الرئيسية » مقالات » في السياسة الاقتصادية في العراق .. لماذا الخصخصة؟

في السياسة الاقتصادية في العراق .. لماذا الخصخصة؟

مستشار في الخارجية التشيكية

يجب التذكير ان الخصخصة ليست بالعصا السحرية لانتشال المرافق العامة للدولة من دائرة الفشل والشلل، ولن تكون ايضا بمثابة البديل للسياسة الاقتصادية، بل هو تجسيد لجانب ديناميكي محدد الاهداف في اطار التوجه الاقتصادي لدولة كالعراق، يعيش فترة انتقالية ومخاضا سياسيا اجتماعيا للتحرر من الارث الشمولي الذي عطل الجوانب الحيوية للنهوض الحضاري – الانساني. لاشك ان الدعوة الى الخصخصة وتحرير الاقتصاد اكتسبت طابعا معولما وبالشكل الذي دفع بمعظم الدول ذات الاقتصاديات الجامدة الى تشريع قوانين تستهدف التخلص من القطاع العام، ورفع يد الدولة عن انشطة اقتصادية محركها الاساسي والفاعل هو القطاع الخاص. ورغم ان الخصخصة اخذت ابعادا قياسية في اطار العولمة، إلا أنها تختلف في اهدافها وميكانزيماتها واساليبها من دولة الى أخرى وطبقا لدرجة نموها وتطورها سياسيا واقتصاديا، وفي حالة العراق امنيا ايضا. لقد تأثرت السياسات الاقتصادية، وكذلك العلم الاداري والمعرفي، بكل ما يجري من متغيرات على صعيد التكنولوجيا وتقنيات الانتاج والخدمات في اطار الاقتصاد العالمي الدينامي. فعليه نجد ان الدعوة تتصاعد الى نقل ملكية المشاريع والمنشآت العامة, الضعيفة على مستوى الأداء والفاعلية, الى القطاع الخاص بسبب من عجز او قصور في التمويل الحكومي في الانفاق على المرافق العامة وخاصة تلك المتعلقة بالبنية التحتية. كما ان زيادة العبء على موازنة الدولة في تلبية الحاجات المتعددة والمستجدة للمجتمع المتسم بالزيادة السكانية، تتطلب اتخاذ خطوات سيا-اقتصادية جريئة صوب الخصخصة كاداة للانتعاش الاقتصادي ودفع عملية التنمية الى مواقع اكثر فاعلية جنبا الى جنب العملية السياسية. وكي نصل الى درجة مقبولة من النجاح في تنفيذ عمليات الخصخصة في العراق، كاداة من ادوات السياسة الاقتصادية الفاعلة، علينا التاكيد على وضع اطار واضح للتوجه الاقتصادي في العراق، الذي افتقد ويفتقد الى سياسة اقتصادية واضحة المعالم منذ عقود. هذا التشوه وعدم وضوح معالم محددة للنظام الاقتصادي ادى الى تخبط شامل في توجيه وتنفيذ المشاريع ذات البعد الاستراتيجي على صعيد التنمية المستدامة، أو على صعيد تلبية الحاجات الاساسية للمجتمع. فتارة نجد خططا تنموية يتم تنفيذها مركزيا وبكلف لا تتناسب مع زيادة حجم اجمالي الانتاج الوطني، او مشاريع لم تهدف الى زيادة في حجم القيمة المضافة لدعم الادخار الاستثماري، فضلا عن مشاريع تقام وهي فاشلة غر قادرة على التنافس في السوق الاقليمية، ناهيك عن المنافسة في السوق العالمية (عدا النفط الذي يتسم بالطابع الاستخراجي فقط وليس التحويلي). فمنذ عقود نجد ان المواطن العراقي في حيرة من امره فيما اذاكان النظام الاقتصادي هو نظام اشتراكي، راسمالي او نظام اقتصادي تعاوني مختلط. كذلك نجد ان القطاع الخاص اخذ يتخبط في انشطته الاقتصادية، فهو كذلك في حيرة من امره في حال ان كان النظام الاقتصادي في العراق هو راسمالي بحت أم راسمالية الدولة هي المهيمنة على مجمل الانشطة الاقتصادية. اننا ومن باب الحرص على تحقيق سياسات اقتصادية تنموية فاعلة تخدم المجتمع وتسد من احتياجاته، وكي تساهم في دعم العملية السياسية وتكون في خدمة اهداف السلطة السياسية في إقامة نظام ديمقراطي تعددي فيدرالي حر، ندعو الحكومة الوطنية، التي قامت مؤخرا، رغم الظروف السياسية الصعبة، بتشريع قوانين اقتصادية ايجابية قابلة للتعديل والمراجعة، ندعوها الى تكثيف جهودها لتحديد معالم النظام الاقتصادي العراقي وتوجهاتها الاقتصادية بشكل اكثر وضوحا وفاعلية تاكيدا على مصداقية تبنيها سياسة اقتصاد السوق بكل استحقاقاتها، والعمل على دعم القطاع الخاص بكل السبل والاشكال المعتمدة دوليا، آخذة بنظر الاعتبار سمات الاقتصاد العالمي بكل مكوناته والمتغيرات التي تطرأ داخل منظومة العلاقات التجارية العالمية. والى ذلك نؤكد ان مثل هذه الجهود لن يكتب لها النجاح إلا من خلال فريق – فرق عمل من التكنوقراط المؤهلين واصحاب الخبرة العلمية والعملية لإدارة الدفة الاقتصادية في العراق دون النظر الى موضوعة المحاصصة او الولاءات المذهبية-الإثنية المسيسة المفروضة والتي هي ابعد ما تكون عن الفكر الاقتصادي التطبيقي الفاعل والتي تفتقد الى النظرة الاستراتيجة الخاصة بالتنمية المستدامة. أن لموضوعة البحث (خصخصة المشاريع) اشكاليات متعددة يمكن حصرها في: 1. مدى ايجابية تدخل الدولة في تطوير المرافق العامة من عدمها 2. لماذا الخصخصة حاليا وكيف 3. سمات القطاع الخاص 4. اساليب وطرق الخصخصة الملائمة للبيئة الاقتصادية في العراق 5. فئات المشاريع والمرافق المشمولة بعملية الخصخصة حدود علاقة الدولة بالمرفق العام؟ كثر الحديث عن دور الدولة في ادارة المرافق العامة ودعمها المالي المتواصل للمشاريع الفاشلة، ولكننا قلما ذهبنا الى تشخيص الغاية والهدف من هذا الدعم. لسنا هنا بصدد الكشف عن دور الدولة ودعمها للمرافق العامة في العراق، لكننا بصدد الكشف عن الهدف من اقامة ودعم المرفق العام. نعلم جميعا ان الدولة العراقية في فترة السبعينات مرت بعهد اقتصادي انفجاري جاء على خلفية زيادة موارد البلاد المتأتية من الريع النفطي وارتفاع اسعاره دوليا. وهنا كان لابد للدولة من استغلال مثل هذه الموارد لغايات اعلامية دعائية لفرض السيطرة السياسية والتحكم بالموارد العامة بالشكل الذي يخدم اهدافا محددة، الغاية منها، تهميش قوى المجتمع من القيام بدور فاعل في الحياة العامة (سياسيا واجتماعيا). ولم يكن المرفق العام إلا تلك الوسيلة لامتصاص جيش العاطلين تمهيدا لشل فاعليته، أو امتصاصا لرد فعل قد يعرقل مساعي السلطة في لعب دور اقليمي رئيسي من خلال فرض سلطانها على منطقة الخليج (الحروب الداخلية والخارجية)، وتاسيسا على ذلك كان لابد من اقامة مشاريع ذات طابع اما دعائي، او لدعم والحفاظ على نظامه، أو تهديد الآخرين بحجم قواته (التصنيع العسكري). أن اقامة مثل هذه المشاريع جعل من المواطن رهينة لمورده من المرافق العامة ولإبعاده بشكل من الاشكال عن الحياة العامة. كما نجد أن حجم فائض القيمة او زيادة حجم الادخار الاستثماري – مصدر من مصادر زيادة في حجم اجمالي الدخل أو الناتج المحلي وبالتالي الازدهار الاقتصادي – لم يكن هدفا اقتصاديا أو غاية اجتماعية لإقامة تلك المرافق العامة، بل زاد من حجم البطالة المقنعة التي نعتبرها عائقا آخر على صعيد التطور الاجتماعي. مادا يعني المرفق العام؟ هناك مصطلاحات كثيرة لتحديد ماهية المرفق، إلا أنه يمكن حصر تعريف المرفق باعتباره مؤسسة انتاجية خدمية عامة تهدف الى اشباع حاجة من حاجات المجتمع دون اي اعتبار لطبيعة الدور الذي تقوم به (د. المتولي .. خصخصة المرافق العامة – دار النهضة 2004 القاهرة). فتقدم العلوم وظهور الاختراعات وعدم قدرة الافراد على القيام بكافة الانشطة في القرن الماضي، ادى الى اتساع رقعة التدخل من قبل الدولة. كما ان محدودية القدرة التمويلية للافراد، أي القطاع الخاص، زاد من تدخل الدولة في الحياة العامة ولأسباب تم ذكرها سلفا. فعليه نجد ان سعي ونشاط وهدف المرفق، في حال اشباعه حاجة اجتماعية محددة، وتحقيقه لمنافع تخدم المصلحة العامة، وهو ما يمكن لنا من تعريفه بمرفق عام. على الصعيد ذاته، لايمكن الجزم بان المرفق العام في ظل تدخل الدولة الشمولية هو المصدر الوحيد الذي يستهدف النفع العام، تماما كما هو مردود عليه بان القطاع الخاص عاجز عن القيام ببعض المشاريع ذات النفع العام. ففي ظل التحول الاقتصادي والتحرر من النظام الاقتصادي المركزي الى نظام اقتصاديات السوق، نجد ان أفرادا يقومون باعمال كبرى تصب في صالح المجتمع ملبية حاجات المواطنين تعجز الكثير من الدول الصغيرة القيام بها. أن طبيعة وهدف المرفق كمدلول موضوعي متناسب لسياسة التحول من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق يدفع بالدولة الى القيام باجراءات جذرية تتعلق بمجمل العلاقات الاقتصادية والهياكل الانتاجية والخدمية، وفي كل اشكال الملكية وخصائص السوق وانماط التوزيع ومعدلات الفائدة والاستثمار والادخار. كما ان الاصلاحات الاقتصادية، وخاصة تلك المتعلقة بعملية الخصخصة، تتطلب من الحكومة تبني مجموعة متكاملة من السياسات النقدية والمالية والائتمانية. في السياق ذاته، يجب ان نؤكد على ضرورة ووجوب الاشراف الحكومي لنشاطات القطاع الخاص، نشاطات قد لا تصب في خانة المنفعة العامة او المصلحة العامة، او الخروج عن النظام العام. ان مثل هذا الاشراف الحكومي يجب ان ينسحب أيضا على مجالات ذات مساس مباشر بالمنفعة العامة كقطاع النقل والصحة والتعليم. دور الدولة في تطوير المرافق العامة ان دور الدولة في تبنيها نظرية دعه يعمل دعه يمر (laissez Faire laissez Passer ) لا يعني بالضرورة القيام بوظيفة الحماية أو توفير الأمن للمواطنين فحسب، بل ان التوسع في القطاعات الانتاجية والتحويلية، والتطور الحاصل في صناعة الاتصالات، والتقدم في المجال التكنولوجي، وظهور صناعة الاعلام بشكل مثير للفكر الاقتصادي – التجاري، له ما يبره في الحاجة الماسة الى جهاز اداري قادر على تنظيم كل الانشطة المتعلقة بالمفاصل الاقتصادية الخاصة بالحياة العامة للمجتمع. فعليه نجد هنا ان وظيفة الدولة الجديدة يكمن في وضع تشريعات تخدم سياساتها العامة في توفير مستلزمات التنمية (لا نقصد الرجوع الى النظرية الكنزية ودور الدولة) وذلك من خلال نقل ملكية المشاريع العامة التي تملكها الدولة الى القطاع الخاص، ودعم قدرته على الادخار والاستثمار والانتاج وزيادة مساحة الملكية الخاصة بين المواطنين، ويعتبر هذا الاجراء من اهم الحلول للخروج من ازمة الركود الاقتصادي والحد من ظاهرة نمو حجم التضخم. ان الصورة الجديدة لدولة ما بعد النظام الشمولي لا تعني القيام بمهام دولة الحد الادنى كالدفاع وتطبيق سيادة القانون وادارة السياسة الاقتصادية الكلية وصيانة حقوق الملكية، ولكنها تنسحب لتشمل تشريعات تعزز الاسواق وتشجع المبادرات الفردية وتمكن فئات المجتمع المدني من تحديد السياسات العامة ومساءلة السلطة من خلال تطبيق مبادئ الشفافية ومكافحة الفساد وصولا الى قوانين لحماية الفئات المستضعفة والدفاع عن مصالح المستهلكين. ان نجاح عملية الخصخصة (نقل الملكية العامة الى القطاع الخاص) يتطلب خلق شراكة ثلاثية الاطراف في اتخاذ القرارت هي الدولة والطرف الآخر هو القطاع الخاص وثالثهما تنظيمات المجتمع المدني. كما أن دور الدولة في تطبيقها لنظام السوق يتطلب ممارستها دور المشرف والرقيب على مختلف اوجه النشاط الاقتصادي باعتبارها الحكم الذي يضع قواعد وشروط تنظم العلاقات بين المرافق وداخل مكونات القطاع الخاص ذاته. سمات القطاع الخاص التساؤل الذي يدور بين النخبة الاقتصادية ومن ورائهم السياسيون وبعض من وسائل الاعلام والمعنيون بالشأن الاقتصادي وقضايا التنمية الاقتصادية هو : لماذا الخصخصة، وهل القطاع الخاص قادر على ان يلعب الدور الايجابي في دعم الاصلاح الاقتصادي لنجاح عملية نقل الاشباع العام الذي تقدمه الدولة الى الافراد ؟. ذكرنا ان الخصخصة مفهوم لا يقصد به نقل الملكية العامة الى الفرد فحسب. فعملية الخصخصة لها ابعاد تنموية شاملة تتضمن انشاء وتشغيل وادارة الانتاج ونقل وتوزيع السلع والخدمات. كما تعالج الخصخصة قضايا تتعلق بزيادة كفاءة ادارة وتشغيل المشاريع والمرافق الانتاجية والخدمية من خلال الاعتماد على آليات السوق والتخلص من ظاهرة البيروقراطية السائدة في المرافق العامة للدولة. وفي ذات السياق يمكن القول ان الخصخصة مرتبطة كليا بقرار سياسي صائب ينتهي عند تنفيذ نقل ملكية المشروع الى الملكية الخاصة. كذلك نجد ان مفهوم الخصخصة ذاتها هو عكس مفهوم التأميم الذي تنتقل عنده ملكية القطاع الخاص الى الدولة. وجوابا على التساؤل عن الغاية من الخصخصة، علينا ان نحدد بعضا من المشاكل والمعوقات التي تواجه الدولة في ادارتها للمرافق العامة لنعرج بالتالي الى اهم ما يميز القطاع الخاص عن القطاع العام. ابتداءا نرى ان الدولة تواجه في ادارتها الاقتصادية للمرافق العامة مرضا مزمنا يكمن في الافتقار لكفاءة التشغيل بسبب الفاقد (خسارة) في المخرجات وعدم الاستخدام الامثل للعمالة (بطالة مقنعة)، وهو امر شائع في فروع صناعية عديدة ومنها الصناعات الخفيفة والصناعة الغذائية والصناعات التحويلية وكذلك في القطاع الصحي والتعليم والنقل وفي مختلف دوائر الدولة الخدمية (كمثال: لا أجد مبررا لتشغيل الاف من الاداريين غير المنتجين كسعاة للبريد والتنظيف والفراشين ومن يقوم بتحضيره للشاي او القهوة في المرافق الانتاجية والخدمية الخ.). كما ان المشاكل التي تفرزها عملية الصيانة للمرافق العامة هي الأخرى تعيق كفاءة الانتاج، حيث نجد ان الصيانة تأخذ ابعادا تتعلق بالانفاق غير الفاعل بسبب من نقص المهارات وضعف الكادر الفني الوسطي، وهذا يخلق عبئا ماديا مضاعفا على كاهل الدولة. وهناك جانب آخر يشل الإداء الفاعل للمرفق العام وهو الافتقار الى هيكلية ادارية تنظيمية كفوءة يزيد في عدم الاستقرار على صعيد الاقتصاد الكلي ممتصا لموارد المرفق العام الشحيحة. ولا يفوتنا هنا التذكير أن اكثر المرافق العامة يتميز بشحة الموارد لحين استحصال الموافقات المختلفة في دعم نشاطها من قبل الدولة. أما الحديث عما يتميز به القطاع الخاص من سمات تجعله قادرا على اداء مهامه بالشكل الذي يساهم به في دعم مجمل الانشطة الاقتصادية وصولا الى معدلات نمو متصاعدة في الدخل الفردي والقومي والتشغيل والاختراع والابداع ولخلق مناخا ملائما للتطور الحضاري والاجتماعي. لذا نرى باننا ملزمين للاشارة الى اهم هذه السمات ومنها: – سرعة ومرونة اتخاذ القرارات بناءا على المهارة الادارية – عامل الربح هو المحرك الاساسي لتطور الكفاءات الانتاجية، التي تؤدي الى الضغط على تكاليف الانتاج نزولا، وزيادة في المخرجات صعودا – عنصر المنافسة يزيد من المستوى النوعي للمنتوجات والخدمات – استخدام التقنيات الحديثة والبحث عن المستجدات التكنولوجية بهدف كسب رضى المستهلكين – القطاع الخاص غير مسيس، وبعيد عن الاهواء والمصالح الفئوية أو الضغوطات الجانبية خارج دائرة الانتاج والخدمات – استقلالية مالية (ابتعاد القطاع الخاص عن موازنات الدولة) هو عنصر ديمومة في تقديم الخدمات وتطوير مجالات التشغيل والانتاج. – تحديث متواصل في مجال الادارة والتشغيل والتوزيع والنقل – امتصاص لليد العاملة الماهرة والكفؤءة من شانه دفع غير الماهرين صوب التعليم والتأهيل المهني كسبا للرزق والمورد المريح وقبل ان نختم هذا الفصل (المضغوط – المختصر) علينا ايضا الاشارة الى واقع حال الدولة من مسألة الخصخصة، وفيما اذا كانت قد تعرضت لضغوطات خارجية كشروط البنك الدولي أو توجهات صندوق النقد الدولي. هنا يجب، ولو بصورة سريعة، الوقوف عند هذه المسألة، والتي هي في غاية الاهمية. كلنا يعلم ان اشتراطات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليست هي باعتباطية، ولم تكن يوما ملزمة بالشكل الذي قد يمس السيادة أو استقلالية الدولة في اتخاذ اجراءات تسرع من معدلات النمو الاقتصادي او الاجتماعي. ولكن … هل أن وضع العراق (صاحب موارد وطاقات) يفترض به القبول باشتراطات وتوجهات المؤسسات المالية الدولية السياسية، كما هو حال باقي دول العالم الثالث المتخلفة الفقيرة، وهل المساعدات المالية تلك ذات صبغة سياسية، وراءها من كان، للقبول باشتراطاتها. في العموم نقول، ان العراق هو جزء من الاقتصاد العالمي الذي يتحكم بمساره وتوجهه شركات معولمة (عابرة القارات) ذات امتدادات قادرة على تغيير الكثير من المواقع على الخارطة السياسية والاقتصادية لعالم لسنا من صاحبي اتخاذ القرار برسم معالمه. ومن هذا المنطلق ارى ان على الدولة وفي ظل ظروفها الحالية (المختلقة) التكيف مع بعض من اشتراطات دور المال الدولية، ولس بكاملها، وذلك لقوة اقتصاده قياسا بباقي دول العالم الثالث، ولقدرة العراق على تجاوز ازماتها السياسية والاقتصادية كدولة نفطية وذات ارث حضاري – تقافي يشار له بالبنان. الدولة وفئات المرافق المشمولة بالخصخصة أما فيما يتعلق بالفئات من المشاريع التي يمكن لها ان تكون في دائرة الخصخصة، فيمكن تحديدها وفقا لاهميتها الاستراتيجية اقتصاديا وسياسيا، وموقعها من قضايا السيادة او موقعها من خارطة اجمالي الانتاج القومي ومساحة خدماتها المنفعية اجتماعيا. وتلعب عملية مسح للمرافق العامة هنا دورا كبيرا في دفع عملية الخصخصة الى مواقع متقدمة في خدمة التنمية المستدامة. هناك فئة من المرافق العامة مهامها مرتبطة بالوظيفة السيادية غير قابلة للخصخصة ايا كانت ايديولوجية او طبيعة النظام السياسي السائد في البلاد. ومن اهم هذه المرافق ذات المساس باستقلال وسيادة الدولة هو الدفاع والتمثيل الدولي والأمن والقضاء والمحكومة بنصوص دستورية ومرتبطة بكيان الدولة. ولكن مرافق كالصحة والتعليم والتي تقوم باشباع حاجات اجتماعية، فهي مرافق لا ترتبط بسيادة الدولة، اي مرافق غير اجبارية يمكن اخضاعها لعملية الخصخصة وبدرجات معينة وضمن ضوابط محددة تشرعها الدولة وفقا للمصلحة العامة. في جانب آخر نجد ان هناك مرافق يكون محور نشاطها متعلق بالانشطة الاقتصادية والتجارية، وهذه تنقسم الى فئات منها ما تمثل احتكارا للدولة اي الجهة الوحيدة بانتاج سلعة أو خدمة مستأثرة بعناصر السوق التنافسية فهي غير خاضعة للخصخصة. كما ان هناك مرافق او مشاريع ذات طابع استراتيجي قابلة للخصخصة ولكن امر البت في ذلك يترك لتقدير اصحاب القرار السياسي كالكهرباء والنفط والمياه والنقل والاتصالات والموانئ الخ. في هذا السياق، ندعو الحكومة العراقية وقبل القيام بتنفيذ عملية الخصخصة، أن تبادر الى تشريع قانون خاص بالخصخصة على غرار تلك التي شملت الاستثمار والنفط وغيرها من القوانين التي تساهم بشكل ايجابي في دعم الاصلاح الاقتصادي مبينا مجالات الخصخصة الكلية والجزئية وآليات تنفيذها. الطريق الى الخصخصة ان اساليب وطرق تحقيق عملية الخصخصة تعتمد على طبيعة النظام الاقتصادي والارادة السياسة للسلطة في تسخير المصادر والموارد المالية والاقتصادية وجعلها في خدمة ومصلحة الفرد والمجتمع. وللخصخصة انواع، منها تشمل خصخصة متكاملة ومنها جزئية. اما الخصخصة الكلية فهي عبارة عن خطوات قانونية تشمل عقد مدة خدمة لاتزيد عن خمس سنوات بهدف زيادة الطاقة الانتاجية، او عن طريق التأجير لمد لا تزيد عن عشر سنوات بهدف زيادة كفاءة تشغيل المرفق، او ادارة المرفق لمدة خمس سنوات بهدف تحسين القدرة الفنية وانجاز مهام محددة بهذا الشأن، أو عقد امتياز لمدة طويلة بهدف دعم كامل للقطاع الخاص، واخيرا عقد بناء وتشغيل (ملكية تامة). هذا ويتم نقل ملكية المرفق بطريقتين: – ان تفقد الدولة لراسمالها في المشروع – توسيع المشاركة العامة في ملكية المرفق عن طريق الاكتتاب العام، وهو اسلوب يساعد على دعم سوق المال، حيث يمكن للمستثمر الاجنبي المساهمة في ملكية المرفق لعجز القطاع الخاص المالي، وهذا الاسلوب تم تطبيقه في كثير من الدول الاشتراكية التي انتقلت الى نظام اقتصاد السوق بعد التحرر من النظام الشمولي ودول عديدة في آسيا وامريكا اللاتينية. – حصة من راسمال المشروع (عن طريق مزايدة) لعمال المرفق وبنسبة لا تتجاوز 10% من القيمة الكلية للمرفق – سعر المزاد – نسبة لا تتجاوز 50% من قيمة المزاد للفنيين والمدراء – النسبة المقررة يترك تحديدها للدولة وبموجب قانون علما ان التجربة التي نمتلكها في هذا الخصوص هو انه من المحتمل ان يقوم مالكو الاسهم الكبار بشراء حصص الاخرين بسعر مضاعف للهيمنة على ادارة المرفق، ومن ثم تصفية المرفق من خلال مجلس الادارة بهدف بيع المرفق لجهة أخرى ضمن صفقات تجارية، وهو ما قد يعرض العمال الى الطرد لتزداد حدة البطالة. هناك الكثير من المخاطر التي تنجم عن الحصحصة بشكلها المطلق سيتم التطرق اليها في بحث مستقبلي، حيث تم هنا التركيز في هذا البحث على طبيعة دور الدولة وماهية العملية المتعلقة بالخصخصة وبعض المفاهيم الخاصة بالملكية العامة والخاصة، وذلك رغبة في زيادة وعي المواطن لمثل هذه القضايا الحساسة والتي لها علاقة بمستقبله الاقتصادي والاجتماعي.