الرئيسية » مقالات » قطة مام جلال الزئبقية

قطة مام جلال الزئبقية

كنت قد كتبت مقالة قبل أيام وأسميتها(ارفض زيارة العار أيها الرئيس الطالباني) وناشدت من خلالها السيد الطالباني بعدم التفريط بقضيتين أساسيتين ألا وهما قضيتي كركوك و حزب العمال الكوردستاني, و مشكلة الطالباني دوما هي حينما يلتقي الصحافة ويبدأ بإطلاق التصريحات الصحفية دون تمحيص وحساب وكنت قد حذرته أن لا يكون اتاتوركيا أكثر من مصطفى كمال حينما يلتقي الساسة الترك لان النية المبّيتة في الزيارة وتوقيتها هي توريطه والنيل من قدره ……

وكما كان متوقعا فان مام جلال قد أوقع نفسه في الفخ الذي نصبته له الساسة الأتراك , وتم استدراجه إلى تركيا رغم إن المنطق العقلاني والفهم السياسي كان يقول برفض تلك الزيارة (العار) التي جاءت عشية الهجوم التركي الغادر لاحتلال جزء من جنوب كوردستان, وكان الغرض من توجيه الدعوة في ذلك الوقت بالذات هو , أولا : جس نبض القيادات الكوردية بشأن ردود افعالهم حيال الهجوم التركي واعتبار أن الطالباني هو احد هذه القيادات الرئيسيين , فالإيحاء إلى كوردنا في شمالي كوردستان بأنهم وحيدون في الساحة النضالية القومية وان أحد ابرز قادة الجنوب جاء ليبارك خطواتهم في إبادة المقاتلين والمقاتلات في حزب العمال الكوردستاني ,ثانيا: محاولة دق الإسفين بين صفوف الشعب الكوردي وبالضبط مع قيادة الديمقراطي الكوردستاني ممثلة في شخص السيد مسعود البرزاني والذي أثبتت الإحداث إن مواقفه الأخيرة أفضل بكثير من موقف الطالباني وخاصة في التنديد بالهجوم صراحة و الاستعداد للدفاع عن الإقليم بوجه الجيش التركي الغازي….ومن ثم ُثالثا : كان الهدف الآخر للساسة الترك هو استحصال بعض التنازلات ومنها تأخير الاستفتاء على قضية كركوك الى فترة أخرى اضافية , لتضيع القضية في خضم التأجيلات. وقد كان الطالباني نفسه قد مهد لهذا التنازل اثناء زيارته الى كركوك واستقباله أعضاء الجبهة التركمانية العميلة لتركيا وإبداء تنازلات سخية لهم, لم يحلموا بها سابقا كل ذلك ,لإرضاء سادتهم الترك قبل كل شئ.

إن الموقف الوطني والقومي الشريف كان يقتضي رفض تلك الزيارة وخاصة أن حزب العمال الكوردستاني قد حقق نصرا وملحمة تاريخية على اعتى أعداء الكورد في جبال قنديل ولا تزال صدى وتداعيات تلك الانتصارات تفرض نفسها على الساحة التركية ولا يمر يوم إلا ونسمع استقالة احد كبار الضباط الترك أو تراشق التهم بينهم بسبب (القصور) في الأداء و ثغرات في التنفيذ !!!!! , وكان الطالباني برفضه للزيارة المهينة (والتي كانت فعلا مهينة حتى بالعرف الدبلوماسي) قد أضاف إلى رصيده النضالي ورصيد حزبه الكثير ,ولم يضع قادة ومناصري حزبه في موقف لا يحسدون عليه أمام تساؤلات جماهير شعب كوردستان عن الأهداف الكوردية المتحققة من تلك الزيارة عدا عن السلبيات التي سآتي على ذكرها لاحقا, الموقف الذي حقق بالمقابل نصرا للسيد مسعود البرزاني بالتمسك بموقفه الصلب تجاه الأطماع والأفعال التركية المتغطرسة و المناهضة للكورد وقضيتهم أينما كانوا.

إن النصر الذي تحقق للكورد في كل إرجاء كوردستانهم الأربعة, بانسحاب مستعجل و مشين للجنود الأتراك مخلفين وراءهم جرحاهم واعتدتهم وهم يجرون أذيال الخيبة والعار جعل كل كوردي شريف يرفع هامته عاليا ويسترجع الأمل بأنه لازال للكورد إرادة وأبناء وبنات يدافعون بكل بسالة عن شرفهم وعزتهم القومية , وكان الترك سيحسبون ألف حساب في المرة القادمة قبل أن يفكروا بالهجوم على جبل قنديل ثانية , لأنهم أدركوا أن ثمة اسود تربض في ثنايا وديانها وبين صخورها مستعدة أن تنقض على فريستها في أية لحظة وان هناك شعبا مليونيا يعاضدهم ويشد من أزرهم ولا يطعن بهم من الخلف ,ولكن بعد( زيارة العار) أتوقع أن الترك سيعدون العدّة قريبا للهجوم على قنديل و بعد أن تلقوا الضوء الأخضر من الطالباني بمساعدتهم في تحقيق آمالهم الخبيثة وما ارخص ذلك إنسان الذي يد العون لأعداء قومه ويطعنهم في الظهر….. ذلك الأمر الذي كان السمة البارزة للعلاقات بين أطراف الحركة التحررية الكوردية في أجزاء كوردستان الأربعة في الماضي و كان يعتبر مع الأسف احد نقاط ضعف الحركة التحررية الذي كان أعداء الكورد منها ينفذون في السابق, وكنا نأمل أن هذه الظاهرة قد انتهت بانتصار شعب كوردستان في الجنوب وتأسيس فيدراليته وكيانه القومي مما لا يجبرها على خيانة شعبه في الجزء الآخر بل سيكون عونا لهم …..إلا انه يترائي لي أن تلك الظاهرة السلبية بدأت تنبعث من جديد بيافطة أخرى تحت شعار الحفاظ على وحدة البلاد ودستوره المقدس!!!! ….

ولان لنأتي إلى تصريحات الطالباني المثيرة دوما ….فقد تراجع الطالباني بأسلوب هزيل يرثى له, عن تصريحه السابق في صلاح الدين حينما كان السيد مسعود البرزاني يتحدث عن المطاليب التعجيزية للأتراك من القيادة الكوردية ومن ضمنها تسليم قادة العمال الكوردستاني إليهم , فقاطعه السيد الطالباني بشكل فجائي , قائلا (بأننا لن نسلم لهم حتى قطة كوردية ) ,وحينها سجل السيد الطالباني مفخرة ونصرا أمام أعضاء حزبه والشعب الكوردي وكان ولا يزال هو الموقف الصحيح , ولكن عاد في مؤتمره الصحفي في أنقرة بحضور عبد الله كول وأنكر ما قاله وتراجع عن موقفه السابق معللا ذلك بأنه كان يقصد (قطة عراقية) وليس كوردية !!!!! أي انه مستعد لتسليمهم القطط الكوردية ولكن ليس القطط العراقية لأنه اقسم على القرآن الكريم !!! بأنه سيحافظ على وحدة وسلامة العراق !!!!! موقف ضعيف ومتخاذل ومنافق أخر من السيد الطالباني في حضور رئيس جمهورية تركيا …. وانا اشفق على مناصري الطالباني في الاتحاد الوطني كيف استقبلوا تصريحات أمينهم العام تلك وكيف يتسنى لهم تبريرها كما جرت العادة أمام جماهير كوردستان!!!!!,

والجانب الأخر من التصريح كان حول اعتبار العمال الكوردستاني منظمة ارهابية وقيامه بترديد ذلك باعتبارها موقف الولايات المتحدة وموقف الحكومة العراقية ….. علما بأنه كان قد سبق له أن المح بأنه ذاهب إلى تركيا للبحث عن حلّ سياسي للقضية الكوردية هناك, ولكن هذا الموقف يتناقض تماما مع تلك الادعاءات إضافة انه يشكل سابقة خطيرة يصدر عن قيادي كوردي بغض النظر إذا كان هذا القائد الكوردي يمثل العراق أم لا , سيما أن الكورد هم أيضا مواطنون عراقيون والرأي السائد في صفوفهم أن حزب العمال الكوردستاني ليس حزبا إرهابيا, وان هذا الحزب قد طرح عدة مبادرات سلمية لحل القضية الكوردية في تركيا ديمقراطيا وهذا كان بالضبط رأي السيد مسعود البرزاني العقلاني حينما سئل في مقابلة مع قناة العربية حول نفس الموضوع فأجاب (إذا طرحت الدولة التركية حلا سلميا للقضية الكوردية ورفضتها حزب العمال الكوردستاني , حينذاك يمكن اعتبار العمال الكوردستاني حزبا إرهابيا ) …
وذهب السيد الطالباني الى ابعد من ذلك منوها بأنه ملتزم بدستور دولة العراق الذي لا يسمح بالقيام بأعمال عدائية من أراضي العراق ضد الدول المجاورة …… وكان من الأجدر به أن يذكر الأتراك أيضا بأنهم إنما يخرقون نصوص الدستور العراقي بمساندتهم لجهات تعادي جزءا من الشعب العراقي وهم الكورد , ويمدونهم بالمال والعون الإعلامي اللوجستي وهم عملاء الميت التركي المعروفين أعضاء الجبهة التركمانية , وان معاداة مادة صريحة وحساسة من الدستور العراقي (المادة 140) بشكل صريح والإعلان بأنهم لن يسمحوا بتطبيقه هو أيضا ضد الدستور العراقي وضد ارادة الملايين الذين صوتوا لصالحه , وان التدخل في قضية كركوك يعتبر أيضا تدخلا في الشأن العراقي .

وتناول جانب آخر من تصريح السيد الطالباني موضوع تسليم السلاح أو ترك الأراضي العراقية ,والتنويه إلى أن هناك اتفاقات أمنية بين العراق وتركيا بهذا الشأن !!!!!!,
رغم ان الطالباني لا يحق أن يقول أو يأمر حركة تحرر وطني وقومي كوردي اضطر إلى رفع السلاح بوجه الظلم التركي الذي لا مثيل له على وجه البسيطة, أن تخلي عن سلاحك هكذا ببساطة واستسلمي دون قيد او شرط!!! , وإلا لماذا رفع هو وبقية التنظيمات الكوردية في كافة إرجاء كوردستان بل وفي كل انحاء العالم السلاح ضد المحتلين وغاصبي الحقوق في الماضي !!!! أولم يكن ذلك اضطرارا وواجبا قوميا مقدسا ومشرفا للمطالبة بالحقوق !!!!! عجبا لتحول بعض القيادات الكوردية التي رفعت السلاح بوجه السلطات للدول المحتلة لكوردستان الى حمامات سلام بين ليلة وضحاها !!!! ثم إذا كان الطالباني يطالب حزب العمال الكوردستاني بتسليم أسلحتها وبطبيعة الحال تسليم نفسها أيضا , هل تمكن الطالباني من انتزاع حق من حقوق الكورد من الساسة الاتراك حتى يرضخ بالمقابل مقاتلي ومقاتلات العمال الكوردستاني للطلب الطالباني العجيب!!!!!بل هل استطاع الطالباني رغم كل تنازلاته المشينة إلى الساسة الترك من أن يجعلهم يلفظون كلمة (الكورد , او كوردستان ) ولو لمرة واحدة!!!!!…. إن الجانب الأخطر في الموضوع هو ليس في هذه المطاليب الطالبانية العجيبة بل بالاستعداد لمعاونة القوات المحتلة والغازية لبلوغ أهدافها الشريرة في المرات القادمة ’ والقيام بنفس الأدوار المشينة التي قامت بها بعض قيادات الحركة الكوردية في أواخر الستينيات من القرن الماضي بتسليم مناضلين من كوردستان الشرقية ( المهندس سليمان ألمعيني وإسماعيل شريف زاده ورفاقهم) إلى السلطات الإيرانية الشاهنشاهية والتي قامت بإعدامهم في مدينة مها باد .. الأمر الذي اثأر استهجان الكثيرين من الكورد وكان ذلك مادة دعائية دسمة لجماعة الطالباني آنذاك في التشهير بغريمها جماعة البرزاني!!!!!! فهل يا ترى أن التاريخ سيعيد نفسه مجددا ولكن بشكل آخر ومع جزء آخر من كوردستان !!!!!

أن الذي يقرأ المنهاج و النظام الداخلي لكل الاحزاب الكوردستانية في جنوبي كوردستاني يجد فصلا كاملا حول ضرورة مساندة الحركات النضالية (لإخوتنا) الكورد في باقي أجزاء كوردستان….. والكلام الكثير المنمق عن المصلحة القومية العليا والأمن القومي الكوردي …..واعتبار الحركة التحررية الكوردستانية كُلا لا تتجزأ وان أي ضعف يصيب أي جزء سينعكس سلبا على الأجزاء الأخرى والعكس صحيحَ تماما …… وان سر محاربة أعداء كوردستان مجتمعة للتجربة الكوردية في الجنوب هو لأنهم لا يروق لهم أن يروا آية تجربة كوردية تنجح ولو كان بشكل بسيط ومتواضع قياسا إلى الحق الكوردي المهضوم …والمطلوب من جماهير كوردستان وبيشمركته الأبطال إفشال أية مخططات مستقبلية في جعلهم في خندق مقابل لإخوتهم الكورد في أي جزء من أجزاء كوردستان وعدم إفساح المجال لبعض القيادات الكوردية التي فقدت شرعيتها النضالية وتحولت إلى رجال أعمال ومقاولات من أن يدفعوهم إلى أتون حرب صراع الأخوة التي ما زلنا ندفع ضريبتها لحد اليوم والتي أثبتت الأحداث والوقائع بأنها كانت ابعد ما تكون لمصلحة الشعب بل كانت حربا كمركية ضروس لجمع الملايين من الدولارات وتحويلها إلى بنوك أوروبا وأمريكا….

كلمة أخيرة بخصوص عنوان المقال (قطة مام جلال الزئبقية) , يتصور السيد مام جلال انه بتصريحاته إنما يتصرف بدبلوماسية ويفلت كالزئبق من الأسئلة و التساؤلات والمواقف المتغايرة والمتناقضة التي يضع نفسه فيها أحيانا ,وانه بقيامه مثلا بتغير قوله بأنه قصد عدم تسليم القطط العراقية بدلا من القطط الكوردية إلى تركيا بأنه يفلت من السؤال ولكن الحقيقة انه تصرف بمنتهى السذاجة لأنه فقد بكلامه هذا مصداقيته أمام الجماهير الكوردستانية اولا ولم يكسب ودّ الأتراك كما تصور لأنهم أذكى من أن يعبر عليهم هكذا كلام ساذج, فلماذا يطالب الأتراك اصلا من العراق تسليمهم مواطنين عراقيين !!!!