الرئيسية » مقالات » في عيدها …

في عيدها …

الثامن من آذار من الايام القلائل التي اتفق العالم – بكل اختلافاته وتنوعاته – على الاحتفال بها، ولاننا جزء من هذا العالم فإن هذا العيد يخصنا ايضا وإن كان له طعم آخر عندنا كأي شيء عراقي آخر نمتاز به عن الاخرين.

ففي هذه الايام تحاصرني علامات استفهام عديدة يشتد توترها كلما وصلتني بطاقة دعوة لمؤتمر او حفل او مهرجان سيقام يوم الثامن من آذار الجاري، يوم المرأة العالمي!!

هل تنفرد المرأة بحاجتها الى عيد، تقام فيه المهرجانات والمؤتمرات ويتغنى فيه الشعراء بجمالها وسحرها أو بصمودها ونضالها أو بدورها في بناء الحياة أو….. دون الرجل؟!!

هل هذا العيد مجرد احياء لذكرى شخصيات نسائية حققن شيئا ما في زمن ما، كقدوة لنظيراتهن عبر التأريخ؟!

وهل (وهذه الاهم)، احتفالنا بالمرأة العراقية، واجب في عنق الرجل أم حق للمرأة عليه ان تحصل عليه، ام دين على المجتمع ان يفي به، أم كل هذا مجتمعا؟!

من علي أن أذكر في هذا اليوم؟ أي نوع من النساء العراقيات؟!

المرأة التي وصلت الى مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية وتشارك الرجل في صناعة القرار بعد عقود التغييب والتهميش والاقصاء؟!

أم المرأة التي أثبتت وجودها في المجتمع المدني كمحرك فاعل وأساس في عملية التحول الديمقراطي الذي يشهده العراق فكانت جزءا من ملحمته الجديدة؟!

أم المرأة العراقية الصابرة على فقدان مقومات الحياة الضرورية من ماء وكهرباء وأمن وقلة الناصر والمعين، ما بين ارملة وثكلى وزوجة تصبر على شظف العيش مع زوجها في ظل ظروف غير طبيعية بكل المقاييس الارضية والسماوية، وعندما تسألها: كيف أنتِ؟ تغمرك بابتسامتها الطيبة وتقول: الحمد لله مازلنا نعيش!!

أم لعلها إمرأة الاهوار، بكل ما تحمله من تأريخ ونضال وعظمة، وهي تعود الى قصبتها ومشحوفها وتنورها يغمرها الامل بغد مشرق ربما يكون الافضل لها ولأولادها؟!

وفي زحمة الصور التي اضطرمت بها ذاكرتي، استوقفتني صورة إمرأة عراقية في العقد السادس من عمرها حفر الزمن اخاديده في وجهها الاسمر الجميل فاستحالت الى لوحة سومرية لن تمحى من ذاكرة الزمن ابدا، تفترش قارعة احدى طرقات عمان قبل شهر من كتابة هذه الاسطر!!

كنا نحاول ان نجد مأوى لنا يحمينا من المطر الهاطل رحمة وخيرا، لاجدها أمامي تضع (بسطية) علب السكائر امامها مفترشة الارض ومغتسلة بماء المطر لا تحاول البحث عن مأوى، داهمني احساس مخجل كأنني المسؤولة عن جلستها تلك وانا اتفحص عباءتها الرثة وأقترب منها متساءلة: خالة هل أنت عراقية؟!

امرأة من بلد سومر وأكد، من أغنى بلدان العالم وأرقاها ثقافة وحضارة، هُجرت من بيتها في بغداد قبل عامين ولم تجد سوى هذا الشارع يأويها وغرفة صغيرة تنعدم فيها ابسط مقومات الحياة!!

هل عيد المرأة العراقية سيشمل هذه المرأة في غربتها أيضا؟! وكيف سنحتفل به؟!

وسرعان ما تواردت صور لمئات وربما آلاف النساء العراقيات اللواتي فقدن المعيل وأصبحن بلا مأوى وبلا مصدر رزق مع حفنة من الاولاد والآمال والمخاوف أيضا، يا ترى هل سيشمل العيد هؤلاء ايضا؟ وكيف سنحتفل به؟!

ورغم كل الصور التي ترد الى مخيلتي هذه الايام، سأحتفل بهذا العيد، بأية طريقة كانت، المهم ان نوقد المرأة العراقية، فكرة في أذهاننا، وشمعة في قلوبنا، وأملا نتطلع اليه…

وكل عام وأنت سيدتي العراقية أعظم مفردة لفظها الوجود وعنونها قاموس الحياة في باب (الجنس الآخر).