الرئيسية » مقالات » في الاختزال والابتذال

في الاختزال والابتذال

قد نكون خارجين عن السرب، وضمن لائحة المنزوين تحت وطأة سبر الحقيقة، في أتون مواجهة طغيان الفوبيا، لو حاولنا أن نمد بالإصبع صوب محددات القيم ومرتكزات الفعل في بناء الشخصية، وهي تمارس ذاتها وتحدد هويتها، سواء النضالية منها، أو تلك التي تدعي بوقفها إلى جانب مشاريع، هي بحجم مقومات المجتمع، وسط ما يكمن تسميتها؛ بإرهاصات التنابذ والتناحر والتنافر، تلكم التي تنتجها أنماط العلاقات ونماذج التفاعل مع إحداثيات الفعل ومقومات الحراك، وذلك في جوانبها السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، كون الدخول في تحديد بؤر الإشكال، ورفع الغطاء عن فجوات البناء الذاتي في التركيبة السيكولوجية، ضمن أنساق، تحاول أن توحي باتزانها وتوازنها، وباعتمادها على ضوابط وسياقات، هي بحكم السائد والثابت، وسط مجموعة من المنظومات المتحكمة والمستحكمة والمتفشية، هي خدش أو انتهاك لقيم مجتمعية، إذا ما أخذنا معادلة تمركز القوة أو قوة المفاهيم، في زوايا البناء المجتمعي بعين الاعتبار، وعليه؛ فإن مجرد مناقشة السلوك والضوابط والمحددات، وبالاستناد إلى ما ندعيه من شفافية وارتقاء وطموح، هو جزء من عملية تهديم في النمط، وتخندق إلى جانب المتقهقر، أمام تفشي ظاهرة الاحتماء بكل المتاريس، في سبيل الحفاظ على الاستمرار والتواصل، وبهدف احتلال موطئ قدم في رحم الأزمات، وتطويعها لخدمة المآرب، حتى تكون الوسائل هي الأدوات والأدوات هي الغايات، وتلكم هي القانون وشريعة التناسل، ضمن برمجة الذات وإنتاجه، عبر بوابات إدارة الأزمات، وفي إطار سكونية الأداء وهلامية الموقف والقرار..
ولعل الثابت في معادلة السائد من قيم، تسيطر على الأهواء والشهوات والنزعات، هو الركون إلى لغة المجاملة والمماحكة والتملق، وكذلك اللحاق بأذيال الموجة من حيث هي آتية وإلى حيث تصب، إذا ما كنا نتقن لعبة التوازنات في العلاقة بين الأنا والآخر، وندرك قيمة الإطراء، إلى جانب الإلمام بأساسيات الميكافيلية، وما يكتنف مواجهة السائد والمسيطر من مخاطر، تشكل من حيث الجوهر تابوات لا يجوز الدخول إليها، لأن في ذلك، تكمن بناء الشخصية البراغماتية، التي تبيح كل الوسائل والمحظورات بغية الوصول إلى المبتغى، وفيها أيضاً ارتقاء لسلم الوصولية إلى درجة احتلال رقم ولو في الفراغ، ناهيكم عن درء للذات من موبقات ظاهرة الاختلاف والتباين، في واقعنا الذي لا يدرك منه سوى النسف أو الاستلاب ..
فقد نختلف أو لا؛ وكل من وجهة نظره، واعتماداً على ملاكاته ودوافعه، بأن الأنظمة التي توارثت سدة الحكم منذ أن عبرت ثقافة الاستلاب عن حقيقتها، ورسخت فلسفة القوة جبروتها عبر اعتمادها لأدواتها، قد حولت الإنسان إلى مجرد رقم مهمش ومهشم، بل ويتحول إلى أداة، حين تكون الأنظمة ذاتها بحاجة إلى تجميع للأرقام وتحجيم للأدوار، مما نكون والحالة هذه؛ أمام اختزال للأوطان في شخوص، هي مصدر السلطة والقوة والشرعية، وأن الصيغة الآنفة، تتحول بحكم الديمومة والممارسة إلى ثقافة مجتمعية تحتضن في ذاتها بذور الطاعة والخنوع، وتجتاح حتى شعارات وهتافات من يدعون بتنصيب أنفسهم على تخوم المعارضة، وتكون النتيجة؛ أن لا مكان سوى للذين يصفقون لمن هم في الواجهات، ولا دور سوى للمطبلين، أو الذين يجيدون التفنن بالوقائع والتلاعب بالحقائق، كون الواقع، وبحسب المفروض، لا يحتمل سوى ظاهرة الولاء .. وهذه الآفة – الولاءات – تترجم ذاتها في أكثر من صورة، وتحت أكثر من يافطة، وضمن أنساق قد تتداخل فيها الإحداثيات، إلا أنها ومن حيث النتيجة تخدم مفهوم الاختزال وبأبعادها المختلفة ..
هذا الاختزال النابع من الوهن الثقافي والخواء المعرفي والعطالة السياسية، اختزال الفرد للجماعة في ذاته، واختزال القائد للإطار في رؤيته، واختزال المتمرد للجوقة في جنباته، يولد في الترجمة؛ أشكالاً من الابتذال، ابتذال في الرأي وتشخيص الواقعة، وابتذال في طرح النموذج أو ما يسمونه بالبديل، وذلك بحكم أن المتلقي أو ما ندعيه بالشارع – مصدر الشرعية – مختزل في صاحب الرأي والقرار أولاً وأخيراً، وحينها ندخل في دوامات من التشوه ومدارات من التشويه، وننتج من حيث النتيجة، جوقة من الموالين تزنر خاصرة الباحثين عن فسحة كي يمارسوا فيها ذاتهم المأزومة، أو حلقات منكسرة لا هدف لها سوى إطلاق القرقعات بحثاً عن فرصة للظهور خلف من يدعون التمرد لممارسة أدوارهم، والإيحاء بأن لهم الحضور والوجود، وما الخارجين عن كل هذه الموبقات، سوى أصوات نشاذة لا تمتلك أدواتها في الوصول، كونها واقعة بين أكثر من كماشة، ومحاطة بأكثر من رادع، فهناك مصادر السلطة الزمنية ومصادر السلطة الروحانية، وهناك تراكمات نخرت بامتداداتها كل ما نطلق عليه بالجانب الفكري والمعرفي، إضافةً إلى ثقافة المجتمع التي ولدت في أحشاء منظومات القمع، ومارست دورها على أنها جزء متمم ومكمل لكل ما نحاول الخروج عليه، وبالتالي ساهمت، واستناداً إلى أدواتها، في تكبيل وتقييد مفردات الحراك وكبح جماح التغيير وخنق الصوت وتحجيم الرأي ..إلخ .
تلك هي معضلتنا وما تفرزها لنا طرفي المعادلة – الاختزال والابتذال – من مسخ للقيم وتهديم لمعان الجمال، ضمن مجموعة من أيقونات، ندعي؛ نحن معشر المتعربشين بأذيال الأمل، على امتلاكنا لمشاريع الخروج من نفق التهلكة، دون أن نعيد قراءة الزمن ونستحضر الذاكرة فينا، بأننا نرمم المشاريع تلو المشاريع على صورة أصنام من طين، نستحضرها حين نحتاج الآخر وننسفها حين نحتاج ذواتنا، وإلا لما كنا متقلبين ومنقلبين، ولما كنا دائرين في إحداثيات الفراغ، تلك التي تصب في خدمة من هم في مركز القوة والقرار ..
إن ما نمارسه ضمن زوايا اللوحة الآنفة الذكر، هي مشاريع لإدارة الأزمة، كوننا فاقدين لبوصلة الممارسة، وتائهين ضمن أجندات قد تحمل هلاكنا، وأعني هنا جانب البناء الذاتي في الشخصية، كوننا لم نصل بعد إلى تلك الحقيقة – والحقائق ليست مطلقة – بأن ما نحتاجه هو ترميم لمقومات الوعي ذاته، وإعادة صياغة لمفاهيم أنهكت قوانا في ظل ظاهرة الاحتراب والتخندق، أي إعادة بناء الإنسان من الداخل، وهذه تحتاج إلى صبر وأناة، بمنأى عن القفز من فوق صيرورة التطور وإهمال الطاقات الكامنة، فكل ما هو على السطح من تسطيح وتشويه وتخلخل، ليست سوى إفرازات الخلل في بنائنا الذاتي، وكل ما نحن مكبلون به ومنقادون إليه من مظاهر التشظي وحالات التناسل القسري في الأطر والأدوات، ليست سوى ترجمة حقيقية لحالة العطالة التي تجتاحنا، والتي هي من مترتبات خوائنا ووهننا، كوننا لم نزل نعتمد سمفونية السائد، دون أن نبحث عن الماهية في الإنسان من حيث الوجود والرسالة ..