الرئيسية » مقالات » إقليم كردستان والكماشات المتعددة -3-

إقليم كردستان والكماشات المتعددة -3-

لقد قلنا فيما سبق، أن الجانب الكردي قد ساهم بدور فعال، في سبيل أن يكون العراق الجديد، نموذجاً لتجربة ديمقراطية تعددية، بناءً على ما أقره الدستور؛ من أن العراق بلد اتحادي فيدرالي، وأن الثروة فيه هي ملك للجميع، وأن القضايا التي هي موضع الخلاف، كقضية كركوك والمحافظات والنسب المقررة في توزيع عائدات النفط، والتي وضع الدستور آليات معالجتها، لا بد وأن تأخذ طريقها إلى الحل استناداً إلى الدستور نفسه، وانطلاقاً من إيمانه بما أجمعت عليه غالبية الشارع العراقي من مواد دستورية، وما أفرزتها الانتخابات، فقد احتضن إقليم كردستان، بهدف تقريب وجهات النظر، العديد من الحوارات والمفاوضات بين القوى العربية، التي تتصارع على السلطة والمكاسب، وتخوض فيما بينها مواجهات دموية، خاصةً وأن البعض من هذه القوى قد دخلت العملية السياسية كامتداد لأجندات إقليمية، وجزء من مشروع يهدف إلى لجم التجربة وإفشال العملية السياسية، والبعض كحالة تمثيلية عن النزعة الطائفية والمذهبية، والتي تتفاعل مع استحقاقات الوضع العراقي انطلاقاً من ذهنية إقصائية، وساهمت – هذه الحالة – في تأجيج قضايا الاختلاف والركون إلى لغة السلاح وممارسة العنف، لا بل ذهب البعض إلى درجة الدخول في تحالفات سرية وعلنية مع أيتام النظام السابق، وكانت المحصلة؛ هي أن تحول البلد إلى ساحة لممارسة الإرهاب، وبؤرة لتصفية الحسابات والقتل على الهوية، سواءً بالاستناد إلى الاحتقانات الداخلية والاستفادة من التناقضات الحاصلة في الممارسة السياسية، أو من الدعم الإقليمي الذي كان يفعل فعله في الداخل العراقي ..
ولكون الجانب الكردي، وأعني هنا القوى السياسية الكردية التي لها حضورها في العملية السياسية، كان على قناعة؛ بأن العراق الاتحادي القوي سيكون لمحصلة الكرد كما هو لمصلحة باقي مكونات المجتمع العراقي، فقد تحرك باتجاه تثبيت أركان الدولة، وعلى الأساس ذاته، رضخ لبعض التوازنات، حين تشكيل المؤسسات السيادية والدستورية، حيث تفاعل مع الوضع بقبوله ببعض المناسب التشريفية والواجهات التمثيلية، دون أن يعطي الأولوية لما تمخض عن الاستفتاء الذي جرى في الشارع الكردي، والذي كان يحاول أن يستفسر عن رأيه حول مصيره ومستقبل القضية الكردية ضمن استحقاقات المستقبل ..
وبما أن السائد في ذهنية الشريك الآخر في العراق الجديد، كما في العراق السابق، وكما لدى الغالبية الغالبة من الفئات والشرائح العروبية، هو أن الكرد إسرائيل ثانية، وأن الجانب الكردي يحاول أن يمهد لتقسيم العراق وتجزئة الجغرافيا العروبية، وذلك لما تربى عليه من ثقافة على مر عقود من الزمن، ولما هو عليه من نزعة استعلائية، دون أن يقرأ في التاريخ والجغرافيا، بأن الكرد حالة قومية له خصوصيته، وأن إقليم كردستان هو جزء من وطن مقسم بشرياً وجغرافياً، وأن دخول الكرد في العملية السياسية لم يكن انطلاقاً من التكتيكات، بقدر ما هو قناعة، خاصةً وأن الكيان الكردي كان قائماً منذ ما قبل السقوط، نقول؛ انطلاقاً من كل ذلك، جاءت عمليات التحايل على الدستور منذ أن انطلقت التشكيلة الأولى للحكومة، والتنصل من بنودها من قبل القوى والأطراف التي لها تأثيرها في الشارع، والتي لها امتداداتها الخارجية، بحكم أن القوى الإقليمية وخاصةً دول الجوار، كانت وما تزال، تتخوف من نجاح تجربة كردية ضمن الخارطة العراقية، وذلك لما سيشكل هذه التجربة من خطر عليها، وفق قراءتها للأحداث، وانطلاقاً من تراكمات القضية الكردية في داخلها، وسياساتها التي تتجاهل الحقوق القومية لهذه القضية، وما تمارسها من قمع واضطهاد بحق أبناء الشعب الكردي في بلدانها ..
ولو تتبعنا إحداثيات الخارطة السياسية في العراق، وأخذنا ما يدور في الأوساط العروبية من تداعيات حول الشأن الكردي بعين الاعتبار، كان علينا القول؛ بأن العنصر الكردي غير مرغوب فيه ضمن أجندات مهندسي السياسية العراقية، وكذلك من قبل الفئات التي تتصارع على السلطة، بحكم أن هذه الجهات، لا تريد للعراق إلا أن يكون عروبياً، وعليه، فإن مجمل القضايا العالقة، والتي يشكل الجانب الكردي طرفاً فيها، ستبقى عرضةً للماطلة ومساحة للمساومات، على الجانب الكردي وحده أن يدفع ضريبتها، كما هو الحال بالنسبة إلى قضية كركوك، وحصة الإقليم من ميزانية الدولة، التي أصبحت مثار جدل واختلاف، إضافةً إلى مسألة العلم والإشكالية التي تثار حول عقود النفط التي أبرمتها حكومة الإقليم، وكأن الجانب الآخر يريد أن يعبر عن امتعاضه من الدستور، وأنه جاء على غفلة منه ..
إن المعادلة العراقية، حسب ما هي موصوفة ومرسومة، باتت معقدة ومتشابكة ومتداخلة، فهناك أكثر من طرف وجهة، داخلية وخارجية، لها دورها في التأثير على الخارطة السياسية العراقية، وهناك أكثر من محور يحاول أن يجعل من العراق واجهةً لقضاياها الخلافية مع الأوساط الأوربية، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، كل ذلك جعل من المواطن العراقي يعيش تحت وطأة المشاريع المتداخلة في الساحة العراقية، ويدفع ضريبة التوازنات الطائفية والمذهبية، تلك التي تعمل عليها الحكومة العراقية نفسها، وانجرت إليها الولايات المتحدة، حين فكرت في تجميع القوى المناهضة لسياساتها، من تيارات تكفيرية متطرفة، وزعامات عشائر، والرموز التي كانت لها الدور الأساس في ممارسة العنف والإرهاب، تحت مسميات مجالس الصحوات، وكأن بها تحاول أن تخلق نوعاً من التوازن بين المكونات المذهبية والطائفية في العراق، إلى جانب وقوفها عبر هذه الصحوات في وجه تعاظم النفوذ الإيراني، وتخلخله بين الأوساط الشيعية، بغية لجمه وعزله عن محيطه، دون أن تقرأ في اللوحة العراقية على ضوء ما تقدم عليها، كونها وبما أقدمت عليها، قد فتحت الأبواب على مصراعيها أمام بلورة حالة جديدة، قد تمهد الطريق لعودة ذهنية البعث إلى الواجهة، وإن كانت تحت مسميات مختلفة، وأن تمارس القوى الشوفينية نفوذها بالاستفادة من التناقضات الحاصلة في المشروع الأمريكي، ذاك الذي كان يدعوا إلى دمقرطة المنطقة، والخروج بها من دائرة القوى والتيارات المتطرفة، وكذلك الأنظمة الاستبدادية والشمولية ..
ولا نغالي إن قلنا، بأن مجمل إرهاصات الوضع العراقي، والتناقضات الحاصلة في الممارسة السياسية، كنتيجة للتوازنات القائمة، قد ساهمت إلى حد كبير، في تفكك الدولة، وصبت في خندق المتربصين بالعملية السياسية، فما التصريحات والتلميحات التي تتم إطلاقها من لدن المسؤولين والقيادات نفسها، والتي تنخر في حالة التوافقات القائمة، وكذلك المواد الدستورية، سوى شكل من أشكال الانقضاض على التجربة، وهي التي شكلت مدخلاً للنظام التركي في أن يلعب دوره، وأن يحاول هو الآخر إسناد لعبة التوازنات، والوقوف إلى جانب القوى التي تستهدف التجربة الكردية، من خلال قيام المؤسسة العسكرية التركية باجتياح إقليم كردستان، وكأن هذا الإقليم لا صلة له بالسيادة العراقية ..
إن ما قامت بها تركيا، هي نتيجة طبيعية للحالة الطاغية في العراق، حيث أن مصلحتها قد تلاقت مع مصالح أولئك الذين يحاولون التنصل من الدستور واللعب على ورقة المادة 140 المتعلقة بقضية كركوك، كون تركيا تجد بأن من واجبها أن تدفع بالتجربة الكردية إلى الهاوية، هذا الواجب الذي يتفق معها فيه فئات وشرائح من الداخل العراقي، وعليه فقد كان الاجتياح التركي بمثابة رسالة إلى التجربة الكردية بعيداً عن تلك المزاعم التي تحاول المؤسسة العسكرية من خلالها أن تبرر لحملاتها من أنها تحاول اجتثاث وجود حزب العمال الكردستاني ..
إن الدور الكردي في العملية السياسية في العراق، وعلى ضوء ما هو قائم، مقيد بأكثر من مشروع ومخطط، وأن طموحاته في أن يعيش الأمن والأمان، بمنأى عن البطش والمقابر الجماعية، لم يزل ضمن مخاضات قد لا تفضي إلى مستقبل يطمح إليه الإنسان الكردي، وذلك لما هي عليها موازين القوى ولعبة المصالح، كون الشروط المطروحة لاستقرار الوضع في العراق، والتي تكتسب خصوصيتها من جانب الذهنية الإقصائية لدى الشريك العربي في العراق الاتحادي، تلخص الأهداف والمرامي التي تنطلق منها القوى الإقليمية، ومن بينها، إبقاء الحالة الكردية ضمن دائرة السكون والركود، وعدم فسح المجال كي تتنفس التجربة الكردية أجواء التحرر من قيود التبعية، وأن تبقى تبعيتها السياسية والاقتصادية بأيدي من هم في لعبة التوازنات وحدهم، بعيداً عن مفهوم الدولة ومؤسساتها، إضافةً إلى العمل على القضايا المتعلقة بالشأن الكردي – قضية كركوك مثلاً – ضمن أجندات تستهدف الخيارات الكردية، وكجزء من استدراج الجانب الكردي إلى مسارات قد لا يرتضاه، كما حصل في الصراع الكردي التركي، وقد يحصل في أكثر من شكل وأكثر من موقع ..
نعود ونقول؛ أن التجربة الكردية تعيش ذاتها وسط كماشات متعددة، وكلها تشترك في مواجهة استحقاقات القضية الكردي، وعليه يقع على الجانب الكردي قراءة المعادلة السياسية من زاوية المنابع الثقافية التي تشكل القاسم المشترك بين الفئات التي تتصارع في العراق، والأجندات الإقليمية التي تشكل حلقة الوصول بين النماذج المختلفة – شكلياً – لأنظمة الحكم في الجوار العراقي، وخاصةً تلك التي تقتسم كردستان، خاصةً لو أخذنا بعين الاعتبار، أن هذه الأجندات هي التي تمارس ذاتها في العراق، وهي التي تمتلك اليد الطولى في رسم الخارطة السياسية بين أقطاب التوازنات في الساحة العراقية، إلى جانب تخبط السياسية الأمريكية وعدم ركونها إلى استحقاقات مشروعها الذي شكل المدخل الأساس إلى دخول العراق ..