الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة الحلقة الثامنة

حرب الخليج الثالثة الحلقة الثامنة

6/3/2008 
 
بعد أن دخلت القوات الأمريكية العاصمة بغداد، وبعد هروب صدام حسين وأركان نظامه، سارع أفراد الجيش العراقي إلى إلقاء سلاحهم، وتواروا عن الأنظار، ولم يعد في أنحاء البلاد جيشاً، ولا قوات أمنية تحافظ على الأمن والنظام والممتلكات العامة والخاصة، فقد انهار كل شيء، مما تسبب في ترك البلاد في فراغ أمني خطير، وفي الوقت نفسه لم تقم القوات الأمريكية بواجبها باعتبارها قوة احتلال مسؤولة بموجب القانون الدولي عن حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم ، وحماية المؤسسات العراقية ودوائر الدولة، وسائر الممتلكات العامة، ولم تعر أي اهتمام لهذا الواجب، فقد كان جُل اهتمامها الوصول إلى وزارة النفط فحسب وحمايتها ، تاركة البلاد في حالة من الفوضى لم يشهد لها الشعب العراقي من قبل، فقد انطلق آلاف اللصوص الذين أطلق صدام سراحهم قبيل نشوب الحرب، في الوقت الذي أعدم جميع السجناء السياسيين عن أخرهم، في حملة مسعورة لنهب كل ما يقع تحت أيديهم تحت سمع وبصر القوات الأمريكية دون أن تتخذ أي أجراء لحماية الممتلكات العامة والوزارات ودوائر الدولة وجميع البنوك بما فيها البنك المركزي، وفروعه، والمتحف العراقي الذي يضم أعظم ثروات البلاد التي لا تقدر بثمن، وتلك كانت جريمة كبرى يتحمل مسؤوليتها المحتلون الأمريكيون .
لم تبقَ مؤسسة صناعية أو خدمية إلا وسرقت، واحرق معظمها، فلا المستشفيات سلمت من السرقة ولا المدارس ولا دوائر التسجيل العقاري ، وخلاصة القول أن العراق أصبح بعد الاحتلال مباشرة أشبه بسفينة على وشك الغرق، وبات كل شئ فيه مباح للسراق، وقوات الاحتلال تراقب هذه الجرائم دون أن تفعل شيئا لوقفها، بل على العكس من ذلك سارعت الولايات المتحدة إلى إصدار قرار بحل الجيش العراقي، والشرطة وسائر الأجهزة الأمنية لكي تفسح المجال واسعاً أمام عصابات الأجرام لسرقة كل ما تقع عليه أياديهم الآثمة.
كما أن قوات الاحتلال لم تتابع اعتقال أعوان نظام صدام الذين ارتكبوا من الجرائم بحق الشعب العراقي خلال 35 عاماً ما يندى لها الجبين، واكتفت باعتقال قائمة الـ 55 المعروفة التي وضعها الرئيس الأمريكي بوش، مما مهد السبيل أمام القوى البعثية المسقطة عن السلطة، والتي توارت عن الأنظار في بداية الاحتلال، لتعيد تنظيم صفوفها، بعد أن أمنت الجانب الأمريكي من الاعتقال والمحاسبة عما اقترفت أياديهم الآثمة، لتبدأ من جديد حملتها لاستعادة السلطة من خلال اقتراف الجرائم الإرهابية من تفجير السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والاغتيالات المتواصلة الهادفة لقتل المواطنين بالجملة والتي ما زلنا نشهدها اليوم ، والتي حولت حياة الشعب العراقي إلى جحيم لا يطاق.
الرئيس الأمريكي بوش يعلن نهاية الحرب:
في الأول من أيار مايو/2003 ألقى الرئيس جورج بوش خطاباً من على ظهر حاملة
الطائرات [يو إس إي أبراهام لنكولن] في البحر قرب ساحل سان دياغو، ولاية كاليفورنيا معلنا نهاية الحرب، ومهنئا قواته بالنصر، ومتباه بالقوة العسكرية والتكنلوجيا الحربية الأمريكية قائلاً:
{شكراً جزيلاً. أيها الأميرال كيلي، والكابتن كارد، وضباط وبحارة يو إس إي إبرا هام لنكولن، وأيها الزملاء المواطنون: لقد انتهت العمليات الحربية الرئيسية في العراق. وقد انتصرت الولايات المتحدة وحلفاؤها في معركة العراق، وينهمك تحالفنا الآن في السيطرة على أمن ذلك البلد، وإعادة إعماره. لقد حاربنا في هذه المعركة في سبيل قضية الحرية، وفي سبيل سلام العالم، ويشعر بلدنا وتحالفنا بالفخر بهذا الإنجاز. . ولكن أنتم أفراد القوات المسلحة الأميركية الذين أنجزتموه. إن بسالتكم واستعدادكم لمواجهة الخطر في سبيل وطنكم، ومن أجل بعضكم بعضا هو ما جعل هذا اليوم ممكنا. إن بلدنا قد أصبح أكثر أمنا بسببكم. وقد سقط الطاغية، وتحرر العراق بفضلكم. لقد تم تنفيذ عملية حرية العراق بمزيج من الدقة المتناهية والسرعة والجرأة لم يتوقعه العدو، ولم يشهد العالم له مثيلا في السابق. وقد أرسلنا من قواعد بعيدة موجودة على سفن في عرض البحر، طائرات وصواريخ يمكنها القضاء على فرقة معادية أو إصابة غرفة واحدة محصنة تحت الأرض. وقد اندفع الجنود ومشاة البحرية زاحفين على بغداد عبر 350 ميلا من الأرض المعادية، في عملية تقدم من بين أسرع عمليات تقدم الأسلحة الثقيلة في التاريخ. وقد أظهرتم للعالم مهارة وجبروت القوات المسلحة الأميركية. إن هذه الأمة تتقدم بالشكر لجميع أفراد تحالفنا الذين شاركوا في قضية نبيلة. إننا نشكر القوات المسلحة البريطانية والأسترالية والبولندية التي شاركتنا مشقات الحرب، ونشكر جميع المواطنين العراقيين الذين رحبوا بقواتنا، وشاركوا في تحرير بلدهم. ولدي الليلة كلمة خاصة أوجهها إلى الوزير[دونالد رمسفيلد] والجنرال [تومي فرانكس] وإلى جميع الرجال والنساء الذين يرتدون بزات القوات المسلحة الأميركية قائلاً: إن أميركا شاكرة لكم لقيامكم بعمل أجدتم إنجازه. إن الخُلق الذي تحلت به قواتنا المسلحة عبر التاريخ، في جرأة نورماندي وبسالة إيوجيما الضارية والمثالية واللطف والكرم، والتي حولت الأعداء إلى أصدقاء، متجسدة تماماً اليوم في هذا الجيل. وقد شاهد المدنيون العراقيون عند النظر إلى وجوه مجندينا ومجنداتنا القوة واللطف والنوايا الحسنة. وحين أنظر أنا إلى أفراد القوات المسلحة الأميركية، أرى أفضل ما في بلدنا، ويشرفني أن أكون قائدكم الأعلى. لقد شاهدنا من خلال صور التماثيل المنهارة حلول حقبة جديدة. فقد ظل هدف تصميم واستخدام التكنولوجيا العسكرية، طوال مائة سنة من الحروب التي بلغت الذروة في العصر النووي، إلحاق إصابات بين صفوف العدو بقدر مستمر التعاظم. وقد دمرت قوات التحالف، في سياق إلحاقها الهزيمة بألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية مدنا بكاملها، في حين ظل قادة العدو الذين بدأوا الحرب في مأمن حتى أيام القتال الأخيرة. فكانت القوة العسكرية تُستخدم لإنهاء نظام عبر سحق أمة. وقد صرنا نملك اليوم القوة الأعظم لأن نحرر بلدا عبر سحق نظام خطير عدواني. وأصبح بإمكاننا، بالتكتيكات الجديدة والأسلحة المتناهية الدقة، تحقيق أهدافنا العسكرية دون توجيه العنف ضد المدنيين. لا يمكن لأي أداة يصنعها الإنسان أن تزيل المآسي التي تنطوي عليها الحروب، ومع ذلك فقد تحقق تقدم أخلاقي عظيم حين أصبح ما يخشاه المذنبون من الحرب أكثر بكثير مما يخشاه الأبرياء منها. كما أننا شاهدنا من خلال صور العراقيين المحتفلين بالتحرير، افتتان البشر السرمدي بالحرية. ولم تنجح عقود من الكذب والتخويف في جعل الشعب العراقي يشعر بالحب تجاه مضطهديه، أو بالرغبة في أن يتم استعباده. إن الرجال والنساء في كل ثقافة يحتاجون إلى الحرية تماما مثل احتياجهم إلى الطعام والماء والهواء. وفي كل مكان تصله الحرية، تحتفل البشرية، وليدخل الخوف إلى قلوب الطغاة في كل مكان تتململ فيه الحرية. لدينا عمل صعب نؤديه في العراق. إننا نقوم بإحلال النظام في أجزاء مازالت خطرة في ذلك البلد. وإننا نقوم بملاحقة والعثور على زعماء النظام القديم الذين سيحاسَبون على جرائمهم. وقد بدأنا البحث عن الأسلحة الكيميائية البيولوجية المخبأة، ونحن على علم بالفعل بمئات المواقع التي سيتم التحقق في أمرها. إننا نساعد في إعادة بناء العراق، حيث شيد الدكتاتور قصورا بدل المستشفيات والمدارس للشعب. وسنقف إلى جانب قادة العراق الجدد أثناء تشكيلهم حكومة جديدة بالشعب ومن الشعب وللشعب العراقي. إن الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية سيستغرق وقتا، ولكنه يستحق كل مجهود. وسيبقى تحالفنا في العراق إلى أن يتم إنجاز عملنا، وسنغادر بعد ذلك، ونخلف وراءنا عراقا حرا. إن معركة العراق تمثل واحدة من معارك الحرب على الإرهاب التي بدأت يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001 ، ومازالت مستمرة. ففي ذلك الصباح الرهيب قدم 19 رجلا شريراً هم قوات المصادمة المتقدمة لأيدلوجية مقيتة، لمحة عن طموحاتهم لأميركا والعالم، وتخيلوا، حسب ما قال أحد الإرهابيين، إن الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول سيشكل [بداية نهاية أميركا]. واعتقد الإرهابيون وحلفاؤهم أنهم بسعيهم إلى تحويل مدننا إلى ميادين قتل سيستطيعون القضاء على تصميم وعزيمة هذه الأمة، ويجبروننا على الانسحاب من العالم، وقد أخفقوا.في معركة أفغانستان، قضينا على طالبان والكثير من الإرهابيين، والمعسكرات التي كانوا يتدربون فيها. وإننا نواصل مساعدة الشعب الأفغاني على شق الطرق وترميم المستشفيات وتعليم جميع أطفاله. إلا أنه مازال علينا أيضا إتمام عمل خطير. وفي هذه اللحظة التي أتحدث فيها إليكم، تتعقب قوة من قوات العمليات الخاصة، بقيادة القوة المجوقلة 82، الإرهابيين وأولئك الذين يسعون إلى تقويض الحكومة الحرة في أفغانستان، وستكمل أميركا وتحالفنا ما بدأناه في أفغانستان. إننا نقوم بملاحقة القتلة من القاعدة من باكستان إلى الفلبين إلى القرن الأفريقي. وقد تعهدت قبل 19 شهراً بأن الإرهابيين لن يفلتوا من عدالة الولايات المتحدة الصبورة. وقد تم حتى مساء اليوم إما اعتقال أو قتل حوالي نصف كبار المسؤولين في القاعدة. ويشكل تحرير العراق تقدما حاسماً في الحملة على الإرهاب. فقد أزلنا حليفا للقاعدة، وقطعنا مصدرا من مصادر التمويل الإرهابي. وثمة أمر أكيد: لن تحصل أي شبكة إرهابية على أسلحة دمار شامل من النظام العراقي، لأن النظام زال ولم يعد موجودا. لقد كانت إجراءاتنا، خلال هذه التسعة عشر شهرا التي غيرت العالم، مركزة ومدروسة ومتناسبة مع الجريمة. إننا لم ننسَ ضحايا 11 سبتمبر/ أيلول، المكالمات الهاتفية الأخيرة، وقتل الأطفال بدم بارد، والبحث بين الأنقاض. لقد أعلن الإرهابيون ومؤيدوهم، من خلال تلك الهجمات الحرب على الولايات المتحدة. وقد حصلوا على الحرب. إن حربنا ضد الإرهاب تتقدم حسب مبادئ أوضحتها للجميع: أي شخص متورط في ارتكاب أو التخطيط لارتكاب هجمات إرهابية ضد الشعب الأمريكي يصبح عدوا لهذا البلد، وهدفا للعدالة الأميركية، وأي شخص أو منظمة أو حكومة تدعم أو تحمي أو تؤوي إرهابيين تكون ضالعة في قتل الأبرياء، وعلى نفس القدر من الذنب في ارتكاب الجرائم الإرهابية. وأي نظام خارج على القانون له علاقات مع جماعات إرهابية، ويسعى إلى امتلاك أسلحة الدمار الشامل، هو خطر مميت على العالم المتحضر، وستتم مواجهته. وأي شخص في العالم، بما في ذلك العالم العربي، يعمل ويضحي في سبيل الحرية له في الولايات المتحدة صديق مخلص. إن التزامنا بالحرية تقليد أميركي، وقد تم الإعلان عنه عند تأسيسنا، وتم تأكيده في حريات فرانكلن روزفلت الأربع، وأُكد في مبدأ ترومان، وفي تحدي رونالد ريغان لإمبراطورية شريرة. إننا ملتزمون بالحرية في أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين مسالمة. وإن دفع عجلة الحرية هو أضمن إستراتيجية لتقويض جاذبية الإرهاب في العالم. فحيثما ثبتت الحرية جذورها، تختفي البغضاء ليحل محلها الأمل. وحين تثبت الحرية جذورها، ينشغل الرجال والنساء بالسعي السلمي في سبيل حياة أفضل. وإن القيم الأميركية والمصالح الأميركية تقود في نفس الاتجاه: إننا نؤيد الحرية الإنسانية. إن الولايات المتحدة تدعم مبادئ الأمن والحرية هذه بطرق كثيرة، وبجميع أدوات الدبلوماسية وتطبيق القانون والاستخبارات والأدوات المالية. وإننا نتعاون مع تحالف عريض القاعدة من الدول التي تدرك التهديد ومسؤوليتنا المشتركة في مواجهته. إن استخدام القوة كان ولا يزال، ملاذنا الأخير. إلا أنه يمكن للجميع أن يعلموا، لأصدقائنا وأعدائنا على حد سواء، أن لدى أمتنا مهمة هي أننا سنرد على التهديدات لأمننا، وسندافع عن السلام. إن مهمتنا مستمرة. لقد أصيبت شبكة القاعدة بجراح، ولم يُقضَ عليها. ولا تزال خلايا الشبكة الإرهابية المبعثرة نشطة في دول كثيرة، ونحن نعرف من مصادرنا الإستخباراتية أنهم يواصلون التآمر ضد الشعوب الحرة. ومازال انتشار الأسلحة الفتاكة خطرا مميتا. إن أعداء الحرية لم يتكاسلوا ويتوقفوا عن العمل، ولم نفعل ذلك نحن أيضا. وقد اتخذت حكومتنا إجراءات لا سابق لها للدفاع عن الوطن. وسوف نواصل تصيّد العدو قبل أن يتمكن من توجيه الضربات.
إن الحرب على الإرهاب لم تنته، ولكنها ليست بلا نهاية. إننا لا نعرف اليوم الذي سيتم فيه إحراز النصر النهائي، ولكننا قد شاهدنا تحول التيار. ولن يحولنا أي عمل يقوم به الإرهابيون عن هدفنا أو يضعف من عزيمتنا أو يغير من مصيرهم. لقد خسروا قضيتهم. وستواصل الدول الحرة التقدم حتى النصر. لقد حاربت دول أخرى في أراض أجنبية عبر التاريخ وبقيت فيها للاحتلال والاستغلال. أما الأمريكيون فلا يرغبون في شيء بعد المعركة قدر رغبتهم في العودة إلى الوطن. وهذه هي الوجهة التي تتوجهون إليها الليلة. أنتم الآن في طريقكم إلى الوطن بعد أن خدمتم في ميدان الحرب في أفغانستان والعراق، وبعد مائة ألف ميل، وأطول نشر لحاملة طائرات في التاريخ الحديث، وسيلتقي بعضكم أفرادا جدداً في عائلاتهم لأول مرة، إذ وُلد 150 طفلاً أثناء وجود آبائهم على متن (حاملة الطائرات) لنكولن. إن عائلاتكم تفخر بكم، ووطنكم سيرحب بكم. وإننا نذكر أيضاً بعض النساء والرجال الأفاضل الذين لا يقومون برحلة العودة إلى الوطن. وقد تحدث أحد هؤلاء الذين سقطوا في ساحة القتال، العريف [جيسُن ميليو] مع والديه قبل خمسة أيام من وفاته، وقال والد جيسُن: {اتصل بنا من وسط بغداد، لا للتباهي، وإنما ليعبر عن حبه لنا. لقد كان ابننا جنديا}. إن كل اسم وكل حياة يشكلان خسارة لقواتنا المسلحة لبلدنا، وللأحباء الذين يشعرون بالحزن والأسى. لن تشهد هذه العائلات عودة إلى الوطن (التئام شملها). ولكننا نبتهل أن يلتئم شملها في الوقت الذي يحدده الله. لقد شوهد أولئك الذين خسرناهم لآخر مرة أثناء تأديتهم واجبهم. لقد كان آخر ما قاموا به على وجه هذا الكوكب هو مقاتلة شر عظيم وجلب الحرية لآخرين. لقد لبيتم جميعا، كل أفراد هذا الجيل من قواتنا المسلحة، أنبل نداءات التاريخ. إنكم تدافعون عن بلدكم وتحمون الأبرياء من الأذى. وأنتم تحملون معكم، حيثما توجهتم، رسالة من الأمل، رسالة بالغة القدم وجديدة دوما. وكما قال إشعياء النبي للأسرى [اخرجوا] وللذين في الظلمات [كونوا أحرارا].شكرا لكم لخدمتكم بلدنا وقضيتنا. بارككم الله جميعا، ونبتهل أن يستمر الله في مباركة أميركا. (26)
لكن كل وعود الرئيس بوش ذهبت كلها أدراج الرياح، سواء كانت نتيجة لسياسة أمريكية مخططة سلفاً، أو جراء الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها إدارته والحاكم المدني الذي عينه على العراق بول بريمر، وفي مقدمتها حل الجيش، وترك السلاح سائباً دون حماية ليقع في أيدي العناصر البعثية الإرهابية التي لم تلقَ أي ملاحقة، وتنظم صفوفها من جديد، وتخوض قتالاً شرساً ليس فقط ضد قوات الاحتلال، بل ضد أبناء الشعب العراقي، وقد امتلأت قلوبهم حقداً، وتحول العراق ساحة لحرب العصابات الفاشية التي تسفك دماء العشرات، بل المئات من المواطنين كل يوم، وبات الجيش الأمريكي في مستنقع عميق لا يعلم كيفية الخروج منه، وزاد في الطين بله إقامة حكم طائفي بقيادة الأحزاب الدينية الشيعية والسنية التي قادت الشعب العراقي إلى الحرب الأهلية الطائفية الوحشية، وبات الشيعي يقتل أخاه السني والأخ السني يقتل أخاه الشيعي على الاسم والهوية، وجرى تهجير المواطنين من بيوتهم في داخل العراق وخارجه حتى تجاوز رقم المهجرين والمهاجرين أربعة ملايين مواطن.
وما زال الاحتلال جاثماً على صدور العراقيين رغم مرور خمس سنوات على سقوط نظام صدام الذي صنعوه هم، وأمدوه بكل وسائل القوة، وأسلحة الدمار الشامل عندما كان يحارب إيران نيابة عنهم، ويقمع في الوقت نفسه شعبه وقواه الوطنية الديمقراطية بأشد وسائل القمع الوحشية.
وافتقد الشعب العراقي الأمان، وافتقد سائر الخدمات الضرورية لحياته، فلا كهرباء، ولا ماء صالح للشرب، ووقود بمختلف أنواعه واستخداماته، ولا صرف صحي ، ولا عناية صحية، ولا أدنى اهتمام للقضايا الاجتماعية والثقافية .
كما خسر العراق معظم كوادره العلمية أما قتلاً مبرمجاً على أيدي عصابات الجريمة المنظمة أو هرباً إلى خارج العراق، وباتت المدارس تحت رحمة ميليشيات الأحزاب الدينية المتخلفة التي صارت تتحكم في كل صغيرة وكبيرة في حياة المواطنين، وجرى اضطهاد لا سابق له للمرأة حتى في أوائل القرن العشرين، بل لقد أعادوها القهقرة مئات السنين .
فأي ديمقراطية هذه التي وعد الرئيس بوش الشعب العراقي بها، وأي حرية سوى حرية الموت بالاغتيال وبالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة، وعمليات التهجير المنظمة، والخطف و قطع الرؤوس. أي حياة كريمة وأكثر من نصف الشعب العراقي تحت خط الفقر، والبطالة الكارثية التي باتت خير بيئة ومنبع لقوى الإرهاب والجريمة.
لقد شاهدت وشاهد العالم أجمع عبر شاشات التلفزة كيف يبحث العراقيون الفقراء بين أكوام القمامة عن طعام يسدون به رمقهم ورمق أطفالهم في بلد من أغنى بلاد العالم ، بلد يطفو على بحيرات هائلة من النفط الذي بلغ سعر البرميل منه اليوم 102 دولار.
لم تجلب حرب بوش وبلير للشعب العراقي سوى الموت والجوع والذل، والهروب من الوطن لمن استطاع إليه سبيلا، والعيش في الخيام هرباً من طغيان المليشيات الطائفية للفقراء والمعدمين، وثروات البلاد تنهب على أيدي السراق الكبار والصغار، فقد بلغ الفساد أقصى ما يتصوره العقل من درجات، وفي كل المجالات دون استثناء.