الرئيسية » مقالات » خارج عقلك

خارج عقلك

هذه المقالة هي محاولة لخلق توصيف للمرض النفسي , من منظور فردي أولي , مع المرور على نظام الصحة العقلية و رغبة باختزان أو تسجيل خبرة الجنون كخبرة فريدة , ذات ارتباطات بالنقد الاجتماعي العام للأناركية .

إن الخبرة الأبرز للإصابة بمرض عقلي خطير , أو أولئك الذين يوسمون بأنهم مصابون بالشيزوفرينيا ( فصام الشخصية ) من جانب مهنة الطب النفسي الاستبدادي بالضرورة , هي ظهور شخصية جديدة . هذه الشخصية الجديدة تحل محل الشخصية القديمة للشخص المصاب , و في الجوهر يصبح “المجنون” شخصا مختلفا تماما . هنا , لا أريد أن أنكر أنه لا توجد صعوبات هائلة تواجه أي إنسان يعاني من انهيار عقلي كامل . إن المظهر الأبرز لهذا هو البارانويا ( جنون الاضطهاد ) التشوش , حيث تصبح اللغة نفسها استبدادية أو قمعية و يبدأ الشخص بالهلوسة . لكنني سأزعم أن أسباب هذه التجربة هي عقلانية تماما و تعود لصعوبات الحياة في مجتمع عدائي متخاصم كلية .

الهوية أو الشخصية

أود أن أبدأ تحليلي بموجز عام عن الشخصية . بالنسبة لي , فإن الشخصية هي اجتماعية بالكامل . يتعلم المرء كيف يتعايش و يتفاعل مع بقية الناس , و يتطورون هم أنفسهم كنتيجة لهذا التفاعل . إنهم يمنحون شخصية ما من قبل آبائهم , و تتطور هذه الشخصية من خلال التفاعل مع بقية الأطفال و الكبار في محيطهم . في الديمقراطية البرجوازية المعاصرة يتاح لمعظم الناس في الجزء المبكر من حياتهم مجال مفتوح معين بحيث أن شخصيتهم تتكون نتيجة لاختلاطهم ببقية الناس , و لا تفرض من قبل ماكينة الدولة رأس المال العدائية . لكن هذا ينطبق فقط على أطفال عوائل الطبقة الوسطى . إنني أقول أنه بسبب هذه الفرصة لتشكل الشخصية التي ستتمكن من البقاء في مجتمع عدائي متخاصم , حيث لا يهم من تكون , سيجري تقييمك كعضو في الجنس البشري . سأزعم أنه بالنسبة لمعظم الأغلبية العاقلة , فإن شخوصهم لم تتعرض للتحدي في غموضها أو لا نهائيتها . إنهم أكثر من اسم . لكن في المرض العقلي يصبح من المستحيل أن توجد أو تستمر في الوجود بشخصيتك السابقة و يجري البحث عن مخرج للهروب , و لو بشكل غير واع . إن سبب هذا اليأس أنه قد تم حذف أو استبعاد شخصيتهم الاجتماعية , مثلا , أن يصبح وضعهم الاجتماعي عدائيا , أو أنهم لا يجدوا أية سبل جديدة للتطور , أو أنهم طردوا من وضع اجتماعي داعم سابقا , أو أنهم عوقبوا نتيجة لشخصيتهم المعلنة . كنتيجة لهذا , يظهر شعور هائل بعدم الجدوى و لا يمكنك أن تجد أي شيء لتستعين به . إن شخصيتك الاجتماعية , التي قامت على أساس الناس الذين يحيطون بك , قد تعرضت للإلغاء . قد يأخذ هذا شكل الإيذاء الجسدي أو الجنسي , خيانة الثقة , أو في ظل الرأسمالية , تكييف وضعك الاجتماعي مع مجتمع عدائي متخاصم بأن تصبح أنت عدائيا و محلا للخصام أنت نفسك . إننا نشاهد هذا أثناء عملية تشكل الجوهر الأولية حيث يصبح الإنسان كذابا , أنانيا , مستبدا و بارد عموما .
لذلك فإن العقل الأولي , بالنسبة لأوهام المرضى العقليين , هو اغترابهم الكامل . اغترابهم أو انسلاخهم عن اللغة و عن بقية الناس و بالنتيجة عن شخصيتهم الاجتماعية . إن فعل الرأسمالية يجرد ( أو يستبيح ) روح الإنسان بأن يحول أساس روحهم تلك و مجتمعه ضده .

شخصية جديدة

أريد الآن أن أعود إلى عملية المرض العقلي نفسها , أو الطرق التي تتشكل من خلالها شخصية جديدة . يتخذ معظم المرضى العقليين شخصية أخذت من التاريخ , سواء أكان يسوع المسيح أو جنكيز خان أو في حالتي أحفاد قادة آخر تمرد لأنصار جيمس الثاني . إن أسباب هذا الاختيار عديدة .
أولا هناك فقدان لوجود أي هدف أو شخصية تاريخية واعية بالنسبة لمعظم الناس الذين يعيشون في ظل الرأسمالية . انعدام القدرة على لعب دور في تحسين المجتمع كعضو فعال بالفعل في الجنس البشري . ينضم معظم الناس إلى قطيع عبودية الأجر , و كنتيجة , فهم عرضة للاستيلاء على أرواحهم . ثانيا , إن اتخاذ شخصية رجل عظيم من التاريخ يمنحنا القوة الرمزية التي ترافقه , يميل الناس لتقييم فين ماكول على نحو أفضل من الشخصية التافهة رقم 5 من منطقة جنوبي غلاسكو . يمكن أيضا لتعبير التاريخي أن يستخدم لإضافة أبطال من الميثولوجيا ( علم الأساطير ) الذين يملكون شخصيات قوية و هم جزءا من التاريخ الثقافي للبشرية . ثالثا يشعر المرء بارتباط عميق غير واعي مع هذه الشخصية الجديدة , التي قد يكونوا طوروها في مرحلة أبكر من حياتهم . تسمح الشخصية الجديدة بتطوير الأحلام الآتية من مرحلة الطفولة , عندما كان تطور الشخصية يتم أكثر على مستوى غير واعي . هذا يتصل أصلا بما قاله فرويد عن عودة ظهور الأفكار و المشاعر المقموعة . رابعا هناك عنصر يتعلق بالانعتاق , يعتقد المريض أنه يمكنه أن يصبح ذلك الشخص و بالتالي أن يعيد بعض المجد لاسمه لأن المريض نفسه هو شخص جيد كذلك . بينما يصبح المرضى هم أنفسهم أشخاصا أفضل فإنهم يتحررون من كل أخطائهم . خامسا فإنهم قد يشعرون بأن عناصر من خبراتهم قد تعكس هذه الشخصيات التاريخية . و أخيرا يحتاج المريض إلى شخصية قوية ليبرر كل الألم الذي يشعر به . إن مرضى فصام الشخصية و الهوسيين الاكتئابيين يتشاركون عموما بشعور من الشقاء الشديد أو الألم الجسدي الحاد الناتج عن علاقتهم ببقية الناس و هم في لحظات الانهيار يبررون السبب وراء مضايقتهم يكمن في شخصيتهم القوية التي كانت كامنة أو مستورة سابقا . إن الخطوة الأولى للتواصل مع المرضى العقليين ستكون في مساعدتهم على إدراك أن هذه المعاناة شاملة في المجتمع الحاضر .

الشخصية الرسمية

أريد الآن أن أعود إلى ردة فعل النظام و المجتمع على المرض العقلي و احتمال الانعتاق الذي يمثله المرض العقلي . يعمل النظام أساسا على إعادة فرض شخصية المريض السابقة أو الرسمية . هذه عملية مستمرة تبدأ في الأسرة و عالم العمل و يجري تكثيفها فقط في مستشفيات الأمراض العقلية . إن شخصية المريض الرسمية هي عبارة عن عصى تستخدم ليضرب بها . كطفل , أو مستهلك ( لأي شيء طالما كنت قادرا على الدفع ) أو كعامل أجير فإنك تعامل على أساس غير متساوي . إن كل من يعتقد أنه يسيطر على شخصيتك يمكنه أن يستخدم هذه الحقيقة ليستخف تماما بإنسانيتك , إذا كنت تعرف الناس الذين يقومون باضطهادك فإن هذا يصبح أسوأ لأن هذا الاضطهاد يأخذ شكلا جسديا و مباشرا . يتطور المرء فقط عندما يمكنه أو يمكنها أن يتقارب مع بقية الناس دون خوف . إن الحياة مع أو العمل لحساب إنسان يعتقد أنه يسيطر على شخصيتك تضعه آليا أو أوتوماتيكيا في وضع يولد الخوف داخلك . هذه هي النتيجة النفسية السيكولوجية للرأسمالية , حيث يقوم بعض البشر بتحول البقية إلى ملكية . إن إحدى أساليبه الرئيسية هي في وصم أو وصف شخص ما بأنه مجنون أولا فيما لا يكون هو كذلك بالفعل . إن هذا الوصف يتضمن أن هذا الشخص لم يعد إنسانا , أنه نفاية في الحقيقة , و أنه قد خلق معاناته الخاصة بيده , أو أنه قد استحق عقوبته بسبب الطريقة التي يتصرف بها . إنها مناقشة شبيهة بتلك التي تقول بأن اليهود يستحقون الإبادة لأنهم ضعفاء . طبعا هذه هي المشكلة الأساسية في مستشفيات الأمراض العقلية حيث يعامل المرضى كنفايات صنعوا هذا بأنفسهم من قبل مجتمع محسن كريم بالمقابل . يرتبط هذا بوجود الدولة حيث يصبح كل فرد جزءا من الملكية أو مجرد تابع و بالتالي غير جدير بأن يبقى عليه . أولئك الذين يقدرون أنفسهم و استقلاليتهم يوصفون بالجنون .

الاستشفاء

إنني أريد الآن أن أنتقل إلى مواضيع ملموسة أكثر بالتركيز على تأثير المستشفيات النفسية على المرضى . أولا يتم تجاهل المرضى . الممرضات و الأطباء لا يتحدثون أبدا للمرضى . هذا لأن المريض يوصم بأنه غير عقلاني و بالتالي من المستحيل الكلام معه , أنه لم يعد كائنا اجتماعيا بعد الآن . قد يكون هذا التجاهل السبب في مشاكل المريض في المقام الأول , فيم هو أو هي يتحرق للحديث إلى الناس عن شخصيته أو شخصيتها الجديدة و كيف أن العالم سيصبح أخيرا مكانا أفضل , يجري تجاهله أو كبته . ربما بشكل واع لإضعاف روح المريض أكثر . يجري حرمان هؤلاء من حقوقهم الإنسانية الأساسية على أساس أكثر المزاعم الغير مؤذية . راغبين بمغادرة المستشفى أو و هم يواجهون أساسا محترفي الطب النفسي بالحقيقة , أنهم قد تعرضوا للاضطهاد بشكل غير مبرر و ظالم , أن هذا النظام غير عقلاني , و أنك عندما تصبح شخصا جديدا فإن هذا لا يعني أن شخصيتك قد انقسمت أو انفصمت . هذا يعني أنه طوال 28 يوما , و قريبا لمدة 6 أشهر لم تستطع مغادرة الجناح , و أنه عليك أن تتناول الأدوية مع وجود ممرضة تتبعك في كل مكان . إن الأوضاع اليومية في مستشفيات الأمراض العقلية تتجاوز ما وجد في معسكرات الاعتقال النازية . الأدوية نفسها مصممة لتثبط نشاطك العقلي و هلوساتك التي هي جزءا ضروريا منك في تلك الفترة , و ذلك بقصد فصلك عن وجودك المادي و كبح رغبتك بالحياة نفسها . يشهد على هذا العدد المرتفع من حالات الانتحار بين المرضى العقليين بعد مغادرتهم المستشفيات العقلية و بعد العودة إلى الشخص الذي أكثر ما تكره , أنت , و إلى نفس المحيط الذي أدى إلى تدميرك العاطفي , أسرتك و أصدقائك على الأغلب . إن النظام لا يعاملك حتى كمريض عقلي . إن كنت مريضا عقليا بالفعل فقد يكون من الممكن الحديث إليك و الحوار معك , لكن هذه ليست طريقة الطب النفسي المعاصر . بالإضافة إلى أن بعض الأشخاص تجري محاربتهم فقط لأنهم كانوا نشطاء , كما في حالة غريغ مينز في برونلي .

التحرر

أخيرا أرغب بالتأكيد على التحرر الموجود في المرض العقلي . أولا إن المريض العقلي اجتماعي تماما . إنهم يعتمدون على بقية الناس باحثين عن الدفء , اللطف و التضامن . إن الصورة المألوفة لمستشفيات الأمراض العقلية هي مزيفة بالكامل , إنها عادة أماكن ساكنة و مكبوحة . إن التغيير في شخصية المريض يترافق أيضا مع تغير في شخصيات الذين يحيطون بهم . إن السعادة التي تجدها في الهروب من حياتك تحتاج إلى أن تشاركها بطريقة ما . كما أنهم لا يدعون أي مجال للشك بطيبتهم , رغم أننا مغتربون عن حقيقة أنك تمتلك جسدا يجمعك مع بقية البشر مما يعني أنك تتبع غريزيا إرادتك و قوتك الخاصة لتفعل الخير لا الشر , ليس للشر أية سيطرة على أو أية جاذبية بالنسبة للمجانين البتة . تصبح خبرتك دليلا على قوة الفرد . لكن ككائن اجتماعي فإن ما تريده و تتمناه هو نفس ما يريده الذين هم حولك , الحب , سعة العيش , السلام و السعادة . لكن القول أن هذا يمكن تحقيقه عن أي طريق سوى المجتمع الشيوعي الذي لا تقوده دولة هو محض افتراء .

استنتاجا لما سبق فإن خبرة المريض العقلي تتألف من ألم لا ينتهي , لكن كل ما نحتاجه لنوقف هذا الألم هو مشاركتهم و تفهمهم . مع وضع نهاية للرأسمالية و للدولة ليس فقط أن مثل هذه المعاناة لن تعود للظهور , بل سيصبح الناس أحرارا في أن يعتبروا أنفسهم أجداد أولئك الذين فقدوا عقولهم .

www.afed.org.uk/org/organise55_web.htm# نقلا عن