الرئيسية » مقالات » في عامها التاسع والثلاثين: مرحى للجبهة الديمقراطية على درب الوحدة الوطنية

في عامها التاسع والثلاثين: مرحى للجبهة الديمقراطية على درب الوحدة الوطنية

كاتب واكاديمي – جامعة الازهر – غزة

الثاني والعشرون من فبراير، علامة مضيئة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني. إنه اليوم الذي شهد انطلاق حركة ثورية نوعية وواعية إلى حركة النضال الفلسطيني المعمد بدماء الشهداء وعذابات الأسرى وأنات الجرحى، والمعمد أيضاً بالكلمة الحرة والثقافة المقاومة والجهد السياسي الواعي.
الثاني والعشرون من فبراير هو تاريخ أضيف فيه نَفِسٌ وطني مقاوم لا يؤمن بالعدمية أو الانغلاق على سبيل واحد، بل هو مفتوح ومنفتح على أفق نضالي متعدد الوجوه والمسارب والآليات والوسائل. الثاني والعشرون من فبراير هو اليوم الذي انطلقت فيه الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. إنه اليوم الذي طوى حتى اليوم تسعة وثلاثين عاماً من عطاء متصل ونضال لم يتوقف. إنه اليوم الذي شهد – قبل تسعة وثلاثين عاماً – انطلاقة ظلت في مراكمة مستمرة لجهد نضالي نوعي يؤمن بأن تحرير فلسطين هو الهدف الأسمى الذي لا محيص عن السير في سبيله رغم طول دربه ووعورة مسالكه.
في مسيرتها النضالية عبر تسعة وثلاثين عاماً، انتهجت الجبهة الديمقراطية نهجاً نضالياً ديمقراطياً قوامه التأمل والتأني، فأنتجت من خلاله إرثاً يعد مدرسة تقدمية في الفكر النضالي الديمقراطي الوحدوي البعيد عن الغوغائية من جهة، وعن المثالية من جهة ثانية، وعن الانغلاق والعدمية من جهة أخرى. فالثورة من أجل التحرر والتحرير عند الجبهة الديمقراطية لا تعني التحرك الهائج نحو الهدف، انطلاقاً من غوغائية أو عدمية أو مثالية لا تجد لها في الواقع ترجمة أو رسماً، بل هو تحرك ثوري واع ومحسوب لحساب هدف محسوب، الأمر الذي يفسر توجه الجبهة الديمقراطية، دائماً، نحو طرح شعارات ليس تطبيقها درباً من المحال. وفي هذا السياق، يحسب للجبهة الديمقراطية حَسَنَةُ عدم توجهها نحو المغالاة أو المبالغة في صياغة شعارات كبيرة لا تتماشى مع الواقع ولا يستوعبها الزمن.
لقد كان للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين شرف المشاركة في بذل الجهد في وضع القضية الفلسطينية في مصاف ثورات التحرر العالمية المعاصرة. لقد كان نضالها رائداً وواعياً وثابتاً وراسخاً وجسوراً في كل ما اتصل بالحقوق الفلسطينية الثابتة وغير القابلة للتصرف، وهي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والقدس عاصمتها، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هجروا بالقوة عنها.
وطنياً، ظلت الجبهة الديمقراطية في حال انصهار متصل وواع بمنظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الحاضنة للنضال الوطني الفلسطيني، والمؤسسة المعبرة عن آماله وطموحاته، والممثلة لأهدافه الوطنية وغاياته القومية. لقد كان إيمان الجبهة الديمقراطية – وما يزال – إيماناً ثابتاً مكيناً بضرورة العمل على توحيد الإمكانيات والطاقات الفلسطينية داخل بوتقة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وذلك لإدراكها اليقيني الراسخ بأن بلوغ شعبنا الفلسطيني أهدافه الوطنية الكبرى مرهون، دوماً، بوحدته وتوحيد أهداف نضاله ووسائله وآلياته، ومرهون، أيضاً، بقدرته على إنتاج برنامج سياسي وطني ذي أهداف وآليات عمل واقعية وواضحة في سياق دعم شعبي وزخم جماهيري.
لقد بلغ إيمان الجبهة الديمقراطية بالإجماع الوطني أو التوافق الوطني، على أقل تقدير، مبلغاً تعذر معه أن يسجل التاريخ الوطني الفلسطيني عليها أي خروج أو أي انحراف عن السياق الوطني، إنْ بشكله الجماعي أو التوافقي، حيث ظلت دوماً مدافعاً عنيداً عنه، وساعياً مثابراً لتقويته وتدعيمه وتوسيع دائرته، بغية خلق وإبداع قوة دفع جماهيري له.
إن من أبرز علامات النضال الوطني الذي شرفت به الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين هو تبنيها لفكرة إقامة دولة فلسطين على أي بقعة من أرض فلسطين يتم تحريرها، ودعوتها إلى إعادة النظر في البرنامج النضالي عبر طرح برنامج لمنظمة التحرير الفلسطينية يقوم على نهج يدمج بين الخطين – الاستراتيجي والتكتيكي – والذي عبرت عنه فيما اصطلح على تسميته “برنامج النقاط العشر” الذي شكل أساساً للبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي اعتمده المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التي انعقدت عام 1974 في القاهرة، والذي استطاع أن يحقق على المستوى الدولي جذباً لتعاطف دول العالم مع القضية الفلسطينية والنضال الوطني لأبنائها، وعلى المستوى العربي اعترافاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاُ شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، الأمر الذي صوب وصف القضية الفلسطينية التي ظلت قضية لاجئين ومشردين يعيشون على بطاقات التموين، فصارت قضية شعب يسعى إلى التحرر الوطني والعودة إلى دياره التي شرد منها بقوة البطش الإسرائيلي عام 1948. هذا، وقد كانت الأمم المتحدة قد أصدرت اعترافها الشهير بفلسطين عضواً مراقباً في الأمم المتحدة، وأن قضية فلسطين هي قضية من قضايا التحرر الوطني، وأن شعب فلسطين هو شعب واقع تحت الاحتلال، وقد تلا ذلك، وبناء على دعوة من المنظمة الأممية، قيام الرئيس ياسر عرفات بإلقاء خطابه الشهير في الأمم المتحدة، حاملاً غصن الزيتون في يد والبندقية في اليد الأخرى.
يضاف إلى العلامات البارزة في مسيرة النضال الجبهوي الديمقراطي، المشاركة في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة من حيث الفكرة والتشكيل والنشأة على المستوى السياسي والعسكري والإعلامي والشعبي.
إن من أكثر الأدوار الوطنية بروزاً للجبهة الديمقراطية في المرحلة الحالية هو سعيها المتصل للم الشمل الفلسطيني وإنهاء حالة الانقسام الحالي الناشئ في الرابع عشر من يونيه من العام الماضي، غير أن أكثر ما شد الجماهير الفلسطينية، في الأيام الأخيرة، هو موقف الجبهة الديمقراطية من أزمة معبر رفح، لاسيما رفضها الواضح والصريح للتواجد الإسرائيلي فيه، انطلاقاً من إيمانها الراسخ أن معبر رفح هو معبر فلسطيني مصري تقف عليه وتحرسه وتحميه سيادة فلسطينية وسيادة مصرية.
هذا، وربما لا يستطيع أي أحد – مهما كان مكابراً – أن ينسى أو أن يتناسى القيمة الكبرى لما أنتجته وتنتجه الجبهة الديمقراطية من إرث سياسي وثقافي ضخم عبرت وما تزال تعبر عنه مئات النشرات والإصدارات والمطبوعات والكتب والتقارير والمجلدات.
في مثل هذا اليوم الذي يكتمل فيه 39 عاماً من النضال الوطني لا يملك كل وطني إلا أن يرفع القبعة احتراماً وإجلالاً للنضال الوطني الفلسطيني الذي شرفت به واضطلعت بقيادته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
أما آخر الكلام، ففي ظل ما نعانيه من انقسام نراه آخذاً في التوسع لحصد وتخريب كل ما أنجزناه، ليتنا نشعر بمدى الحاجة الوطنية الكبيرة إلى استدراك الكثير مما صدر عن الجبهة الديمقراطية من أفكار وأقوال، وإلى التوقف عند الكثير مما اتخذته من مواقف وطنية وأتت عليه من أفعال.