الرئيسية » مقالات » من أوراق (سميرة الوردي) الآذارية؟!

من أوراق (سميرة الوردي) الآذارية؟!

· وردة بالحبر الصيني على قرطاس الجريدة!

في الطريق بين الجريدة والمطبعة دلفت للمرة الأولى إلى بيت السيدة الكريمة سهام الظاهر لألتقي صديقي الشاعر مخلص خليل،ذلك البيت الصغير الذي كان يتسع لأمة من المبدعين الموجوعين والمفلسين..الشباب منهم والكهول..من مختلف قارات البؤس العراقي ، فوجئت بعدد من الوجوه النسائية الفنية والثقافية ، وهن بأزياء احتفالية .. يتحلقن حول طاولة خشبية حائلة اللون تبعثرت عليها نصوص تثير نقاش الحاضرين.. بعضهن لم التقيهن من قبل.. أفسحت لي إحداهن مقعدا إزاء فتاة كانت منهمكة بقراءة نص مخطوط،أدركت إنني أُقحمت في شؤون وشجون فرقة المسرح الفني الحديث وعاشقيه..جلست بصمت كي لا أطفئ وهج الحوار..وضَعتُ أمامي حزمة من ورق الجريدة – الذي يقطعه لي عادة “صباح”عامل المطبعة الفتي بمهارته المشهودة ووده المعهود…

كان علي أن أعود مسرعا إلى المطبعة فمشاغل العدد الخاص بآذار تحرمنا من مثل تلك اللقاءات السخية..تأملت وجه الفتاة المغتربة أمامي ونصها المخطوط..تدفقت من روحي وبين أصابعي لعبة الخطوط السوداء على ورق الجريدة..كان وجها يشوبه الحزن والاستفهام ..لم يتلكأ المداد الصيني في رقصته إلا بوردة خماسية الأوراق عند وجنتها..دفعت لها قصاصة ورق الجريدة الأسمر دونما كلام..تطلعت إليها باندهاش واستفهام طفولي يغمر عينيها “إنها تشبهني ..أهي لي؟!”..كان ذلك في ليلة الثامن من آذار من عام 1977، حيث كانوا يستعدون للانتقال والاحتفال في بيت الفنانة الكبيرة والفقيدة “زينب”..سيدة المسرح العراقي.

· غرفة للموت بين صفحات جواز السفر!

بعد إن “افرنقع” الرفاق من حولنا،عام 1978 وفتح نظام الخوف للمذعورين كوة في جدار السجن – الذي اسمه العراق- .. تدافعت حشود أهل القناعة وأهل الشك تنأى بجلودها عن طوفان الموت الذي تدفق من تحت كل حجر وشجر في المدن والأرياف العراقية، مخلفين وراءهم وطنا يبكيهم ويبكونه..

ساقتنا أقدامنا وأقدارنا في تلك الآونة إلى شارع 52 حيث ” مديرية الجوازات”، وتسللنا بين الزحام..كانت الكثير من الوجوه نعرفها ولا نعرفها ..يكاد وجيب قلوبها يدق في عيونها..وقفنا في الطابور الثالث أمام نافذة شبه مغلقة..معظم المتدافعين أمامنا من الكهول..همست بأذنها إن تبتعد عني، لأنهم إن امسكوا بي ستحترق بناري ..ابتسمت بصلابة مازحة ..وقالت:

لا تخشى عَليَّ..فليست بيننا صلة قربى تبرر لهم اختطافي معك..ساترك مسافة بيننا وأراقب الأمر..

ثم استدركت ..وهي تنتزع مني أوراق طلب الجواز..قائلة:

سأتقدم أنا بها إليهم وسنرى..

وتقدمت إلى النافذة..

في تلك اللحظة التي صارت بين أنيابهم ..تفصلني عنها سنتمترات معدودة ، ظننتها آنذاك محيطات من الجحيم تفصل بيني وبينها..تسلم احدهم من وراء النافذة حزمة الأوراق، وأعاد قراءتها أكثر من مرة..وعاد إلى ملف داكن إلى جانبه ..ثم تهامس مع الضابط الآخر..بعدها أومأ لها ولثلاثة ذئاب من حوله ..أن يستديروا إلى غرفة خلفية نائية..تفصلها عن صف المكاتب وجوه استوطنها الغدر وجدران صماء مريبة..انفلتت من عيوني خلف الزحام المتدافع..شققت طريقي متخبطا باتجاه الغرفة النائية..قمعتنا زمرة من “الأفندية” المدججين بالسلاح والتوعد والشتائم البذيئة..استباحتني نوبة من الفناء ..أحسست حينها أني فقدتها إلى الأبد..

بقيت أطوف في المكان ابحث عن ثغرة في جدار الريبة..خرجت جوقة من المسلحين تسوق جوقة من المُكتفين من داخل المكاتب باتجاه الغرفة النائية..تعالت صرخات استغاثة، ودب فزع بين الحشود..طلبوا من “المراجعين” بواسطة مكبر الصوت الابتعاد باتجاه بوابة الخروج..كنت متسمرا في مكاني ،وطوفان الناس يتلاطمني..لمحتها ونفر معها يهرول من وراء الغرفة المريبة ..اندسوا في أذيال الحشد..تلاقفتها..وانسللنا إلى الشوارع الخلفية لاهثين..كانت يابسة الريق طرية الروح..تخفي ذعرها بضحك هستيري..وهي تتمتم:

طلبوك مني..

إلى هذه الغرفة(المصيدة) زج بالآلاف من العراقيين من مختلف الأعمار والطوائف والاتجاهات والأفكار..واختفت آثارهم وإخبارهم إلى اليوم!

تعاقبت أقدامنا إلى ساحة النصر..توقفنا في محطة الباص..استأذنتها لبرهة ..اشتريت لها وردة ودعوتها إلى الغداء بـ”فلوس الجواز” ، واحتفلنا سوية بآذار وبالإفلات من الموت.. وظلت صورة غرفة الموت تلاحقنا ، بعد أن خرجت من صفحات الجواز واستقرت في صفحات العمر..

· الأطفال يعتصمون بعباءتها من شرور السلطة!

تجاوز النظام مرحلة الاقتناص السري لمن لا يعبده، إلى طور الاختطاف العلني لهم من الشوارع والمؤسسات والمدارس والدوائر الحكومية ومن البيوت..، في تلك الآونة انحسرت مساحة النجاة وأغلقت الأبواب والمنافذ بوجوهنا خشية أن يتطاير الشرر منا عند انفلاقنا..فيحرق ما تبقى من حياة الأهل والأقرباء التبنية اليابسة.

وبعد أن اصدر مجلس قيادة الثورة قرار بنقل “المعادين لمسيرة الحزب القائد” من الإدارات الإعلامية والثقافية إلى إدارات لم تعلن كـ”إدارات مغلقة للحزب القائد” بعد، جاء اسمها في أول قائمة للمطرودين من المؤسسة العامة للسينما والمسرح،وتربع آنذاك على عرش المسرح المتمنطقون بالضغينة والمسدسات والإذعان..ومازال البعض منهم ينكأ جراحنا كلما ظهر متمشدقا ببريق الإعلام حتى هذه الساعة..

انكفأنا إلى قبو لا يعرف أحدا الدرب إليه..إلا سيدة كريمة صارت دريئة لنا من عيون الرقباء ونوايا الوحوش، -رحم الله أم الحسنين- كانت نكران للذات وطاقة للصبر ونسيما للرحمة..وبعد رحليها أدرك كلانا إنها لم تكن وحدها من فقدت أمها الشفيقة.. بل كلينا..كانت تواجه عنا المتسائلين والمستجوبين والرقباء،كلما طرقوا الأبواب أو “دفروها بالبساطيل” أو تسلقوا السياج وصفقوا النوافذ عليها وأطفالها،بل..وحتى عندما تسلقوا الجدران إلى سطح الجيران ليهبطوا كالموت عليهم ويفزعوهم.. طوت عباءتها حول أجساد الأطفال المتيبسين من الخوف، ظنا منها بأنها ستعصمهم بعباءتها من شر المستبيحين ورصاص الغادرين..

وبعد رحيلها المباغت..تصدعت متاريس وقايتنا التي احتمينا بها ، وجنبتنا توحش السلطة وأدرانها ..لما يقرب من عشر سنوات..بكيناها بحرقة في الثامن من آذار عام 1986 ، حيث فارقتنا.

· اغتيال سعد ومفاعل تموز النووي!

كنا نجلس سوية في الفضاء الخلفي للقبو المغلق من الجهات الأربع ، المفتوح إلى وجه الله وحده، نترقب بيقظة طرق الباب المسائي ككل يوم “يسألون عن الغائب المطلوب!”..برقت في السماء غيمة من المصابيح القرمزية إلى الجنوب من بغداد ، أعقبتها أصوات انفجارات مدوية ارتعشت لها الأرض ..كان ذلك في مساء السابع من شهر حزيران عام 1981..في هذا الوقت كانت زمرة (معلومة لمن اصدر لها الأوامر)تستدرج شقيقها الأصغر سعد إلى مقتله..

في اليوم التالي كان العالم يضج بأخبار تدمير مفاعل تموز النووي من قبل إسرائيل ، وإعلام النظام يشتم (الفرس المجوس)..

بعد ثلاثة أيام من اختفاء سعد..رن هاتف المنزل..وكان الطرف الآخر ينبئ (بلكنة متشفية) عن مقتل سعد ووجود الجثة في الطب الشرعي منذ مساء خروجه من المنزل..

عندما تسلمنا الجثة..كانت اطلاقة واحدة تستقر في صدغ الفتى الذي لم يحتفل بعد بتخرجه من كلية العلوم قسم الفيزياء..

تم قتله أمام حشد من الناس..والقاتل معروف..والقي عليه القبض من قبل المارة..وقدم إلى المحكمة..!

ولكن..

عندما سأل القاضي المتهم (محمد الجبوري –حارس المدرسة الليلي )عن مصدر المسدس الألمنيوم الذي اغتال به الشاب سعد الوردي ابن الثانية والعشرين..

أجاب بصوت عال متباهيا:

هدية من الرئيس صدام حسين!

واستباح الخوف وجه القاضي وخيم الوجوم على القاعة ..

وأُجلت الجلسة..ومنع الأهل من حضور الجلسة اللاحقة..وغابت عن الجميع نتائج التحقيق والمقاضاة..

لن تفارق الجميع صورة سعد وهو يلوح بيده مودعا البيت آخر مرة..

مثلما لن تفارق العراق صورة النظام الذي قبره بالموت والخوف،وساقه إلى الاحتلال..

قبل اغتياله بأسبوع دعاني إلى غرفته، واخرج صورة فتاة مستديرة الوجه..

احمرت وجنتاه ، وهو يقدم لي الصورة:

مارأيك؟..أهي جميلة؟!

أجبته:

أتحبها؟!

ضحك بحياء وكأنه يتمتم مع نفسه:

جدا..جدا..وأردف:

سأقدم لها هدية في آذار..

وهو يعرض أمامي علبة صغيرة .. كأنها لخاتم!

في مجلس العزاء ..لمحت تلك الفتاة التي لا يعرفها احد من أهل الدار، تدخل وتجلس وتخرج بصمت ولثلاثة أيام متتالية ،لم تتحدث مع احد، ولم ينتبه لها احد!..كانت فارعة وجميلة مثل سعد..

وفي اليوم الأخير من أيام العزاء..عبرت تلك الفتاة الشارع ووقفت في الرصيف المقابل تتأمل المنزل..ثم اختفت وراء صف الأشجار..ولم نرها أو نسمع عنها منذ ذلك الحين..

عندما فرقوا أثاث غرفته بعد عام من رحيله..كان في العلبة التي عرضها عَليَّ..خاتمين متلازمين..

· البحث عن طرق لا تغطيها الجثث!

بعد نجاح خطة (بوش- صدام)لقمع الانتفاضة الشعبية في آذار عام 1991..

ولما كان معظم سكان بغداد بملايينها الستة قد فروا إلى محافظات العراق المختلفة..وتذكر من تذكر في تلك الآونة – إن له أهل وجذور في خارج بغداد- .

كان ملاذها وأطفالها الأربعة في ميسان..وبعد أن حلقت طائرات الجيش المنكسر العمودية المحروسة بالطائرات المقاتلة الأمريكية فوق مدينة البؤساء ، مؤكدة عودة الدكتاتورية..أعلنوا بمكبرات الصوت:

على جميع السكان إخلاء المدية والخروج إلى العراء فورا..

كانت مع مئات آلاف العوائل المستغيثة بالسماء ، والراعشة من الخوف والبرد والجوع..

وبعد انقضاء ليلتين بلا طعام أو شراب أو مأوى ..خرج (الرفاق) من جديد يتمنطقون مسدساتهم باحثين عن (المتورطين بالغوغاء)..

تبعثرت الحشود، وكانت النصيحة التي تلقوها من الأهل:

اتركوا المدينة فورا دون العودة إلى المنزل الملاذ ، فهو هدف يعرفون الطريق إليه..بعد ساعتين قليلة سيطبقون على المدينة ، وهناك منفذ واحد باق عند جسر الماجدية..انضمت وأطفالها إلى جوقة من العوائل باتجاه جسر الإسكان المقصوم الظهر..كانت العوائل تنحرف عند عبور الجسر تجنبا لأكوام تنفث دخانا ازرق..حيث ترقد خمس جثث مقطعة ومتفحمة..سمعت من امرأة تسير إلى جوارها(شربهم علي كيمياوي بانزين ورماهم بالرشاشات)..

صاروا قافلة متجهة صوب شمال المدينة..أعادتهم القطعات العسكرية من جهة حي الحسين لان الطريق مقطوع (هناك مقاومة وجثث..هكذا قال لهم جندي قروي شاب كان يقف عند مفترق الطرق)، توجهوا عبر شارع دجلة باتجاه شارع بغداد..وجدوا إن المقاومة اشد والطريق أكثر خطورة..انحرفوا إلى الطرق الفرعية حتى وصلوا جسر الملك غازي..هناك كانت المنطقة شبه خالية من القطعات العسكرية وبعض شباب الانتفاضة مازالوا يتجولون بالعصي ينصحون الناس إلى مخارج آمنة للهروب من (قوات الحرس الجمهوري)..وعند العنق الشمالي للمدينة في منطقة الدبيسات ما تزال بقايا معركة شرسة تحكي قصة ..ثلاثة أيام من المقاومة الباسلة ..كانوا يسمعون أخبارها بلهفة وأمل واه..إرتَدَّتْ على إثرتلك المعركة دبابات ومدرعات الحرس الجمهوري أكثر من عشرين كيلو مترا عن المدينة ..

كانت الطريق مغطاة بجثث مقاومين من الرجال والنساء والى جانب البعض منهم لا تزل رشاشاتهم تنفث سخونة ودخانا..كان العبور عسيرا لإرتصاف الطريق بالجثث ،حاولوا تجنب ذلك البساط الكريم..شد انتباههم عائلة ممزقة بالرصاص من سبعة أطفال ورجل وامرأة خامدين في حوض سيارة البيك أب إلى جانب الطريق..صرخت ابنتها الكبرى..جذبتها إليها بقوة ..كانت الأرض الترابية التي ساروا عليها رخوة..وتنزف دما..

لم تكن هناك وسائط للنقل وآلاف الناس الهاربين من جحيم المدينة يسيرون على الأقدام إلى حيث يبتعدون من الطغيان الذي تفجر على أهل العمارة..إلى جانبي الطريق تتناثر ملفات الأجهزة الأمنية التي نهبها الناس وبعثروها في كل صوب..إلى جوارهم جثة جندي شاب..حاول احد المهرولين تغطية وجهه بلمف ورقي مرمي عند أقدامه ..لكن الريح أقلعت ذلك الغطاء وبقي وجه الشاب مفصوحا وعيناه مستقرتان في السماء..

هطل الليل وسادت الظلمة وهم يقطعون الكيلومترات ، يتناوبون حمل الأطفال..

تمر بين الفينة والأخرى سيارة عسكرية مسرعة..

توقفت إحداها إلى جوارهم..كانت رافعة إنقاذ عسكرية تجر عربة معطلة ..ليس فيها مكان للجلوس .. تعلق بها عدد من الجنود..

دعاهم سائق الرافعة :

اصعدوا ليس لدينا مكان ملائم للعوائل..لكن ليس لكم أمل بالحصول على واسطة أخرى..بعد ساعة ستقطع القوات العسكرية جميع الطرق..

صعدوا وعائلة أخرى إلى الرافعة في ذلك العراء الشتوي القارص..

· الهروب من الوطن!

بعد أن استنفذت كل (أوراق لعبة الصراع مع الإفناء!) في الوطن،التي امتد جَوْرُها المتفاقم من 1977 إلى عام 2000 بكل دقائقها ولحظاتها المريعة والمريبة،وبدأ البدن عاجزا عن مواكبة جموح الروح..ألح الأصدقاء عليهم للرحيل خارج الوطن..تذكروا حكاية (طلب الجواز عام 1979 )..وقلبوا أمرهم واتفقوا على:

إن أمورا كثيرة قد تغيرت منذ ذلك الوقت ..ومنها ارتخاء قبضة النظام ، وتفشي الفساد حتى النخاع في أجهزته..

بعد بحث وعناء ..كلفوا احد العارفين بدروب (إصدار الجواز لقاء رشوة)،وقدم لهم احد الأصدقاء مساعدة بـ( خمسمائة دولار) لانجاز محاولة الهروب..

بعد يومين من تقديم (المرتشي) لأوراق طلب الجوازات ..طُرقت باب المنزل في ليلة ظلماء كانوا يتجمعون فيها حول فانوس مُدَخًّن..خرج الابن الأكبر إلى الباب..عاد مفزوعا..(سيارة غريبة وأربعة رجال غرباء..يطلبون أبي!)..

دخلوا المنزل..سألوا عن رب البيت..قالوا لهم انه مسافر!..سخروا من الجواب متوعدين..هددوهم إن لم يحضر بعد يومين ..سيساقون جميعا إلى الأمن..

في اليوم التالي جاء إليهم المرتشي طالبا مضاعفة المبلغ ( كي يتستر على قضية رب المنزل)..

ووافقوا..

بعد ثلاثة أيام جاء احد الأربعة ودخل المنزل دون دعوة..جلس بصمت برهة ثم قال:

أبشركم..فقد وافقت المنطقة الأمنية على سفركم..

أجابته خالة الأولاد (الله ينطيك بالآخرة!)..

انفجر الرجل بالضحك مرددا :

حجية آني أريد انتوا تنطوني بالدنية!

وببساطتها وفطنتها المعهودة..أجابته:

إحنا انطينا كل شئ لابو عامر – المرتشي-)..

رد عليها ساخرا:

أبو عامر شغله ويه الكبار..احنه نريد حقنا!..

وعدوه بان يدبروا له مبلغا بعد أيام..عند الباب توقف وحذرهم وهو يخرج لفافة ورق من جيبه:

هذي معاملتكم بجيبي ( أدنى من خمسين ألف دينار مرفوضة!)..

بعد أيام عند مراجعة دائرة الجوازات (النافذة الثالثة) حسب مشورة المرتشي الذي كان يرافقهم عن بُعد..قال لهم ضابط الجوازات:

لماذا أنتي مستعجلة للسفر..الوطن قَصَّرْ وياكم!

أجابته:

أخي هل هناك أي نقص في المعاملة؟!

أجابها بحزم:

نعم..وين المقسوم؟!

التفتت ونظرت باحتقار وتساؤل إلى أبي عامر..

انحنى الضابط قليلا إليها محذرا..

غدا تأتين بـ(المقسوم ) وتضعيه داخل الملف..موتفضحينه..

كان ذلك في الأول من آذار عام 2000 .

· اجتماع الأسرة..وتفرق القلب!

بعد أن تسللت الأسرة من الوطن إلى الغربة ، من ثلاثة منافذ ، وبثلاثة أزمنة..لكل لها شجونها وحكاياتها..

اجتمعت الأسرة في الغربة ولأول مرة في منتصف آذار من عام 2000.. وأصرت هي ..أن تعمل حفلا عائليا احتفالا بالابتعاد عن كابوس سلطة الموت والخوف..

كان الجميع يتحلقون حول مائدة عراقية ..هي والأولاد وأبيهم..كانت فَتيَّة ونشيطة كعادتها..رفضت أن يساعدها احد..

قالت :

أحس أني اليوم قد ولدت من جديد!

كانت واقفة إلى جواري تقدم الطعام إلى “سما”الابنة الصغرى..

وانطفأت فجأة متهالكة إلى الأرض بلا حراك..

هرع الجميع..

كان “علي” ابن الثانية عشر إلى جوار رأسها..مد يده الصغيرة في فمها وانتزع لقمة كانت تتذوقها لابنتها..

هجرنا البيت واستوطنا في المستشفى إلى جوار غرفة العناية المركزة لأربع وثلاثين يوما..عجز الأطباء عن تشخيص حالتها المتدهورة..وهم يتذرعون بأسباب تثبت الحالة السريرية خطأها..أحسست بفجيعة الغربة وقسوتها في جانب لم يكن مقارنا لدي من قبل..ألا وهو (الحاجة المصيرية إلى كفاءة ،ومهنية ،وصدق ،وإخلاص الأطباء العراقيين..تحية اعتزاز بهم جميعا)..

وبعد أن (أفتى) احد الأطباء.. الذي كان وعدد من الأطباء إلى جوار سريرها :

حالتها نفسية..ومن الأفضل أن تخرج من المستشفى وترتاح في البيت!؟

أدركت مغزى تلك الجملة الرهيبة عندما يقولها الطبيب لأهل المريض!

تعرضت لذات النوبة التي تتعرض لها بعيدا عن حضور الأطباء فينكرون علينا صحة وصفنا للحالة، ويرفضون مراقبتها للاطلاع على تلك الحالة..

حينها قال احدهم :

ليس في المستشفى ما يساعدها على التشخيص أو العلاج!؟ انقلوها إلى مستشفى آخر!

سألتهم :

منذ متى وانتم تعرفون بأنكم عاجزون عن تشخيص حالتها أو علاجها؟!

خيم الصمت المذعر..وتفرقوا من حولنا..

تركت الأولاد إلى جوارها وهي في غيبوبة..وخرجت استغيث بصديق من أبناء البلد..

تدخل لنقلها إلى احد المستشفيات التي تتوفر فيها إمكانية التشخيص أو العلاج..قيل له:

لا أسرة فارغة..

وقيل لنا في المستشفى :

لا سيارة إسعاف مجهزة تصلح لنقلها..

ومنذ الصباح الباكر حتى ساعة متأخرة من الليل ..بعد عشرات الاتصالات والمحاولات ..تمكنا من حجز سرير لها في مستشفى يبعد 250 كيلو متر عن المستشفى الذي ترقد فيه ..وحصلنا على سيارة إسعاف..لكن الأطباء في ذلك المستشفى البعيد نصحوني بعدم نقلها دون طبيب مرافق، لان الحالة (التي حدثت الأطباء عنها..) إذا عاودتها في الطريق ستقضي عليها..

وقفت حائرا بين مجموعة الأطباء ..المستشفى البعيد بالانتظار وسيارة الإسعاف عند باب المستشفى بالانتظار ..وهي في غيبوبة..والوقت يمضي..وليس أمامنا إلا خيار واحد..هو.. المغامرة بنقلها دون مرافقة طبيب، أو تطوع احد الأطباء لمرافقتها بعد أن رفض المستشفى تكليف طبيب بذلك..

اقترب مني الدكتور ممدوح (من مصر)وقال لي:

ستنتهي مناوبتي بعد ساعة ونصف ..انتظر وسأذهب معكم..

قطعنا الطريق بسرعة ، بعد ما يقرب من أربع ساعات..وبعد أن تطوعت ولحقت بالدكتور مضمدة(من فلسطين)..

حال وصولنا ..

كان في صالة انتظار الحالات الطارئة في قسم العناية المركزة أكثر من عشرة مرضى..وبمجرد دخول الدكتور (بانكي ومساعده الدكتور بخاري – من الهند) طلب إدخالها كأول حالة طارئة وشديدة الخطورة إلى غرفة العمليات..

بعد ساعة ونصف من الانتظار في غرفة العمليات خرج إلينا الدكتور بانكي ..وبلكنة عربية ركيكة:

قلبها تعبان..وعلينا زرع جهاز لتنشيط القلب!

· المستفزات..وكتابة النص!

عادة ما يكتب المرء، بعقلة وأحيانا بقلبه،وغالبا بجرحه..

وكثيرا ما نتحاور..هي وأنا.. بشأن (النص الفعل) والنص(رد الفعل)، ونتفق على الميل إلى أهمية كتابة (النص الفعل)، لان الآخر يبتسر الفكرة ،ويشغل العقل ويربك النص عن الصيرورة الطبيعية ككائن متحرر..

لكن “وسائل الإعلام ” التي أدمَنّا على تعاطيها ، غالبا ما تستفز الضمير ،وتخدش العقل ،وتنكأ الجرح..عندما يطفح الزيف منها،ويطغي على الحقائق ويشوه شكل الأحداث الماضية والجارية ويلوث مضمونها،التي عشناها ونعيشها بتفاصيلها المريرة،وكنا وما نزال شهودا عليها أو ضحايا لها، أو تلك النصوص والمشاهد التي تزكم العقول من فرط ظلاميتها ودمويتها،وتخلفها ،وطغيان الكراهية منها، فيجبر المرء ..أن لا يصمت..ويصبح الرد واجبا لا مجرد حق فحسب..

وعند هذا المنعطف من الحوار….ينشأ السؤال “الكابوس” الذي ينزف دما:

ما الذي تغير خلال هذه السنوات المنصرمة الممرغة بالدم..بالنسبة للإنسان العراقي وحريته،والوطن واستقلاله..والمرأة وحقوقها؟!

وكثيرا ما تحتدم – هي – عند قراءة نص غير منصف بحق الناس أو مجحف بشأن الوطن أو جاحد بدور التاريخ..أو عندما تشاهد متحدث مُضلِل ..أو سماع قائل مُزَيِّف..

وهي المتفرغة قسرا لمتابعة ما يُنشر ويُقال ويُعرض..

بعد أن وجدت نفسها رغم عنفوان الحنين إلى المسرح، والحماس للكتابة، والشوق للعمل المجتمعي..مغدورة بقوانين العمل في الغربة ، التي تركن الإنسان – الكبير!- إلى زاوية الإهمال بعدما تراكمت خبرته ،ونضجت تجربته ، وتشذبت مهاراته ،واتسعت آفاقه ..

وتعتصرها تلك الوجوه التي كانت سلاحا لاغتصاب أيامها وأيام من حولها من أخيار العراقيات والعراقيين، وهم اليوم يتلمظون على شاشات التلفاز وفي وسائل الإعلام..نجوما لمرحلة ما بعد الاحتلال مثلما كانوا أقمارا في زمن الدكتاتورية..

ونحن اليوم إذ نحتفل بآذار.. أمامنا –على شاشة التلفاز- واحد من وجوه ثقافة الحروب العقائدية، الذي نعرفه جيدا..يتهجأ أبجدية “الديمقراطية المجنزرة”..

إلتفتت إليَّ قائلة:

سأفضحهم ..

لان هؤلاء المزيفون هم صناع ثقافة الإقصاء والتجويف، والتخويف، والموت،والكهوف،وكتم الأرواح والأفواه..وهم اليوم يعيدون إنتاج أنفسهم للامساك بعنق ثقافة لم تولد بعد..