الرئيسية » مقالات » المرأة . . تلك الكلمة الطيّبة ! 2 من 2

المرأة . . تلك الكلمة الطيّبة ! 2 من 2

وبدا انها كانت تلاحظ ان اهتمامي كان منصبّاً على الكتب الفكرية والكلاسيكية النظرية فقط، فسألت :
ـ الا تقرأ روايات ؟ . . ففي المكتبة عديد من الروايات الأنسانية التي لاغنى لمناضل او مناضلة عنها، لأنها تهندس النفس والعواطف اللامرئية، التي قد تكون سبباً مباشؤاً او تحسم وتحلّ كثيراً من المواقف . .
ـ وهل للعواطف محل في النضال او في السياسة ؟
وهنا تحوّل النقاش الى مناقشة احداث واقعية جرت كنت طرفاً فيها وذكرتها بتفاصيلها لها :
” . . حينما كنت صبياً . . كانت المقاومة المسلّحة التي واجهت انقلابيي شباط 1963 على اشدها في الكاظمية، حيث كنت احد المراسلين فيها . .
كان الوقت يمرّ بسرعة وكانت الأحداث تتالى بشكل مخيف فيه اثر صدور بيان رقم 13 من راديو الأنقلاب (1) . . وبعد ان وصلت قطعات عسكرية محمّلة بالدبابات وبالناقلات العسكرية التي دخلت المدينة من شمالها، من جهة معسكر التاجي . . بعد ان شقّت طريقها وسط حشود الناس بخدعتها الشهيرة حين حملت صور الزعيم عبد الكريم قاسم . .
لتبدأ معارك عنيفة داخل المدينة نفسها بعد ان كانت تدور في اطرافها سواء كانت تلك الأطراف عند جسر الأئمة او عند مركز شرطة ” الباغات ” الذي كان يقع في منطقة العطيفية قرب جسر الصرافية، الذي توجّه اليه المقاومون بعد استيلائهم على المركز الكبير لشرطة النجدة في الكاظمية، الأقرب في موقعه الى ساحة الشوصة . .
وكانت احدى المناضلات قد قالت لي حين كانت الدموع تترقرق في عينيها بعد ان سلّمتني رسالة صغيرة مغلقة . . ” ارجوك . . لاتنسى ان تخبّره باني سانتظره مهما يحصل !! ”
وهكذا تجمّع البريد الذي كان هذه المرّة مكوّناً من بضعة رسائل صغيرة مغلقة فقط . . . بعد ان كان يتكوّن من قطع سلاح او عتاد مما كان يمكن لصبي ان يحملها بيده او بكيس جنفاص على ظهره، اضافة الى الرسائل !
. . . .
. . . .
وفجأة ظهرت لعيني سيطرة للحرس القومي انشأتها مفرزة كبيرة في الطريق، و كانت تفتش الجميع بدقة سواء كانوا رجالا ام نساءاً ام اطفالاً . . فاختبأت خلف جذع نخلة ذات فسائل عالية في مزرعة كانت تقع على جانب ” شارع الفجر” وقرأت الرسائل القصيرة بسرعة لأحفظها وانقل محتواها شفاهاً، لأتلفها فيما بعد (2) . . وقرأت من بينها رسالة كانت من احدى النساء المقاومات الى خطيبها المنخرط بنشاط كما كان يبدو في المعركة الكبيرة التي جرت طوال ليلة 8 / 9 شباط عند خزان الماء قرب وفي اعدادية الكاظمية للبنين . .
حيث كانت توعده فيها باستمرارها هي في المقاومة وتناديه بالصمود وبانها ستنتظره مهما حصل . . وبقيت تلك الرسالة التي مزقتها كالأخريات منطبعة في بالي . . بعد ان سببت لي شعوراً صبيانياً بالقرف والشعور بأني كما لو كنت اخدم مشاعر غرامية صبيانية وليس مقاومة مسلحة بطولية ؟!
وبعد ان نقلت محتويات الرسائل اعتذرت عن نقل الرسائل ان كانت بذلك الشكل . . !! ”
صفقت ” ام رائد ” كفيّها كالملدوغة وصاحت :
ـ لماذا ؟؟! ابني هذا هو البشر . . انه من دم ولحم ونفس . . فالمناضل رجلاً كان او امرأة يحتاج الى الأمل . . الأمل الشخصي، الأمل بالسعادة والحب والهناء . . فاضافة الى السعي لتحقيق الأهداف الكبيرة
لابد وان يصوغ الأنسان في ذلك هدفاً شخصياً نبيلاً يسمو به ومن اجله ويحقق له اكسيراً في تصعيد نشاطه ونفسه للتحقيق المبدع لتلك الأهداف السامية . . انه يبني بذلك امله الشخصي المتفاعل مع تلك الأهداف الكبيرة في حياته . . الأمر الذي يخلق منه اروع المناضلين . . صدّقني لا نضال و لا حياة كفاح دون عاطفة حارة بعدالة الهدف وبموقفٍ لمحبٍ يعينه على زرع الحب وينظر بتفاؤل الى الحياة والى اهدافه فيها . .
وكانت تستمر في احاديثها حول بناء الأمل من خلال تجربتها هي التي كان لولبها زوجها الشهيد الذي ضرب اروع الأمثلة بالتضحية بالنفس في سبيل سعادة المجتمع . .
وتمر الأحداث و شهدت وتشهد آلاف الصور و الوقائع . . وكما قال مجرّبون وحكماء ويشهد لها التأريخ بأنه بدون المرأة لاينجح كفاح ولايتكوّن امل، أملٌ قد لايفصح عن نفسه بسهولة وانما يعيش عميقاً في الضمير و الوجدان . .
بل وحتى الكتب السماوية ـ وان بدرجات ـ تشير وتكبر بالمرأة و يصل عدد لايستهان من تعاليمها وسير روّادها وقادتها وثقافاتها وآثارها في المجتمعات . . الى جعلها نموذجاً اعلى . . من ” السيدة العذراء الأم ” الى ” الجنة تحت اقدام الأمهات ” الى ” سيدة نساء العالم ” . . الى :
” الأم مدرسة ان اعددتها اعددت شعباً طيب الأعراق ”
وغيرها وغيرها التي تشير بقوة الى . . منهن نتعلم الصبر والسهر ومواجهة انواع الحرمانات والتضحيات التي تبدأ ولا تنتهي بكونهن الخصب و الولاّدات وواهبات الحياة والنذور . . بل وان تفاعل المرأة والرجل الذي ان وصل الى ” وراء كل مناضل مبدع امرأة ” ، فان وراء كل مناضلة مبدعة رجل، في ثنائية متلازمة خالدة . .
ومن ذلك وعليه، فإن احقاق حقوق المرأة الأساسية لا تعني الاّ احقاق حقوق نصفٍ ليس حسابي اصم، وانما نصف متفاعل من المجتمع الذي يعادل لابعدده وانما بتأثيره الكثير التنوع كما جرى المرور على بعضه، احقاق حقوق المجتمع !! لأنه يشكّل بقوة ذلك التأثير احقاق غالبية طاقات المجتمع المعطّلة وشبه المعطّلة . . من الرجال والنساء .
من تلك العواطف وحرارتها . . تحية للمرأة العراقية الباسلة وبكل مواقعها في نضالها المؤلم الشاق والدؤوب من اجل حقوقها العادلة في تشريعات ملموسة . . ووقفة خشوع امام من ضحيّن بحياتهن في سبيل مواصلة الركب ومن اجل خلق الأمل بامكانية قيام حياة اسعد وافضل لعراقنا الحبيب باحقاقه حقوق نسائه !! ( انتهى )

8 / آذار / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. البيان سيء الصيت الذي اذاعته اذاعة بغداد بعد ان سيطر الأقلابيون عليها . . والذي دعى علناً الى ابادة الشيوعيين والى اطلاق النار عليهم لدى رؤيتهم . . اوعند وجود مجرد شكّ بانتمائهم ذلك !!
2. كانت التعليمات تؤكد على ان تتلف الرسائل كي لا تسقط رسالة بيد عدو . . وعلى محاولة قرائتها وايصال محتواها قبل اتلافها اضطراراً . .