الرئيسية » مقالات » هزيمة الامبراطورية الكمالية

هزيمة الامبراطورية الكمالية

انهارت الإمبراطورية العثمانية على وقع سياسيات الاتحاد و الترقي العنصرية ، التي مزقت بين الشعوب والاقوام المكونة للسلطنة العثمانية، عبر فرضها سياسات التتريك وإذابة الاقوام الغير تركية قي بوتقة القومية التركية، وإلغاء الخصوصيات القومية والإثنية الموجدة في إطار السلطنة العثمانية – رغم تواضعها – مما دفعت الشعوب الى التحالف مع دول الحلفاء – انكترا و فرنسا – واعلانها الثورة ضد السلطنة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى للحصول على حريتها و استقلالها.
اضافة الى الظروف الدولية، التي احاطت بالمرحلة وأدت في نهاية الامر إلى انهيار السلطنة العثمانية وبروز نجم الجنرال مصطفى كمال، وتأسيسه الدولة التركية الحديثة – الجمهورية الكمالية – كما ارتاها قادة الاتحاد والترقي، بإلغاء حقوق الشعوب الغير التركية في إطار الجمهورية التركية العلمانية، بالقوة العسكرية، وممارسة التطهير العرقي،التغير الديمغرافي، الإبادة الجماعية وصبغ الجمهورية بصبغة تركية داكنة .
يمكننا ان نقول بان هذه السياسيات هي ذروة الناتج الحضاري للإمبراطورية العثمانية و خليفتها تركيا الكمالية في تعاملها مع شعوب المنطقة باستعلاء و اقصاء الشعوب الموجودة داخل حدود الجمهورية ( كرد، عرب، فرس، يونان، لاز و الارمن …الخ).
بعد اكثر من ثمانية عقود على تأسيس الجمهورية الكمالية، افرزت التصورات والأحداث الجديدة، جمود التجربة وعدم قابليتها لأي اصلاح أو تغير داخلي ، مما حولت الايدلوجية إلى دوغما زادت من هشاشة الكمالية، امام المد الاسلامي السياسي، كانت البداية في تصادمها مع حزب الرفاه الاسلامي الذي استطاع الفوز في الانتخابات البرلمانية و تشكيل الحكومة ولكن تدخول العسكريتاريا الكمالية (كونها الاساس في النظام السياسي للجمهورية الكمالية ) في الحياة السياسية، واسقاط حكومة أربكان وحظر حزبه من العمل في الحياة السياسية للبلاد، أعتبر هذا التصادم مقدمة لمد سلامي سياسي كاسح في الحياة السياسية التركية بعد كبت طويل.
في هذه الاثناء كان أوردوغان و غول يتتلمذان و يتمرسان السياسية والتداخل العسكري – السياسي في مراكز القرار التركية، على يد معلمهم اربكان، كانت التجربة مهمة، استطاعا من خلالها أدراك دهاليز السياسة التركية.
أسس اوردغان و بعض القيادات حزب رفاه المنحل حزب العدالة والتنمية وتجنبوا الاخطاء التي وقع فيها استاذهم اربكان في الاصطدام المباشر مع الطبقة العسكرية –الجيش- حامي الدستور و تركيا الكمالية.
كان صعود اوروغان بداية مرحلة جديدة في الجمهورية التركية وتأسيسا لإستراتيجية جديدة بالوانها وقديمة باهدافها، خاصة بعد فوز العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية للمرة الثانية وتشكيل الحكومة، وتوقيع الاتفاق الاستراتيجي- الكمالي الاسلامي – مع الجيش عبر مساومة طويلة حول اختيار رئيس الجمهورية.
توج هذا الاتفاق بالازمة التركية- الكردية ( رفض تكون اي كيان كردي على وجة المعمورة) بحجة تحصن عناصرمن حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، وعلى الشريط الحدودي بين تركيا وإقليم كردستان العراق.
هذه الازمة كانت نتيجة الاطماع التركية التاريخية في اراضي الدول المجاورة لها، والتي تعتبرها تركيا اجزاء منها سلخت اثناء الحرب العالمية الاولى وتعمل على استعادتها إلى السيطرة التركية.
تزامنا مع هذه النشاط العسكري السياسي ، نشرت وسائل الاعلام القريبة من المؤسسة العسكرية التركية خارطة جديدة ، تمثل التصورات الكمالية الاسلامية – الامبراطورية- في الالفية الثالثة، تضم اضافة الى اراضي الجمهورية التركية الحالية جزيرة قبرص كاملة و جزيرة كريت و الجزر الاخرى في بحر ايجة و اجزاء كبيرة من اليوانان و بلغاريا وشمال سوريا و العراق و اجزاء من ايران مناطق اخرى .
هذا التطرف التركي وليد ازمة داخلية تراكمت عبر عقود من السياسات القمع والاقصاء ضد المختلف القوميا،الاثنيا والسياسيا، التي دفعت القيادة العسكرية والسياسية التركية الى حبك سيناريوهات للهروب من استحقاقات التغير والاصلاح التي فرضتها التزاماتها الاوربية، وتفسخ القيم والبنى الايدلوجية التي اسس عليها مصطفى كمال الجمهورية التركية انطلاقا من كون الدستور التركي اكبر العوائق امام عملية التغير والاصلاح الضرورية لدخول تركيا الاتحاد الاوربي ، و الاحتفاظ بالحدود الحالية للجمهورية بعد نشر دراسات صادرة عن مراكز درسات استراتيجية غربية (امريكية) تتناول تقسيم تركيا.
كل هذا دفع تركيا الى التسرع في اجتياح اقليم كردستان رغم الظروف الجوية السئية في مناطق التي تستهدفها العملية العسكرية التركية، على الرغم من كون الجيش التركي يقوم بعملية عسكرية ضد PKK كل عام ويطلق عليها عمليات الربيع والتي تبدأ عادة مع نهاية شهر اذار، لكن تسارع الاحداث على الساحة السياسية في اقليم كردستان، وإصرار القيادة الكردستانية تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي و المتضمنة عودة المناطق الكردستانية الى سيطرة حكومة الاقليم (كركوك ) والاتفاقيات التي وقعها رئيس حكومة اقليم كردستان نيجيرفان البرزاني مع كوريا الجنوبية واعتبارها اساسا لشراكة اقتصادية بين البلدين تهدف الى بناء البنية التحتية والاعتماد على امكانيات الاقليم للتخلص من الابتزاز السياسي و الاقتصادي للدول الاقليمية ( تركيا ، ايران وسوريا) ، ورغبة تركيا تصدير ازماتها الداخلية خارج الحدودها.
الا ان نتائج العملية كانت على النقيض من الطموحات التركية، رغم الدعم اللوجستي الامريكي للغزو التركي و تغاطي الحكومة المركزية في بغداد معها الا ان الحملة التركية اصطدمت بالقوة العسكرية لمقاتلين حزب العمال الكردستاني و جبال كردستان الوعرة و توحدهما مع الشارع الكردي على امتداد المعمورة ،وفي الشتات و ربما كانت المقاومة الشاملة التي ابداها البشمركة واهالي منطقة بامرني بوقف تقدم الدبابات التركية الى العمق الكردستاني وتاسيس جبهة غير معلنة بين شعب كردستان والقيادات السياسية في اقليم كردستان من جهة و عناصر حزب العمال الكردستاني من جهة اخرى، وموقف رئاسة اقليم كردستان من الغزو التركي ، وأعتبارها موجا إلى اقليم كردستان، وليس الى عناصر حزب العمال الكردستاني.
استطاع هذا التحالف الحاق هزيمة كبيرة بالجيش التركي الذي لم يتوقعها، اضافة الى الموقف الدولي والاوربي خصوصا الذي استنكرد العملية العسكرية و طالب بوقف العملية وحل القضية الكردية داخل تركيا بالطرق السلمية ،ذلك بالاعتراف بالحقوق الشعب الكردي و احترامها، خاصة بعد ان ربط الاعلام التركي و أوساط استخباراتية عملية غزو كردستان بغزو قبرص واحتلالها في القرن الماضي.
انتهت العملية بهزيمة على الصعيد العسكري و السياسي، هذه الهزيمة التي ستنعكس على الحياة السياسية التركية، وتراتب مراكز النفوذ والسيطرة بين اقطاب السياسة التركية ،استعدادا لجولة حرب قادمة، هذه العملية كانت مقدمة لحرب مستقبلية تخطط تركيا لخوضها استنادا إلى ايدولجيتها الكمالية.
ولدت هذه الهزيمة هزة عنيفة في الطبقة السياسية التركية،وخلخلت علاقات السيطرة والتحكم في القرار السياسي التركي،ومن المحتمل ان تسبب ارتدادات هذه الهزة، انزياحا جزئيا للسيطرة العسكريتارية التركية عن مركزية القرارات السياسية.
في النهاية يمكننا ان نقول ان المنطقة مفتوحة على خيارات كثيرة ومتناقضة ويبقى الدور الامريكي و مشروعه، المحور الاساسي للتغير في الشرق الاوسط (مشروع الشرق الاوسط الكبير)، وينظر إلى التوتر الايراني – الامريكي والدولي، على انه جوهر الصراع الحقيقي في الشرق الاوسط ، و تصنف الاطراف الاخرى و فق الاستراتيجية الامريكية باعتبارها الادوات الضرورية لإدارة الصراع من اجل تمرير مشروعها .