الرئيسية » مقالات » نحتاج إلى وحدتكم…

نحتاج إلى وحدتكم…

كاتب ومحلل سياسي – غزة
لم أكن ولست ممن يجيدون او يحبون الكتابة المناسباتية، فهذه اما ان تأخذ طابع المجاملة، والتطبيل والتزمير، واما ان تأخذ طابع المماحكة والنقد المبالغ فيه. لا يعني ذلك ان ثمة غياباً للكتابات الحادة والممتعة لكن هذه كمن يحاول استخراج الأمل والتفاؤل من واقع رؤى، مرير، سوداوي كالذي يعاني منه الفلسطينيون منذ بعض الوقت.
بالرغم من صعوبة الكتابة المناسباتية، حين تلتزم منهج التقييم والنقد الموضوعي الجاد، الا انني اشعر بهاتف داخلي ينادي بضرورة التوقف امام بعض المحطات المهمة والتاريخية، بهدف تعزيز ما هو ايجابي في حياتنا، وتقديم نماذج تصلح للمقارنة مع حاضرنا ولكن دون ان نزج انفسنا في مقارنات فجة، ومباشرة، تاركين ذلك لنباهة القارئ.
ولتعذرنا فصائل العمل الوطني التي ساهمت في صناعة وصياغة التاريخ الفلسطيني الحديث والمجيد، اذ لا نستطيع وليس من الحكمة ان نتوقف عند كل مناسبة لتأسيس نحو خمسة عشر فصيلاً سياسياً لا تزال موجودة، ومصممة على المتابعة، ذلك اننا لو فعلنا ذلك، فاننا سنضطر للتكرار مع فوارق بسيطة.
في هذه الايام، تمر الذكرى التاسعة والثلاثون لتأسيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي لا تزال تحفر لنفسها مكاناً في قلب التاريخ والحاضر الفلسطيني، رغم كل ما يمكن تسجيله في هذا الاطار على محمل الحجم والفاعلية وهو ما ينطبق على معظم فصائل العمل الوطني باستثناء حركتي فتح وحماس.
الحديث عن الجبهة الديمقراطية، أو عن الجبهة الشعبية أو حزب الشعب، وبقية الفصائل التي نحترمها جميعاً عن قناعة، ونقدر ادوارها، ليس حديثاً عن ايقونات تاريخية تنتمي الى التراث المجيد لشعبنا، وانما هو حديث يتصل بظواهر فكرية سياسية اجتماعية، تعرضت صعوداً وهبوطاً لأثر العوامل الموضوعية والذاتية التي احاطت ولا تزال تحيط بقضيتنا الفلسطينية.
انه حديث يحدوه أمل كبير، من الصعب ان نجد له بديلاً فيما يضج به الواقع الفلسطيني، لكي تتمكن هذه القوى، منفردة او مجتمعة، من استعادة قدرتها على النهوض، والتقدم وتوسيع مساحات الفعل والتأثير.
مهم كم يحظى هذا التنظيم او ذاك بتأييد شعبي، وحجم تنظيمي وسياسي، ولكن في وقتنا هذا يبدو ان علينا الاهتمام فوق ذلك، بالابعاد التاريخية والقيمية والسلوكية التي تمثلها هذه الظاهرة او تلك، ذلك اننا ونحن نقر بالدور الحاسم للفصائل ونفخر بهذه التعددية السياسية، فان الساحة الفلسطينية انفتحت على اتجاهات قيمية متضاربة، وبعضها يأخذنا الى ساحات التخلف وثقافة العنف والاحتكار السياسي، واقصاء الآخر.
عند انطلاقتها، اثر الحدث الكبير الذي وقع في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي ورثت وطورت امتداداً شعبياً عربياً واسعاً كانت تحظى به حركة القوميين العرب، كان مؤسسو الجبهة الديمقراطية ومعظمهم لا يزالون احياء، قد بشروا بمشروع كبير، يقضي ببناء منظمة ماركسية لينينية، لم يكن من وجهة نظر المؤسسين، بامكان الجبهة الشعبية الموحدة ان تتحول كلها لتعبر عن ذلك المشروع.
لسنا هنا لنستعرض كل اسباب الحدث، الذي حول الجبهة الشعبية من تنظيم ينافس حركة فتح على الموقع الاول، الى تنظيمات اجتهدت طيلة سنوات لتشكل البديل الثوري لحركة فتح من حيث الدور القيادي، لكنها لم تنجح في ذلك.
المهم ان التنظيم الجديد، احدث حراكاً فكرياً غنياً في الساحة الفلسطينية، شكل واقعاً قوياً لكل من الديمقراطية والشعبية، للتسريع في عمليات التحول والتطوير والتثقيف الداخلي، وخلق حالة من التنافس الايجابي في ميادين تمثل الفكر الثوري الجديد، والاهم تمثل اخلاقياته وسلوكياته ما قدم نموذجاً متقدماً وجيداً للكادر، والقيادي، والعضو والمقاتل الثوري.
لم تنزف قطرة دم واحدة، بسبب الإفتراق المؤلم في حينه، ولم يسقط الطرفان المتنافسان حتى العظم في متاهات الابتذال، والتحريض البشع، ونفي الآخر، كما لم تقع قطيعة بين الفصيلين، اللذين ظلت عين كل منهما على الآخر، هذا لاثبات صحة خياره وذاك لاثبات خطئه.
الجبهة الديمقراطية التي تشكل التنظيم الفلسطيني الوحيد من بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية التي لا تزال تحظى بوجود العدد الاكبر من المؤسسين الذين لا يزالون على رأس العمل، وعلى رأس المواقع التنظيمية والسياسية، ولا يزالون يحظون بهمة عالية، وقدرة كبيرة على التفكير والعمل بمثابرة اكيدة، وحيوية عالية.
هي ذاتها القيادة التي قدمت الجبهة الديمقراطية باعتبارها مدرسة الواقعية الثورية في الساحة الفلسطينية، هذه الصفة المميزة التي لم تغادر الجبهة في كل سياساتها ومواقفها اللاحقة وحتى اللحظة، رغم، ان هذه الواقعية السياسية لم تعد تحظى بالتأثير في صنع السياسات التي حظيت بها في ظروف سابقة.
لا تزال الاجيال التي عاصرت ثورتنا الفلسطينية تتذكر وتذكر للجبهة الديمقراطية دورها الريادي في صياغة المشروع الوطني الفلسطيني الذي يضبط العمل الفلسطيني حتى الآن ويتمثل في حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس.
كان اشتقاق ذلك المشروع الذي لا يزال يحظى بحيوية بالغة ما لم تنسفه مشاريع أخرى فلسطينية، يعبر عن تقدم الوعي الفلسطيني ويعبر عن ميزة القدرة على استشراف المستقبل، والامساك بالخيارات الملائمة.
ونسجل ايضاً للجبهة الديمقراطية جملة من نماذج الاخلاق الثورية التي شكلت بعضاً من اهم تراث الحركة الوطنية، وجملة من المفاهيم العلمية في صياغة التحالفات، وتحديد الموقف من التناقضات، بالاضافة الى ما يعنيه كل ذلك من حرص على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية ووحدة الشعب ووحدة القضية والمشروع الوطني.
وتحسد الجبهة الديمقراطية على نوع وشكل التعبئة في بناء الكادر والعضو، اذ يتحلى اعضاء الجبهة، بالتزام عال، وبهمة ومثابرة في العمل، وعدم الالتفات الى عقارب ساعة العمل اليومي، وهو بالتأكيد انعكاس لمواصفة تتجلى بها قيادات الجبهة الديمقراطية.
لسنا بالتأكيد في معرض استخراج السلبيات، وهي قليلة بالمقارنة مع ما نعيشه ونشاهده في هذه الايام، لكننا ننصح ونتمنى ان تصل الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وحزب الشعب، الى نقطة الحسم فيما يتصل ببناء التيار الديمقراطي ذلك اننا كما نرى، هو الخيار الواقعي، الممكن، والمتاح، والافضل، في مجابهة التحديات التي تجابه الحركة الوطنية الفلسطينية، واذا كان الرفاق في “الديمقراطية” يعتبرون ان انشقاقهم عن “الشعبية” كان ضرورة في حينه، فان اعادة التوحد هي الضرورة الآن.