الرئيسية » مقالات » لجان تحقيق.. ام بُدَع؟

لجان تحقيق.. ام بُدَع؟

تشكيل لجنة لكل مشكلة موضع خلاف بين السلطات بُدعة اخرى نضيفها الى بُدع كثيرة، حتى قضينا ما يزيد على اربع سنوات في تشكيل لجان لحل مشكلات وخلافات واستعصاءات، لم تُحل، بل وتفاقمت اكثر، والطريف في الامر ان بعض اللجان صارت تعقد اجتماعاتها خارج العراق، وقد التقيت مرة بصديق قال انه جاء الى مصر في اطار لجنة (وهمس: تحقيقية) تعقد اجتماعاتها في القاهرة، وقرأت تقريرا اثق به يقول ان اعضاء لجان تحقيقية نزحوا (وقل هربوا) الى خارج العراق، ومن هناك ارسلوا نتائج التحقيق الذي اجروه بصدد قضية تخص احدى المحافظات الوسطى.

وتؤكد التجارب الادارية الحقيقة التالية: حين تشكل لجنة لكل مشكلة فأنك لن تحل اية مشكلة.. بل انك، بتشكيل هذه اللجان، ستخلق مشكلات اخرى، والبديل عن تلك الفوضى هو بناء نظام اداري مدني بصلاحيات واضحة. اما اللجان فانها تشكل لقضايا طارئة، لا سبيل الى حلها عبر الاجراءات الرسمية العادية.
لقد هرّبنا مشاكلنا الى بدعة “تشكيل اللجان” ثم هربنا اليها بعد ذلك من دون طائل. حتى انعدام الثقة بين الرؤوس السياسية شكلنا له لجنة خاصة، بقيت تجتمع على الشاشات الملونة، ثم انتهت الى الرفوف العالية، والنتيجة، تناسلت المشاكل في الادارة والعملية السياسية بطريقة شيطانية لتغطي الشاشة من اقصاها الى اقصاها، واصبح بامكان اي متابع (او متأمل ظريف) ان يحصي ما لا يقل عن الفين من المشكلات (بطريقة حسابية تقريبية) عصفت بنا، ويفترض انه لو شكلنا لكل مشكلة من هذه المشكلات لجنة من ثلاثة مسؤولين (في الاقل)على علاقة بظروف وطبيعة تلك المشاكل، فهذا يعني اننا سنصرف اكثر من سبعة آلاف موظف عن وظيفته لعدة اسابيع، وان نهدر اكثر من ثلاثين الف ساعة عمل، من اجل ان نحصل على تقارير تصف مشكلات وتقترح حلولا لها، لا تنفذ، طبعا، من دون قرار من الحكومة وموافقة الكتل السياسية التي لن توافق في الغالب، فتغطّ التقارير في نوم ابدي.
يمكن الاشارة هنا الى لجان كلفت بحل مشكلات تتصل بحياة قطاعات وشرائح اجتماعية، مثل اعمار مدن النجف والثورة والفلوجة وكربلاء، ومثل اعادة المفصولين وتعويض اسر ضحايا الارهاب، ومثل قضايا تخص الملكية والاملاك العامة والثروات الوطنية كالنفط والزراعة، ومثل اخطار تداعي شبكة الكهرباء وشحة المياه، ومثل ملف التهريب والفساد والتعدي على المال العام، ومثل اصلاح القضاء والتعليم وإنصاف العاملين في رحابه، ومثل قضايا رواتب المتقاعدين ومحدودي الدخل، ومثل إحياء الخدمات البلدية وانسنة الاحياء الشعبية، ومثل قضايا النقل العام والاتصالات والطرق الخارجية، ومثل سلم الرواتب والخدمة، ومثل استعادة الخدمات السياحية وحماية المتاحف، ومثل توسيع شبكة الخدمات الثقافية وتشجيع الابداع والتأليف والبحث، هذا بالاضافة الى لجان التحقيق في احداث (المهدوية) وجند السماء وحوادث البصرة والديوانية والموصل.
قال لي موظف شغل عضوية احدى اللجان المكلفة بمعالجة مشكلة موصولة بقضايا تجارية: عقدنا اربعة عشر اجتماعا متواصلا ووضعنا ايدينا على حلول عاجلة واخرى بعيدة المدى، كما وضعنا تصورا لميزانية وفق الحد الادنى، ثم رفعنا التقرير والتصورات والمقترحات منذ ثلاثة اشهر من دون ان نرى اي ظلال لها على الارض حتى الآن، بل ان المشكلة الجديدة التي برزت هي ان مواد ومكائن تعرضت للتلف خلال هذه الفترة وثمة مطالبون ومدعون لجأوا الى المحاكم.
هذه باختصار”براءة الاختراع” التي سجلت باسمنا.. تصفيق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلام مفيد:

“الجودة لا تأتي صدفة أبدا، فهي نتاج نوايا حسنة”.
وليم فوستر