الرئيسية » مقالات » إختطاف المطران رحّو .. أساءة لعقيدة الخاطفين أية كانت …

إختطاف المطران رحّو .. أساءة لعقيدة الخاطفين أية كانت …

لا شك أن خاطفي المطران الكلداني ، بولس فرج رحّو ، وقتل مرافقيه يؤلمنا كثيرا ،كما يؤلمنا قتل وإختطاف كل إنسان برئ ولكن هذا العمل المنكر يضر بالإسلام إن كان الإسلام عقيدتهم ومبدأهم ، كما يُحتقر المحرضون على هذه الأعمال الخسيسة المنكرة كائن من كانوا ، فإن كانوا دعاة دين وعقيدة فهم يهينون ما يؤمنون به ويضرون ذلك الإيمان أكثر من ضرره بالمسيحيين ، فبهذا العمل الجبان الأهوج لا يعلمون أن المسيحيين يكسبون مزيدا من العطف العالمي مقابل مزيدا من الحقد والكراهية والإحتقار لأولئك المجرمون ومن يقف وراءهم سواء كان معمما أو مسدّرا أو معكّلا ، ملتحيثا أو حليقا ، وهابيا أو خمينيا أو قاعديا أو صداميا ، إن كان داخل الحدود أو خارج الحدود ، يتسلم حفنة من الريالات أو من التومانات أو من الدولارية ، أما إذا كانت عقيدتهم السيوف والدماء وتناثر والأشلاء للأطفال والنساء والأبرياء ، فليس هناك كلام يصلح أو يفيد لهم أو يؤثر فيهم ، ولم يبق لنا غير الإدانة والإحتقار والإنتظار .

إن إستشهاد إثنين أو ثلاثة من مرافقي المطران قد أضافوا الى قافلة الشهداء الأبرياء شهداء جددا من العراقيين بصورة عامة والمسيحيين بصورة خاصة ونتمى ألا يلحق بهم مطراننا فتكون الجريمة مضاعفة .

أما الخاطفون ومن يقف وراءهم فيسخّرون الدين الإسلامي بما فيهم عصابات القاعدة لتنفيذ مثل هذه الأعمال الخسيسة الرذيلة ، مما يدعو المسلمون الغيارى على دينهم وعقيدتهم بمختلف طوائفهم وملاليهم أن ينقذوا هذا الإنسان البرئ دفاعا عن سمعة دينهم قبل كل شيئ ، كما تقع عليهم مهمة الإدانة الإستنكار والبحث والإستقصاء والتحقيق والتحقق أكثر من غيرهم ، لأن أولئك الخاطفون يقومون بما يقوم به أعداء الإسلام ، وإن أولئك الخاطفون يكسبون لعقيدتهم مزيدا من الكراهية والحقد أية كانت ، لا بداخل العراق فحسب بل في كافة أنحاء العالم وخاصة العالم الغربي ، لا لكون جذور هذا العالم مسيحية فقط بل لإيمان الغرب بالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وإشمئزازهم من مثل هذه الجرائم .

خسران السمعة بالنسبة لرجال الدين ، اي دين ، أعظم بكثير من إستشهاد إنسان مخلص ثابت في عقيدته ودينه الذي نتمى له الحرية والسلامة ولجميع اللأبرياء المخطوفين .

المسيحييون ليسوا دخلاء في هذا الوطن ، كما يعتقد البعض ، بل سبقوا غيرهم على هذه الأرض الطيبة ، المسيحيون لم يزاحموا أحدا فالأرض العراقية وكل ارض تسع لكل من يدعو وخاصة قوم عيسى الذين يرفعون شعارا:

[ المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة ] وهو الشعار الذي يردده هؤلاء ،في كنائسهم ووعظهم تنفيذا لتوصية السيد المسيح ، السلام على كل الأرض ، فليس لهم أرض سلام وأرض حرب ، والمسرّة يريدونها لكل الناس ولم يقولوا المسرّة لقوم عيسى فقط ! بل لكل الأقوام والشعوب تعيش متصادقة متحابة فيما بينها فالصداقة والمحبة تحل كل مشاكل العالم وليس السيف والرمح والدماء والأشلاء والأنفال .

المسيحيون ، لمن لا يعرف ، ساهموا مثل غيرهم بل أكثر من غيرهم ، قياسا لنسبة عددهم لنفوس الشعب العراقي ، هذا ما تثبته الوقائع ، وقائع هذا البلد ، المسيحيون ساهموا في بناء حضارة هذا الوطن منذ القدم ، ولا زالت أكثر المدن العراقية تسمى بالإسماء الكلدانية ، وأ شهر السنَة هي أسماء كلدانية ! ولا زالت المدن العراقية زاخرة بالآثار الكلدانية والآشورية والسريانية قبل وبعد إقتناعهم المسيحية ، كما لا زالت آثار الأديرة والكنائس منتشرة في أكثر المدن العراقية ، حيث دخلت المسيحية الى العراق قبل الإسلام بخمسة قرون أما الكلدان والآشوريون فكانوا الشعوب الأولى والأصلية وقبل غيرهم التي سكنت العراق . ولا زال العراق يُعرف بالآثار التي تركوها أجدادنا السومريون والكلدان والآشوريون ، كان العراق ولا يزال يُعرف من قبل رجل الشارع الأوروبي بآثار الكلدان والآشوريين ، مثل : بابل وبرجها ،والجنائن المعلقة التي أعتبرت من عجائب الدنيا آنذاك ، والآثار الآشورية في نينوي وشريعة حمورابي ، وموطن الأول للعجلة والكتابة …الخ .

وفي العراق الحديث كان المسيحيون وخاصة الكلدان منهم ولا زالوا ، يرفعو ن شعار الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان ، دون أن يتطرقوا الى الشعارات الطائفية بل إندمجوا في المجتمع العراقي وساهموا مساهمة فعالة في كل مجالات الحياة ، في السياسة و البناء و الخدمات والثقافة ، كان الأب أنستاس الكرملي عالم في اللغة العربية بشهادة علماء اللغة وفي مقدمتهم طه حسين عميد الأدب العربي ، كما يلقبونه ، وكذلك في الفنون والعلوم منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة21 ، و كان منهم العلماء والأطباء والمهندسون والآثاريون والمعماريون والتجار والصحفيون والرياضيون وقادة أحزاب وإستشهدوا على أعواد المشانق أو تحت التعذيب الوحشي في سبيل العراق وشعب العراق مع غيرهم من الأقوام العراقية من العراقيين النخلصين ، وليس في سبيل غايات شخصية أو طائفية .

وكان كثير من رجالات العراق غير المسيحيين وأبناؤهم يدرسون و يتعلمو ن في المدارس المسيحية وخاصة الكلدانية كمدارس الراهبات الروضة والإبتدائية و مدرسة القديس يوسف والناشئة في بغداد ومدرسة شمعون الصفا ومار توما في الموصل وغيرها كلية بغداد للللآباء الدومنيكيين ،التي كانت تضم للطلاب للمتميزين في الدراسة ..الخ

و هنا أضيف الى ما فات بعضهم ، وأقول : أن بطريرك الكلدان الراحل عمانوئيل الثاني ( مواليد القوش ، رحل سنة 47 ) و كان مقره في الموصل ، كان صديقا صدوقا للملك فيصل الأول وقد ساهم معه مساهمة فعالة في بناء العراق الجديد ، حيث تجوّل في شمال العراق قبل الإستفتاء التي أجرته لجنة من عصبة الأمم حول عائدية ( لواء الموصل ، أي كل شمال العراق ) وحث جميع الطوائف المسيحية وغيرها للتصويت للإلتحاق بدولة العراق الجديدة وليس بتركيا كما كانت تطالب به تركيا ، ولا زالت تطمع به !! ، كما كان يحضر مؤتمرات دولية قبل وبعد تشكيل الدولة العراقية مدافعا عن حق العراق في الإستقلال قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى مستفيدا من مركزه الديني في المحافل الدولية الأوروبية التي كانت هي المتنفذة آنذاك ، ولم يطلب إمتيازا لطائفته الكلدانية أو لبني دينه مطالب إستثنائية

( حضرتُ حفل تأبينه في الموصل وأنا طالب متوسطة هناك ، ألقى وجهاء من مسلمي ومثقفي الموصل ومنهم الأستاذ الجومرد والشعراء كلمات وقصائد مؤثرة وكلها تشيد بخدمات البطريرك وجهوده في تأسيس العراق الجديد ، وكان الراحل عضوا دائميا في مجلس الأعيان وبقي كرسي العينية لبعده من البطاركة الكلدان حتى نهاية الملكية في العراق ، وقيل أن الملك فيصل أوصى إبنه الأمير غازي بإستشارة البطريرك المذكور عند سفر الملك قيصل الى سويسرا للمعالجة و التي لم يرجع منها سليما فرحل وبكاه كثير من العراقيين .

وأخيرا لم يبق إلا أن نكرر و نقول للخاطفين : إذا أنتم غيورين على الإسلام ، فهذا ليس خدمة للإسلام بل يضر به ، وإذا أنتم عراقيون فهذا العمل معاد للعراق ، وهذا العمل المشين لا يزيدكم أنتم ومحرضيكم إلا مزيدا من الكراهية والإحتقار ونطالبكم بإطلاق سراحه وفك أسره بأسرع وقت ممكن ،

فاالعدالة تمهل ولا تهمل ، فعاجلا أم آجلا

الحرية والسلامة والصحة الجيدة لمطراننا ولكل مختطف برئ مهما كانت عقيدته أو قوميته أو مبدأه ، وتعسا وإحتقارا للقتلة والخاطفين المجرمين .