الرئيسية » مقالات » المرأة . . تلك الكلمة الطيّبة ! 1 من 2

المرأة . . تلك الكلمة الطيّبة ! 1 من 2

يمرّ هذه الأيام 8 آذار عيد المرأة العالمي الذي تحتفل فيه نساء العالم من كل القوميات والأجناس والأديان والمذاهب، ومن شتى المواقع الأجتماعية والطبقية . . يحتفلن فيه بيوم تضامنهن في نضالهن فيما بينهن افراداً ومنظمات و كيوم للتضامن العالمي معهنّ، في نضالاتهن الصعبة من اجل حقوقهن الأنسانية العادلة، التي اقرّتها العهود والمواثيق الدولية .
ولابد ان تمرّ في الذهن في هذا اليوم شرائط ذكريات متنوعة عن المرأة وكفاحها ودورها في حياتنا نحن الرجال . . اماً واختاً ورفيقة نضال وسلاح، خطيبة وزوجة وابنة . . معلمة وخريجة وموظفة و صاحبة مهنة، عاملة وفلاحة وربة بيت . . لتتواصل مع الحاضر ومع الآفاق القادمة.
فاضافة الى اهمية التشريعات والقوانين التي من شأنها صيانة حقوقهن التي تستمر النساء العراقيات في نضالهن من اجلها، وبمواجهة معاناتهن جرّاء انواع المماطلات في اصدارها، في وقت يستمر فيه نزيف خساراتهن الذي اخذ يتفاقم وباشكال خطيرة . . على يد انواع الميليشيات الطائفية والأرهابية التي اتخذت من المرأة عدواً كما لو كان مقدساً لها، لتمرير مشاريعها المنافقة الرامية الى بسط هيمنتها على المجتمع . . فكنّ و لا يزَلْن الضحية الأولى في كل منعطف من المنعطفات المدمّرة التي تمر بها البلاد . .
وبهذه المناسبة لابدّ من التذكير بان اهمية المرأة في المجتمع وفي كل مجتمع لاتأتي من خلال دورها الأجتماعي والبيولوجي فقط وانما من خلال دورها الهام في ضبط سلامة وعي المجتمع ومنطقه وتربية ابنائه ونشطائه ومناضليه . . ويحضرني هنا ذكر المربية الفاضلة والوجه النسائي العراقي البارز الفقيدة السيدة ” منيرة عبد الرزاق ” ام رائد (1) . .
كانت الضربة القاسية التي وجهتها اجهزة السلطة القمعية للقوى الديمقراطية والطلابية منها في 1970 / 1971 عنيفة فعلاً، وكنت وبعد انواع الصعوبات والأجراءات التي مررنا بها آنذاك كلنا كطلبة ديمقراطيين ويساريين وقوميين تقدميين . . قد استلمت رسالة قصيرة افادت، بأن عليّ ان اترك بغداد !! لم اعرف حينها الى اين ولا كيف ؟ وكان السؤال الأهم كيف سيتواصل العمل ؟!
وبعد محاولات استُنفذت واخرى لم تنفع، قررت ان اواصل الأختفاء في بغداد، وحاولت ذلك بمفاتحة عدد من العوائل المناضلة التي كانت منهن المناضلة ” ام رائد ” التي كان لم يتهددها شيء بعد . . وتفاجأت بانها رحّبت بذلك على الفور لمعرفتها الوثيقة و لثقتها بعوائلنا، بشرط ان لا يعرف احداً بذلك، لكل الأسباب المارة الذكر .
كانت ” ام رائد ” معاونة مديرة اعدادية الوثبة للبنات، اكبر سناً من والدتي . . وكانت مناضلة عركتها الحياة، وان كانت قد اصابتها المحن بجروح لاتندمل، الاّ انها ورغم كلّ تلك الآلام خلقت منها انسانة اجادت التعامل مع الأحداث ومع ابنائها وعائلتها . . رغم كل همومها ومرضها وصعوبات وظيفتها، ونشاطها الأجتماعي البارز اضافة الى مشاغلها من اجل قضية الشعب والكادحين، التي منها قضيتها المباشرة ” قضية المرأة ” . .
افردت العائلة لي غرفة في الطابق الثاني للبيت، بعيدة عن الصالة وعن غرف المنزل الأساسية بعد ان اوضحت لي ” ام رائد ” ضرورة ذلك وكأنها كانت تستأذنني فيه ؟! . . كي تتواصل الحياة في البيت الذي لم ينقطع مجيء الضيوف عنه . . نساءاً ورجالاً كانوا، او عوائل بصحبة اطفال، سواءً من بغداد اومن خارجها.
لقد كان البيت ملتقى لوجوه نسائية متنوعة سواءً من حيث اتجاهاتها الفكرية والسياسية والدينية او من حيث منشأها الأجتماعي ومشاكلها وتطلعاتها . . من العاملات والموظفات الصغيرات والمعلمات من العوائل الفقيرة . . الى المحاميات والطبيبات والوجوه النسائية الأكاديمية والعلمية ومن الفئات الغنية البغدادية المعروفة، اضافة الى شابات ونساء من اصول و التزامات عشائرية . . كانت تدعوني للقائهن معها وفق الظرف و وفق الملموس .
لقد وجدت في الغرفة مكتبة عامرة بانواع الكتب الفكرية والسياسية، التي اضافت اليها آنذاك كتباً اخرى كانت قد اخفتها في مكان آخر، لندرتها او لكونها كانت ممنوعة، بمساعدة شابة من اقاربها، اضافة الى العديد من الروايات والسيَر و القصص الأدبية والأجتماعية باقلام كتّاب مرموقين من عرب او مترجمة عن غيرهم الى العربية . . وقد كانت فرصة كبيرة لي لقراءة ودراسة الكتب الفكرية والنظرية التي كانت بغالبها الأعم ممنوعة . . في وقت ازداد فيه الفراغ بسبب الأختفاء، وبعد تضييع الكثير من الوقت في مختلف مناطق وحواري بغداد، ومناطق الكسبة الشعبية، البعيدة عن تواجد الطلاب وعن تواجد المكلفين بمراقبة الطلبة ومهاجمتهم .
وفيما كنت من الشباب الجاد كما كان يقال . . الجدية التي كان يعبّر عنها البعض بكونها جديّة اكثر من اللزوم . . كنت اقرأ الكتب الفكرية والنظرية والسياسية، التي كانت تطرح افكاراً ومصطلحات كنت اشعر بكوني بحاجة لمن يوضحها لي آنذاك، فكنت اسألها وكانت تجيب بكل تواضع، او كانت تُرشد الى قراءة ما يساعد على توضيحها . . او كانت تُهيأ بكل جدية اجابات اكثر دقة عليها، من آخرين او من مراجع ما.
حتى تفاجأتُ يوماً، وعند سلامي و لقائي لأول مرة في بيتها بشخصية السلم العالمية والعراقية الفقيد ” عزيز شريف ” (2)، باهتمامه بتوضيح جوانب من تأريخ الثورة الفرنسية وجوانب من الأسباب التاريخية لفشل انتفاضة العبيد بقيادة سبارتاكوس، لي . . والتي كنت قد سألت ” ام رائد ” عنها قبلاً ولم اكن مقتنعاً بجوابها، كما لمست هي .
وكانت المرة الأولى التي المس فيها دقّة وعلمية وخبرة الفقيد ” عزيز شريف ” بمجتمعنا وكيفية ووسائل المقارنة و المناقلة العلمية بين ماكان يجري في البلاد ومع ما كانت قد افرزته التجارب العالمية الماضية او التي كانت تفرزه حينذاك، بتقديره . . التي كانت تكشف عن عدم تعمّق وقلة خبرتنا كشباب بما كان يجري وكيفية فهمنا له في ذلك الوقت . . رغم حماسنا واستعدادنا اللامحدود للتضحية في سبيل قضية الشعب . (يتبع)

7 / آذار / 2008 ، مهند البراك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. ” منيرة عبد الرزاق ” ، خريجة كلية الآداب من جامعة القاهرة، كانت خطيبة المناضل المحامي والصحفي اللامع والقائد الشيوعي ” عبد الرحيم شريف ” . . التي انتظرته خلال سنوات حكمه الثقيل مع الأشغال الشاقة حتى ثورة 14 تموز 1958 حين اطلق سراحه وتزوجا ورزقت منه بولد وبنت . . وعاشا معاً حتى استشهاده اثر انقلاب شباط الأسود عام 1963 . كانت احدى العضوات البارزات في قيادة ” رابطة المرأة العراقية ” ، امتازت بنشاطاتها الديمقراطية والأجتماعية المتنوعة. غادرت العراق اثر الحملة الوحشية ضد القوى الديمقراطية وبسبب مرض خبيث صارعته طويلاً عام 1978 . . وعاشت في موسكو، وانتقلت مع عائلتها لتستمر في معيشة الغربة في احد البلدان العربية، لتتوفى فيه اواخر التسعينات، لينتهي املها في رؤية العراق الذي ضحّت وقدمت الكثير من اجله وعشقته من اعماقها . . ولو لآخر مرة .
2. كان الفقيد عزيز شريف، رئيس منظمة انصار السلام في العراق، ثم رئيس مجلس السلم والتضامن في العراق حتى عام 1978 / 1979 . . محامياً، صاحب جريدة، تزعم كتلة ماركسية في الخمسينات، صار عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بعد توحيد كتله الثلاث بقيادة الشهيد سلام عادل . . تبّوأ مناصب قضائية وحكومية واستوزر اكثر من مرة .
وحيث ان الفقيد كان يزور زوجة الشهيد لكونه حماها ـ اخا زوجها الشهيد ـ فان ام رائد كانت تحاول اقناع الكاتب باللقاء به وسماع رأيه على الأقل، لأنه ـ اي الكاتب ـ كان يحمل عنه افكار الكثير من شباب يسار تلك المرحلة التي كانت تصفه بكونه ” انتهازي يميني ” ، ” توفيقي ” . . دون التدقيق جيداً وفي ظروف تلك المرحلة بين الواقع والأمكانية من جهة، والأحلام والطموح من جهة اخرى . . في ظل واقع عراقي اتسم بالقسوة والوحشية تجاه اي فكر معارض للسلطة القائمة .