الرئيسية » مقالات » السماح لدولة أجنبية غاشمة بتدنيس أراضينا خيانة عظمى

السماح لدولة أجنبية غاشمة بتدنيس أراضينا خيانة عظمى

بأي وجه سنواجه شعوبنا وبأية ذريعة سنبرر أفعالنا وسكوتنا الملطخ بالجبن و الذلة والخنوع إزاء ما جرى على حدودنا الشمالية الشرقية من عدوان سافروقح وبلطجة مدللة ومنتعلة لكل القيم الإنسانية والمبادئ والأعراف الدولية فبأي وجه سنواجه أولئك البسطاء الذين إختاروا من توسموا في عيونهم شعاع الأمل وفي تصريحاتهم الإنتخابية القوة والعزيمة والوعود بتحقيق الأمن والإستقرار والرخاء وحمايتهم وحماية أرضهم ومكتسباتهم الطريَّة الفجَّة التي لمّا تنضج بعدُ .
الأرض كالعرض تماماً وإعطاء الضوء الأخضر لجيوش أجنبية غازية بتدنيسها وتعيث فيها كما تشاء وتشتهي تمكين وتأييد على إغتصابها , وإغتصاب الأرض هو إغتصاب للعِرضولا فرق بينهما من الناحية الأدبية والمعنوية . فكيف ترضون بهذا السكوت المطبق الذي رانَ عليكم فجأة بعد العدوان دون أن تنبسوا ببنت شفة من إحتجاج ولوعلى سبيل صوري وتمثيلي كي تثبتوا لشعوبكم والعالم بان هناك إعتداء سافر وبلطجة وقحة على حدودنا الشمالية الشرقية بحجة مطاردة المتمردين والإرهابيين , في الوقت الذي ليس من إرهابي أو مُعتدِ غيرهم , لأنهم غاصبون لحقوق غيرهم في الحرية والحياة كما يشاؤن في وطنهم الذي وُجِدوا عليه منذ الأزل . إن من أبسط الحقوق الإنسانية بل الأوَّليَّة التي قررتها وإعتمدتها المواثيق الدولية , هي , حق تقرير المصير , للشعوب والأمم التي تعيش مع شعوب وأمم تختلف معها في القومية واللغة أوالمُعتَقَد , وهناك أمثلة كثيرة لأقوامَ وشعوب قد نالت إستقلالها عن غيرها من الدول التي كانت تحت سيطرتها بحكم الأغلبية وإنفرادها بزمام السلطة التي تهيمن عليها . ودونما إعتبار للأقلية التي تشاركها حق المواطنة المجردة من الحقوق الأساسية التي ينبغي ان يتمتع بها المواطنون في بلادهم عادة , أقلها حقهم في إستخدام لغتهم القومية في المحادثة والتعليم والمعاملات الرسمية , بالإضافة لحقهم في الإنتخابات وإختيار من يمثلهم في البرلمان والمجالس النيابية وحق التعيين في المناصب العليا والحساسة أسوة بالمواطنين المنتمين للعِرقِ ذات الأغلبية أما الكرد فليسوا سوى جالية أجنبية وأقلية منبوذة , في نظرهم , يجب أن تعزل لتعيش على هامش الحياة , ما داموا راضين بما قُدِّرَ لهم في كنف المواطنين ذات الأغلبية , وماداموا بلا قائدٍ مُحَنَّك يجمع شملهم ويوحد كلمتهم لحمايتهم والدفاع عنهم والمطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية المشروعة أسوة بغيرهم من سائر الشعوب والأمم .
فقد سبق أن مُزِّقَ الجسد الكردي الى خمسة أجزاء بأيدٍ ظالمة وقوىً غاشمة أسكرتها نشوة الإنتصار في أعقاب الحرب العالمية الأولى تَرضيةً لساسة مخادعين ومحتالين عملاء أرادوا تغطية هزيمتهم المنكرة وإندحارهم المخزي تحت سياط وأحذية القوات الحليفة وذلك بالبحث عن مكاسبَ إقليمية على حساب الغير من “وُلدِ الخايبة” , حيث تحرك القائد والزعيم التركي آنذاك مصطفى كمال أتاتورك وحركته الكمالية وإستطاع بحيله الدبلوماسية ودهائه السياسي إقناع الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا العظمى وفرنسا بتمييع معاهدة سيفروتجميد مقرراته بما فيها تأسيس دولة كردية على غرار أرمينيا وإلقاء المعاهدة المذكورة في سلة المهملات لمجرد غمط الحق الكردي خشية أن يكون لهم كيان مستقل على غِرارالأرمن والدول التي إنتُزِعَت من الدولة العثمانية ووضعت تحت الحماية أو الوصاية البريطانية والفرنسية لحين نالت إستقلالها فيما بعد .
في الوقت الذي حظيت فيه تركيا الكمالية بحصة الأسد من الغنيمة الكردية , وأقل منها لإيران ثم العراق وسوريا فالإتحاد السوفييتي .الأمر الذي أدى إلى خلق أوضاع غير طبيعية وزرع بذور عدم الإستقرار في المنطقة والصراع المستمر بين الحق و الباطل , بين أمة عريقة على أرضها وأصيلة في وطنها منذ فجر التاريخ ولم تحتلها غازية أو آتية إليها مهاجرة من بلاد نائية وغريبة عن أقاليمها , أقاليم سومر وميديا والحيثيين والكاشيين والعيلاميين وغيرهم من بلاد الكرد الموغلة في القِدَمْ .
فإذا بالأمم والشعوب التي إستوطنت الأقاليم المتنازع عليها بعد غزوها من قبلهم لسبب أو لآخر تصبح المالكة والمهيمنة الأساس والآمرة الناهية والمتحكِّمة برقاب السكان الأصليين الأصلاء وبمصائرهم , بينما تعتبر الأمم والشعوب التي مزقتها عدالة الدول المنتصرة وحلفائها , مجرد جاليات طارئة يجب أن تعيش على هامش الحياة والمجتمع الدولي , وأن الدفاع عن حقوقهم الإنسانية المشروعة من أية دولة أجنبية يُعَدُّ تدخُّلاً سافراً في الشؤن الداخلية للدولة التي تهيمن على السلطة تحت غطاء الأغلبية وستاره الذي يخفي وراءه الكثير والكثير من الظلم والإضطهاد والإستهتار بكل القيم والمبادئ الإنسانية فضلا عن المبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة والمعاهدات والمواثيق الدولية الأمر الذي أضفى طابع الشرعية على تلك الخروقات اللا إنسانية التي أُسِّست
على مبدأ ( الأمر الواقع ) وإستقرار الأوضاع على ما هي عليه , ( الواقع الذي أصبح عجينة بأيدي الدول العظمى ) وتطبيقاً للقاعدة القانونية : ( يبقى القديم على قِدَمِهِ ) وذلك لمصلحة بعض دول المنطقة ذات النفوذ والحظوة لدى الحلفاء , على حساب أمم وشعوب أخرى مغلوبة على أمرها , لا مُغيثَ لها ولا مدافع عن حقوقها .
فبعد أن تقطَّع جسد الإمبراطورية الإسلامية الى دويلات صغيرة إتَّخذت الطابع القومي العروبي على أساس اللغة السائدة وهي العربية نتج عن ذلك إنصهار العديد من الأقوام غير العربية في بوتقة الأمة العربية متأثرين بالعقيدة الإسلامية الواحدة التي تفرض عليهم أداء فروضهم الدينية ومناسكهم باللغة العربية كأداء الصَّلاة وتلاوة القرآن الكريم وما إلى ذلك .
فقد أصبحنا – مع الإحترام – كمن ينطبق عليهم بيت الشعر التالي :
ما زاد حنون في الإسلام خردلة +++ ولا النصارى لهم شغل بحنون
فلا دولة إسلامية طالبت بحقوقهم , لعدم وجودها أصلاً , ولا أية دولة عربية , لأنهم
(أولاً) ليسوا من العرب أصلاً إذ لم تتخلَّ الغالبية العظمى منهم عن لغتهم الأصلية وهي اللغة الكردية كبقية القوميات والأمم التي إنصهرت في الإمبراطورية الإسلامية
(ثانياً) فإن الجامعة العربية لم تشأ –بعد تأسيسها- تأييد حقوقهم في دولة كردية مستقلة لئلا يؤثِّر ذلك على بعض الدول العربية – وهي أعضاء في الجامعة العربية – خشية ان تُقتطع منها الأجزاء التي تقطنها غالبية كردية
(ثالثاً) ومن باب أولى – وهم أصحاب الحل والعقد- لم تُقدِمْ أيةُ دولة من الدول العظمى بعرض قضيتهم أمام هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن كما سبق وفعلت منغوليا في أواسط القرن الماضي وتم إسكاتهم ووأد المحاولة فوراً في مهدها من قبل الدول ذات المصلحة في بقائهم أشلاء ممزقة بين عدة دول حتى إذا فكروا بالثورة على إحدى تلك الدول الخمسة أعانها الباقون على قمعها بالقوة
ودونما أية شفقة أو رحمة بأنهم أصجاب حق في تقرير مصيرهم كباقي خلق الله ولكن يبدو أن جميع دول العالم بما فيهم بعض القادة الأكراد –مع الأسف- قد إقتنعوا بأن الكرد ليسوا من خلق الله الذين يجب أن يكون لهم كيان سياسي على هذا الكوكب الذي تقاسموه فيما بينهم وبين من سيقع عليه الإختيار من بعض الجاليات المحظوظة التي لا يتجاوز تعدادها بضعة ملايين نسمة او ربما بضعة آلاف مادام لهم من يدافع عن حقوقهم بين الدول العظمى والدول الغنية والمطالبة بها متى ما شاؤا وقديماً قال الشاعر :
ليس الأعاريب عند الله من أحد
والآن وبعد أن حصل العرب على موقع لابأس به على الخارطة العالمية كدول مستقلة عن بعضها إلاّ أنها جميعاً قد إنضمت الى جامعة عربية واحدة أملاً في وحدتها وإتحادها في المستقبل . يحق لنا أن نستعير بيت الشاعر العربي لتحويره الى :
ليس الأكاريد أو الأصح (المكاريد) عند الله من أحد …

إن الإجتياح التُركي للأراضي العراقية بحجة مطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين لاذوا بأشقائهم في الجانب العراقي من إقليم كردستان مقطَِّع الأوصال , عدوان سافرعلى دولة أجنبية مستقلة , وتحَدٍّ وقح لامسؤل للمجتمع الدولي وخرق فاضح لميثاق الأمم المتحدة يدل على مدى الإستهتار بهذا المجتمع وميثاقه والقوى العظمى المسؤلة عن صيانته وإحترام أحكامه والإلتزام بها وعدم الإخلال بها من أي عضو من أعضائها , كما يدل على الوهن الذي إعترى هذه المنظمة فأصبحت لاتعدو أكثر من واجهة وهمية لتمرير وتنفيذ المخططات التي تحقق مصالح الدول العظمى وحلفائها على حساب المبادئ التي تتغنى بها علناً للإستهلاك الدولي , وعلى حساب الشعوب الضعيفة والأمم المغلوبة على أمرها , أمثال الكُرد الذين أشك أن لهم أمثال في هذا العصر, عصر القرن الحادي والعشرين حيث لم تتخلف أية مجموعة متماثلة في الجنس أو العرق أو اللغة أو المعتقد أو حتى الطائفة (المذهب) إلاّ وتمكنت من نيل إستقلالها عن الدول التي لاتنسجم وإياها , وهاهي أخيراًالجالية الألبانية تنفصل عن صربيا (يوغوسلافيا) سابقاً لتؤسس دويلة مستقلة رغم قيام دولة ألبانية مستقلة مجاورة لليونان على البحر الأدرياتيكي .
إن السكوت المطبق والمخزي على هذا الغزو والقصف الوحشي للقرى الكردية الآمنة لايمكن تفسيره إلا بالخيانة , بل الخيانة العظمى التي لاتغتفر سواء من العرب أو الأكراد , ذلك أن إقليم كردستان مازال جزءاً عزيزاً من العراق , والعراق وطن مشترك بين العرب والأكراد وبقية القوميات المتآخية فيه .
إنها خيانة عظمى لن يغفرها الشعب العراقي ألأبي , ولا الأجيال القادمة ولسوف يسجلها عليكم التاريخ , يا خيال المآتة …

فؤاد جواد