك المؤسسات السعودية هروبا من المحرمات الدينية و الاجتماعية التي ما زالت مفروضة على النشاط الإعلامي في السعودية أو الذي يرتدي اللباس السعودي ) إضافة إلى مهرجانات و مناسبات و احتفاليات “ثقافية” باذخة جدا عدا عن الدور الذي تلعبه صحف مثل الشرق الأوسط و الحياة و البيان و الاتحاد و كثير غيرها و “نجاحها” في استقطاب أقلام ثقافية “محترمة” أو في قدرتها على صنع أقلامها الخاصة , و هجوم شامل للأغنية الخليجية وصل إلى حد أن أغلب الفنانين غير الخليجين يضطرون اليوم للغناء باللهجة الخليجية و ارتداء الملابس الخليجية الفولكلورية في بعض الأحيان , هذا على التوازي مع قيام هذا الإعلام الهائل الإمكانيات بالدفع بالجيل الجديد من “الدعاة” الخليجيين , النسخة المعدلة من أوائل الدعاة الذين وجدوا أنفسهم فجأة إما خارج تغطية هذا الإعلام أو حتى بعيدا عن أي ظهور إعلامي و هم الذين تمتعوا طويلا بدور مركزي في الإعلام الخليجي..إنه استبداد البترو دولار الثقافي من جهة أي ببساطة هو استبداد رأس المال السلطوي المتراكم من بيع النفط و رغبته بخلق بعد ثقافي يبرر سياساته و يروج لها , و من جهة أخرى فهو أيضا استثماره الفكري و الثقافي..ليست هذه هي المرة الأولى التي جرت فيها محاولة خلجنة الثقافة العربية أو بالأصح محاولة فرض نمط خاص عليها عبر إعلام خاضع للبترو دولار , جرى هذا مع الطفرة النفطية الأولى عندما عكف إعلام البترودولار على خلق ثقافته الخاصة و محاولة جعلها جماهيرية , الفرق الرئيسي أنه في المرة الماضية لم تكن الأنظمة الخليجية وحدها من استثمر عائدات النفط , في ظروف الطفرة الأولى استفادت السعودية , و بدرجة أقل باقي دول الخليج , و ليبيا و العراق من الفائض النفطي لتبدأ بتنظيم حالة إعلامية ثقافية سلطوية أشبه بغزو فكري خاص بها لعالم الإنتاج الثقافي : اخترع القذافي النظرية الخضراء التي أصبحت جدية للغاية نتيجة الإنفاق الإعلامي الهائل الذي سخر للترويج لها , عمل صدام على خلق أمجاده التاريخية الخاصة عبر تشكيل جهاز هائل مهمته تلميع صورة القائد و إثبات تاريخية شخصيته , أما السعودية فقد عملت على بناء معسكر معادي للشيوعية و للقومية يقوم أساسا على دعوة مغرقة في محافظتها السياسية و الفكرية و الاجتماعية قامت على خليط من الدعاة الوهابيين الذين استندوا إلى تعاليم ابن عبد الوهاب و ابن تيمية و ابن حنبل ( التي تلاحق اليوم !! ) و الإخوان الفارين من قمع الأنظمة القومية في مصر و سوريا , كان ابن لادن الابن الشرعي لهذا العمل الفكري الإعلامي , لكن كان سلاحه يومها موجه نحو صدور الجنود الروس في أفغانستان و ليس الحلفاء الأمريكان في الوطن و في كل مكان..إن الإسلام الجهادي هو ربيب هذه الحالة الفكرية السلطوية المالية..لا يمكن مع ذلك الإدعاء بأن الإسلام الجهادي كان نتاجا سعوديا خالصا , كان هناك آباء له في باكستان و مصر و سوريا و الهند و غيرها لكن الطرف المسؤول عن تنسيق هذا الفكر الجهادي ضد الشيوعية و القومية و عن تقديم الدعم اللوجستي الأساسي و تنسيق جهوده في إطار الجهد الأمريكي العام ضد العدو الأحمر كانت هي السعودية..إن الطبعة الليبرالية الجديدة من الغزوة الثقافية الحالية للبترو دولار و التي تبدو أنها تتقدم دون أية مقاومة جدية لغياب المكافئ السلطوي القادر على المنافسة و بالتأكيد بسبب غياب المكافئ الشعبي هي اليوم تعبر عن رؤية سلطوية ذاتية للثقافة المحلية تتجاوز بالتأكيد صورة الصحراء التي خبرها الأجداد و الآباء إلى صورة العالم كما يراها جيل الشباب من الأسر الحاكمة أكثر من أنه يمكن نسبتها لحالة أعم تحاول أن تجمع شتات ممثلي أو مناصري تيار فكري ما الذين يجري استدعائهم أو “استقدامهم” حسب الحاجة حالهم في ذلك حال كل العمالة في الخليج , لقد كانت في السابق أيضا تعبيرا عن مصالح هذه الأنظمة لكنها هذه المرة تستخدم مفردات و وسائل و قيم ثقافة هجينة تعبر تحديدا عن واقع هذه المجتمعات الحالي و خاصة تطور فكر و ثقافة نخبتها الحاكمة تجمع البداوة ( التي نراها في مهرجانات كالجنادرية و سباقات الهجن و مسابقات الشعر النبطي مثلا ) إلى محاولة تقليد الغرب الشكلانية و مباراته ببذخ الصورة و الحضور و الإبهار في مهرجاناته و مجمل ثقافته اعتمادا على المال الوفير المتوفر , ليس الغرض هنا مفاضلة الجهد الثقافي المصري أو السوري أو العراقي أو اللبناني أو القادم من المغرب العربي و الذي كان يمارس الدور الطليعي في طرح و مناقشة إشكاليات الثقافة العربية حتى الأمس القريب مع هذا الحضور الإعلامي الثقافي الخليجي الطاغي و ليس الدافع وراء طرح هذا الموضوع هو الغيرة من الثروات التي بتصرف حكام تلك الدول التي تسمح لهم بأن يكدسوا أسلحة و يقيموا فضائيات و يعيشوا حياة باذخة يتفوق فيها أمير سعودي أو “شيخ” من آل الصباح أو آل نهيان أو آل مكتوم على هارون الرشيد حتى , إن الغرض هنا باختصار هو الاعتراض على ربط الحقيقة الفكرية و الذوق الجمالي بسطوة المال لا حرية العقل الباحث و بالتأكيد ليس بسجون الرأي و الفكر المخالف..أحاول هنا الإجابة عن المضمون الفعلي لليبرالية يرعاها نظام كالنظام السعودي بل و يريد أن يحولها إلى رأس حربة فكري سياسي ضد خصومه..هنا على هذه الليبرالية أن تؤدي مهمة أساسية كانت موكلة في السابق للإسلام الجهادي , تصوروا ! , الذي خدم كواجهة سياسية فكرية لأنظمة الخليج خاصة السعودي حتى سقوط الخصم الشيوعي و تراجع الخصم القومي و انهياره : هذه المهمة هي تبرير علاقة التبعية للنظام الرأسمالي العالمي و التحشيد ضد الأعداء المشتركين , هذا ما فعله الإسلام الجهادي بامتياز حتى تمت هزيمة العدو , غدا سنشهد سقوط هذه الليبرالية المسكينة التي تتربى اليوم على أيدي النظام السعودي بمجرد سقوط العدو أيضا : الإسلام الجهادي..ليست هذه النيو ليبرالية التي يبشر بها الكثيرون اليوم على صفحات الجرائد التي يمولها البترو دولار إلا استمرار و تطوير لسياسات تيار سلطان بن عبد العزيز المعروفة على نطاق واسع التي لعبت دورا أساسيا في نقل السادات إلى الطرف الآخر من الخندق و في الإعداد ل و استمرار الحرب العراقية الإيرانية و تمويل حرب المجاهدين في أفغانستان ضد الروس , إنها باختصار تروج للانخراط في المشروع الأمريكي أو للاستسلام له على أقل تقدير على أنه جوهر أي تغيير “ديمقراطي” “ليبرالي” , إن جوقة الإعلام الليبرالي الناطق باسم البترودولار تسخر من أي مضمون آخر لحرية الناس , خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الحاكم و المحكوم و هذا طبيعي و ضروري لمن يعبر عن ليبرالية يرعاها نظام كالنظام السعودي تصر في كل لحظة على أن مهمتها الأساسية هي مواجهة الإسلام الجهادي و بقية أعداء أمريكا الإقليميين..و لأن هذا الخطاب مأزوم بشكل واضح فهو مضطر لأن يناور بعيدا عن أفكار الحرية , و لأنه أيضا يريد أن يعوض عن خسارة عدائه للحداثة الذي كان أساس شعبوية خطابه الإسلاموي السابق و الذي أصبح اليوم عدوه الأول فهو مضطر لأن يصبح طائفيا , إن هذا الخطاب “الليبرالي” لا يجد أية غضاضة في الترويج للعداء لإيران , العدو الأول في هذه المرحلة لأمريكا , لأن يصور الصراع في المنطقة على أنه صراع طائفي , تعيد وسائل إعلام البترودولار تكرار فكر مرحلة الحرب الإيرانية العراقية المدمرة التحريضي الطائفي لكن بلهجة “ليبرالية” لا قومية أي بمعنى استبدال صدام بأمريكا , إنها تنسب كل آثام خطابها السابق الإسلامي التي تصمه الآن بالرجعية لنظام الملالي في إيران مستثنية حكام الخليج أو معلنة أنهم رموز الخطاب الليبرالي الجديد..يجب التأكيد أن الإسفاف الجمالي و الفني سبق أن جرى عن عمد أيضا عندما تطلبت ذلك مصلحة أنظمة غير خليجية بقصد تمجيد شخص الزعيم و تسفيه الجماهير , لكن الإسفاف هذه المرة مضاعف , إن الناس يجبرون رغما عنهم على مشاهدة نتاج ثقافي فني يعبر عن مصالح أنظمة تستمد شرعيتها من الكم الهائل من الدولارات التي تسيطر عليها و يعبر عن مجتمعات ذات نهضة مصطنعة تفتقر إلى الأصالة أو إلى عمق الصراعات الاجتماعية و الفكرية و السياسية بل إن هويتها و بنيتها ما تزال في طور التأسيس ناهيك عن غياب تفاصيل اجتماعية واضحة تسمح بتأسيس صراع منطقي يبحث عن حلول في البعد الثقافي هذا كله في ظل حضور طاغي منفرد للسلطة بصورتها المطلقة العائلية..إننا أمام دول – مجتمعات ذات حضور طاغي و أساسي بل و وحيد للسلطة , صاحبة المال و التي تتحكم به و عن طريقه بالمجتمع – الذي هو عبارة عن كتلة ما تزال في طور التشكيل , يتأسس أساسا من قبائل فقط , الطبقات تكاد تكون معدومة الوجود هذا مع الاعتراف بوجود تفاوت حقيقي هائل في الدخل و مستويات الحياة لكن الفئات التي في أسفل السلم الاجتماعي إما أنها تقبل بهذا الوضع بحجة أنها في الأصل في أسفل السلم الاجتماعي العشائري أو بسبب غياب إحساس مشترك بالمصلحة و الهوية الاجتماعية بينها خارج الانتماء القبلي , لا وجود لأية ديمقراطية عشائرية قد تمثل نقيضا للسلطة , فقط وجود طاغي للسلطة و وجود هامشي مؤثر أحيانا لنخب مالية و أرستقراطية , هذه هي الثقافة السياسية للهجوم الليبرالي الجديد الذي يرتدي الثوب الخليجي..هناك حالة استثنائية ليس فقط خليجيا بل حتى عربيا تمثلها الكويت بما تملكه نخبتها المالية و الثقافية من حرية في وجه السلطة , يشبه الليبراليون الكويتيون مفكري أثينا القديمة , الذين كانوا يعتمدون على عمل عبيدهم ليتفرغوا للبحث في أمور الكون و في حرية الإنسان , يشبه الوضع السياسي في الكويت الوضع في أثينا , ديمقراطية النخبة الأرستقراطية و المالية و التجارية أي وجود طبقة ثرية منافسة للسلطة و طبقة متوسطة مشاكسة..لعل من سخرية الأقدار أن يسجل غزو صدام للكويت انهيار أوليغاركية آل الصباح , لقد غير الغزو المعادلة السياسية الداخلية نهائيا بشكل حاسم و على الرغم من بقاء أسرة الصباح كمستفيد و مسيطر أساسي على الدخل الوطني الهائل لكن هذا لا يمر بدون معارضة نشيطة من النخب المالية و الأرستقراطية..لقد طرح الصراع مع الاحتلال العراقي مسألة الهوية , ليس فقط على الصعيد الثقافي بل أيضا على صعيد الجنسية الكويتية عندما جرى طرد أعداد كبيرة من البدون أو إجبارهم على أن يتجنسوا بجنسيات من أمريكا الجنوبية و بلاد أخرى في نهاية العالم , و على صعيد صياغة رؤية جديدة وحدت موقف السلطة و مصالحها إلى رؤية النخب المالية و الأرستقراطية و المثقفة و مصالحها عن العلاقة مع الآخر العربي و الأمريكي , لقد جرت عملية إعادة صياغة الموقف من المحيط الإقليمي و من العلاقة مع النظام العالمي الدولي و خاصة أمريكا على ضوء حقيقة الاحتلال العراقي و “تحرير” الكويت على يد المارينز و حضور عربي و إسلامي تافه استدعي أساسا للتغطية على وجود المارينز و بتمويل كامل من الأنظمة الخليجية , أصبحت هذه الرؤية الجديدة أساس الخطاب الليبرالي الجديد أو الطبعة الأخيرة من محاولة خلجنة الثقافة العربية , جرى تطور مشابه أيضا داخل النخب الثقافية و المالية , و لو أن تأثيرها أكثر محدودية و هامشية , في السعودية و سائر دول الخليج ليتفاعل مع مصالح الأنظمة السائدة ككل و ليتحول في مرحلة لاحقة اعتمادا على المال الذي وفرته الطفرة النفطية الثانية إلى أساس الغزو الجديد للعقل العربي الذي يعبر عن مصالح الأنظمة و معها النخب المالية و الأرستقراطية التي اعتبرت لبرلة العقل العربي أي وفق مفهومها تأكيد التبعية الكاملة لأمريكا كحكم “عادل” أو يمكن شراءه على أقل تقدير بالمال و النفط أساسا لإحساسها بالأمان و ضرورة استمرار هذه الكيانات السياسية بشكلها الراهن أو مع إضافة تعديلات باتجاه تقاسم أكثر للسلطة و الثروة بين النظام و النخب المالية و الأرستقراطية و الثقافية..أنجبت الطفرة الأولى ابن لادن و اليوم يجري الترويج لمفهوم مسخ مشوه عن الحرية جوهره الاستسلام لمشيئة أمريكا و العداء الاستئصالي للإسلام الجهادي , و لأن القضية هنا ليست مفاضلة تيار الاعتدال أو الممانعة و لا محسن بلال أو رامي مخلوف أو أي فرد من أسرة آل الأسد الحاكمة في دمشق أو أحد أفراد مؤسسة الملالي الحاكمة في طهران مع شيوخ و أمراء الأسر الحاكمة في الخليج , فإن هذا يطرح بقوة ضرورة دمقرطة الإعلام أو ضرورة تأسيس إعلام بديل قادر على التعبير عن مصالح الشوارع العربية في مواجهة كل قوى القهر و الاستبداد و في مواجهة إعلام المال الطاغي…….