الرئيسية » مقالات » تحرير المرأة… أم تحرير الرجل…؟

تحرير المرأة… أم تحرير الرجل…؟

تتوالى كتابة المقالات والابحاث بمناسبة عيد المرأة العالمي ، متناولة موضوع المرأة ومكانتها في المجتمع بصورة عامة وفي مجتمعاتنا المتخلفة بصورة خاصة. والمتتبع لتطورمكانة المرأة في الدول الديقراطية ، يلاحظ بوضوح كامل أن الخط البياني للتغيرات في تلك المكانة يتجه صعودا من اليسار الى اليمين. ما يعني أن المرأة و دورها في المجتمع يتعزز دون توقف ، وعبر الزمن تكتسب حقوقها الديمومة والتجذر في حين تزداد هي كفاءة واقتدارا.

لا يعني هذا أن المرأة لم تتلقى دعم و مساندة من الرجل في تدرجها نحو المواقع التي تحتلها الان وتنفذ بجدارة المسؤوليات المناطة بها. بالعكس كان للاحزاب السياسية والمنظمات المهنية والشخصيات الاجتماعية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ادوارا هامة واساسية في ادراج حقوق المرأة المدنية والسياسية على جداول اعمالها كأهداف عملوا و ناضلوا دون توقف من اجل تحقيقها.

بصرف النظر عن كمية ونوعية الدعم الذي ساعد المرأة على تحقيق ما نالته من مكاسب ،نود القول أن تلك المكاسب شكلت بمرور الوقت تراكما كميا ونوعيا ، اقرته دساتير وقوانين ونظم واصبحت جزء عضويا من الحياة العامة وقاعدة اساسية لاستقرار تلك المجتمعات لا يمكن النكوص او التخلي عنها. ولنا في المجتمعات الاوربية والولايات المتحدة الأمريكية مثالا حيا لما بلغته المرأة فيها من قوة وضعف مقارنة وما انتهت اليه المرأة في مجتمعاتنا في الدول المتخلفة وبخاصة الاسلامية منها وما حل بحرياتها الشخصية من تقييد او الغاء ، في العراق ومصروالدول الأسلامية مثالا.



بعد عام 2003 ظهرت المنظمات النسائية بالعشرات مستفيدة من اجواء الحريات وغياب الهيمنة السياسية والبوليسية ، ما بشر بثورة نسوية جديدة في تاريخ العراق الحديث، اوسع ربما من تلك التي انبثقت بعد ثورة تموز 1958 ترفع من شأن المرأة العراقية وتفتح امامها افاقا اوسع. الا انه للاسف البالغ لم تقابل تلك التكهنات بما تستحق من حماس وتشجيع من قبل حكومات تعوزها الرغبة و التفكير السليم والمرونة في التفاعل مع الاحداث والمستجدات في المحيط الداخلي والعالم.

بمرور الوقت وهيمنة التيارات الفوضوية الرجعية تحت ستار الدين، قمعت الحركة الحقيقية للتحرر وفرض من جديد لونا من التمييز ضد المرأة وحياتها العادية، تبعتها محاولة مفبركة عبر بنود دستورية مخطط لها سلفا لجعل المرأة من جديد رهنا للمتسلطين في العائلة والحكومة والقضاء الشرعي.

لقد فشلت القوى المهيمنة على الحكم في بناء نظام ديمقراطي سياسي اقتصادي بديل عن سابقه ، يغير من واقع الحياة اليومية ويحسن المستوى المعيشي والخدمي والاجتماعي للناس. بل بالعكس قامت بألغاء قانون الاحوال الشخصية” رقم 188 ا” اهم الركائز القانونية للاصلاح الاجتماعي الذي كان ثمرة اكثر من نصف قرن من الكفاح والتضحية المشتركة مع الرجل.



لم تقدم اية مبررات لذلك الالغاء وفيما اذا كان للمنظمات النسوية رأيا في بعض بنوده لا تتجاوب مع طموحاتها ودورها في الحياة والمجتمع. لقد كان رجال الدين ضد قانون الاحوال الشخصية ابان تشريعه بعد ثورة تموز1958 . وهاهم الان ينفذون حلمهم القديم ، بأحلال ما سموه المادة 41 من الدستور الجديد الذي صاغوه في غفلة من رجال قانون وخبراء اكفاء متنورين.



ومع بداية 2005 تصاعد المد الهمجي لحملة تمييز ضد المرأة في العمل والتعامل والشارع وفي البيت قادتها مجاميع من المتعصبين الجهلة ومراهقين عديمي الخلق والتربية والضمير، لتحول حياة المرأة الى كابوس دائم.

لقد تعرضت المرأة في العراق بصورة عامة وفي بغداد و البصرة خاصة في السنين القليلة الماضية الى مجزرة لم تمارسها الوحوش الذكور ضد اناثها في كل غابات الدنيا ، حسب تعبير الكاتب والصحفي الاستاذ عبد المنعم الأعسم ، حيث استبيحت فيها دماء البريئات من بنات و اخوات وامهات وفق شرع لم يأتي به لا دين الاسلام ولا أي دين في الدنيا. وقد مرت تلك الجرائم دون عقاب ، مع أن مرتكبيها معروفون لدى السكان المحليين. اما جرائم الشرف فلم تعد تدرج في اعمدة الاخبارالمحلية في الصحف ، فقد اصبحت جزء من روتين الحياة ومتطلباتها الاخلاقية.

أن جرائم غسل العار تمضي قدما امام انظار وعلم المسؤولين الرسميين ورجال الدين الموالين لهم وكأن حالهم يقول ما دامت لفسل العار فليكن. الى أي منحدر وصل هؤلاء ، يجيزون قتل الاخت والبنت والزوجة والعمة والخالة وحتى الجدة غسلا للعار وكأن القتل فضيلة وعنوانا للرجولة ورفعا من شأن عرف اكثر عارا من العار وانجس من النجاسة نفسها.



أي نوع من الاباء سيكون قاتل امه او اخته ،و بأي اخلاق وقيم يربي ابنائه؟



اليس القتل جريمة يحرمها الله؟ هل في القرآن اوامر بقتل الاخت لان احدا وشى بها؟

اليس جريمة قتل الاخت عارا بحد ذاتها على اخيها وابيها وكل عائلتها وحتى المجتمع الذي تنتمي اليه ؟

وماذا بشأن المفتصب الذي غرر او اعتدى على الاخت ؟

الكثير من حوادث غسل العار تمت للايذاء والانتقام ، ثبت برائة الضحايا مما نسب لهن، فمن يعيد لهن الحياة لتدلي بالحقيقة ،وينال المجرمون عقابهم؟

اليس من حق الاخت أن تسأل فيما اذا اخذت بالقوة والاغتصاب رغما عنها وهي الضعيفة مقابل متوحش ؟ اين موقع الدولة وقوانينها وعدالتها وبخطط فرض القانون التي تتبجح بها ليل نهار؟



الصورة جد قاتمة في العراق الان ، فالمرأة التي احتلت مكانة متميزة اثبتت من خلالها انها شريكا رديفا متوثبا للمشاركة في سباق القوة والنبوغ والابداع والتألق جنبا الى جنب مع الرجل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. تقبع الان في البيت منكسرة ، مقموعة ، محجبة ، منقبة ، خائفة ، خافية وجهها ورقة قوامها وخفة روحها وعمق حنوها وحميميتها وعذوبة امومتها ، نزولا عند ارادة تجار الشعوذة والدجل والجنوح والشذوذ والاستحواذ . وخشية من عديمي الاخلاق والحمقى ، فاقدي المشاعر الانسانية والابوية والاخلاقية ، والمتنكرين لعلاقات الجيرة والعمل والصداقة والمواطنة.

أن المرأة لم تختر قيودها التي فرضت عليها باسم العادات والتقاليد والقيم العربية والاسلامية والقبلية ، لولا تخلف الرجل نفسه ابا كان او اخا او زوجا. ما يعني أن حركة تحرير المرأة تواجه طريقا مغلقا أن لم تعمل على تحطيم الاصنام التي يقدسها ويسعى لطاعتها الرجل. أن عالم الرجل هو عالم طقوس يؤديها بسبب جهله وقلة وعيه وضيق افقه ، ما يتطلب اعادة انتاج عالمه المليئ بالتشوهات. يتطلب تغييرا في برامج التعليم والثقافة والنظم والقوانين الاجتماعية ، بهدف وضع الرجل في موقعه السليم ابا واخا وزوجا ، يرى بمساوات المرأة به عدالة وحقا جديرة بالتمتع بهما كأي انسان اخر في المجتمع. وان يعرف أن عالمه الحالي ليس عادلا ولا انسانيا، فهو فيه كل شيئ والمرأة لا شيئ ابدا. فهو وليس هي من يتزوج اتنتان وثلاث…. وما ملكت يداه ، وهو من يطلق بالثلاث متى ماشاء وليست هي ، وهو من له حق ضربها وطردها وقتلها بالحجج التي يدعي وليست هي ، وهو من يسرق عفتها ، وهي من يعاقب بالقتل غسلا للعار وليس هو ، وهو الذي يلقي بها وابنائها الى الشارع متى يشاء من وليست هي ، وهو الذي له الحق في شتمها امام اولادها واهلها وليست هي ، وهو الذي يشبع رغبته الجنسية منها متى واين وكيف يشاء رغما عنها ، وهي من يجب أن تمشي خلفه وليس معه ،وهي التي يجب أن تتحجب وليس هو.



تبعا لهذا الواقع غير الانساني وغير المقبول ، تبدو حالة حقوق المرأة الانسانية اشد قتامة ، مما يجعل من مهمة المتنورين من الرجال والنساء لتغيير الواقع الحالي اكثرصعوبة لكنها اكثر ضرورة واشد الحاحا. ومن هنا فأن جبهة العمل لاعادة حقوق المرأة المسلوبة تحتاج الى جهود كل الناس الاخيار، المتدينون وغير المتدينين ،والسياسيين رواد التحرر والعدالة والادباء والمفكرين والشعراء و الصحفيين وكل حملة القلم من انصار الحرية في المنظمات والاحزاب السياسية.



في بداية القرن الماضي كانت حركة تحرير المرأة قد بدأت على ايدي مثقفي العراق في ذلك الوقت ، مثل الشاعر جميل صدقي الزهاوي ، والشاعر معروف الرصافي ، والكاتب والمثقف اليساري حسين الرحال ، والاديب مصطفى علي ، والكاتب محمود احمد السيد ، والكاتب سامي شوكت، وعوني بكر صدقي ، ومحمد سليم فتاح ، ورزوق غنام رئيس تحرير جريدة العراق حينذاك ، والاديب والصحفي روفائيل بطي والشاعر ملا عبود الكرخي ورشيد عالي الكيلاني وسلمان الشواف وتوفيق الفكيكي.

وقد التحق بهذه الكوكبة فيما بعد دفاعا عن حقوق المرأة وتحررها رجال اكفاء مثل القانوني البارز رؤوف الجادرجي ، وحكمت سليمان ، وتوفيق السويدي من رؤساء وزراء العراق السابقين وغيرهم.

فيما برز من النساء برغم صعوبة الظرف سيدات من مثل السيدة اسماء الزهاوي شقيقة الشاعر جميل صدقي الزهاوي وبولينا حسون رئيسة تحرير” مجلة ليلى” وزعيمة حركة النهضة النسوية فيما بعد، ونعيمة السعيد وفخرية العسكري زوجة فخري العسكري شقيقة نوري السعيد رئيس الوزراء الاسبق في العهد الملكي .

بينما وقف ضد انعتاق المرأة وتحررها رجال متحجرون رجعيون وسياسيون متخلفون، من امثال رئيس الوزراء الاسبق عبد الرحمن الكيلاني ، والمتدين والمفكر السيئ محمد بهجت الاثري ، وجميل المدرس ، وداوود العجيل ، صاحب جريدة البدائع الرجعية. ولكن سرعان ما انحسر هؤلاء الى مزبلة التاريخ امام المد المتصاعد للرجال الاكفاء المتنورون الذين قادوا المرأة الى النصر.

كانت تلك مرحلة زاهية جدا في حركة تحريرالمرأة وقف الرجل فيها رائدا لا يلين ومدافعا صلدا عن المرأة بأعتبارها عضوا اساسيا في المجتمع بدونها لا يكتمل التحرر وبها فقط تتحقق العدالة الاجتماعية ويكون للحرية والانعتاق مغزاهما العميقين.