الرئيسية » مقالات » حتى لا تتشوه المرأة أكثر ( من وحي عيد المرأة )

حتى لا تتشوه المرأة أكثر ( من وحي عيد المرأة )

عندما تكون المرأة مضطهدة لا يمكن للرجل أن يكون حرا ، عندما تكون المرأة أمية لا يمكن للرجل أن يكون متعلما ، و عندما تكون المرأة مظلومة فيجب أن يكون الرجل ظالما ، وعندها لا يمكن أن نتحدث عن وعي اجتماعي أو مجتمع سليم و معافى أو كردستان حرة ، ولا حتى عن إنسان سليم و حر، لأن المجتمع يتألف من الرجل و المرأة و علاقاتهما .
إن التاريخ الكردي تعرض لكثير من الإهمال و التشويه ، وحظيت المرأة فيه بالنصيب الأكبر ، و رغم قلة المصادر التاريخية التي تتحدث عن أوضاع المرأة الكردية ، ولكن و بالاعتماد على التراث الشفاهي الكردي و ما ورد في الشعر الكردي و القصص و الملاحم الكردية ، وغيرها من المصادر نجد أن المرأة كانت تتمتع بمكانة رفيعة في المجتمع الكردي ، عكس بعض المجتمعات الأخرى ، و الشيء الثابت هو أنها كانت تعمل أكثر مما تعمل في البيت من تربية للأطفال ، و احتطاب ، و جمع الماء ، و خياطة للثياب ، و نسج و حياكة .
فإذا ما نشبت الحرب خرجت لتشجع و تشارك الرجال ، و تضمد الجرحى و ترعاهم ، و تزود المقاتلين بالماء و الزاد ، في الوقت الذي كانت فيها توأد و توارى التراب و هي حية عند غيرهم ، ومن الثابت أيضا أنها كانت آلهة مثل ( تغليل زوجة آله أنليل آله الكاشين ) و ( عشتار آلهة الخصب و الجمال) و ( زيوس آلهة المعرفة و الحكمة و الأمومة و الحب ) و أصبحت ملكة ساست مملكتها بحكمة ك ( أنا هيتا ملكة الميدين ) و ( صبرتيم زوجة الملك أكوم كاكريمي ملك الكاشين عام 1602ق- م ) و (كيلونيبا ابنة الملك الميتاني شوترنا ) و ( تاتوهيبا الأميرة الميدية ) .
كما كانت شاعرة ك ( عائشة التيمورية ) و( آسيا وهبي ) و (عادلة خانم الجاف في حلبجة ) ، و تاجرة ، و كاهنة ، ولقد استطاعت المرأة أن تثبت نفسها و جدارتها في أكثر المواقع النضالية ، فكانت مقاتلة جديرة بلقب الشهادة مثل ( ليلى قاسم ) ، و برلمانية جريئة ك ( ليلى زانا ) ، و كانت هي من تحافظ على شرف البيت ، فهي الأم و الأخت و الزوجة و البنت و هي أكثر من ذلك قياسا على الجانب الروحي في الإنسان .
ومع تحول المجتمع الى مجتمع ألذكوري و استهلاكي ، و المرأة مستهلكة أكثر من كونها منتجة في مجتمع قائم على قوة البدنية ، ومع دخول عادات و قيم المجتمعات الأخرى الى المجتمع الكردي ، ومع تمازج الشعوب مع بعضها نتيجة العلاقات التجارية والحروب ، تغيرت قيم المرأة الكردية بتسلل قيم تلك المجتمعات أليها .
ومع بدأ تحول المجتمع الى الأبوة بعد ما كانت قائمة على عقيدة الأمومة ، (أي أن السيادة و السلطة أصبحت للرجل على المرأة ) ، تحولت المرأة الى أحدى مخلوقات الرجل فهو يخلقها من رأسه كما عند زيوس ، أو يخلقه من أحد ضلوعه كما روي عند أدم ، وفي كلا الحالتين المرأة تحولت الى أحد ممتلكات الرجل له الحق في عمل يريد بها .
فأصبحت تحرم من مهرها من قبل الرجل ، ومن رأيها في اختيار الزوج ، ومن حق الإرث بحجة أنها غير قادرة على حمايته و الدفاع عنه ، و تحولت المرأة الى متاع تباع و تشترى ، و فرض عليها الحجاب كونها اتهاما لهذا الرأس المدنس الذي أستطاع أن يقنع آدم بأكل تفاحة الجنة في الوقت الذي لم يستطع الشر أقناع الرجل بذلك ، أو دليل لملكية الرجل للمرأة ، و تعدى الأمر ذلك الى الحبس ، و الحجر ، و الذل ، أو الى وسيلة من وسائل الربح في الصفقات التجارية و المؤسسات الاقتصادية مهمتها إشباع رغبات السيد الخالق الذي منح الحياة لها و يرى إن من حقه عليها أن تحرمها منها أذا ما أراد .
فعندما يصل الأمر الى هذا القدر من العبثية و التسلط ، يجب علينا أن نبحث عن المخرج لأنفسنا من دوائر التخلف هذه التي تغلفنا جميعا الرجل كما المرأة و بالتالي المجتمع ككل ، علينا أن نسعى قبل كل شيء الى أعادة بناء المجتمع الكردي على أسس من العدالة الاجتماعية و التحرر من قيم و موروثات التخلف و بناء قيم العدالة و المساواة ، علينا أن نعمل على بناء وطننا الاجتماعي السليم قبل السعي أو على الأقل بالترافق مع سعي لبناء وطن سياسي حر ، لأنه لا يمكن أن يكون هناك وطن حر دون مجتمع حر.
إن المرأة في وطننا انتهكت كرامتها الإنسانية و تحولت الى أداة في طموح الرجل المجنونة ، وكثيرا على أيدي من يدعون الى تحرير هذا الوطن وبنائه ، وهي مسلوبة الإرادة ألا من تنفيذ الأوامر وإعلان الطاعة صباح مساء و البرهان للخالق الرجل على نقائها و عفتها ، و الرجل هو المستبد ضمن منظومة من العلاقات القبلية و الرأسمالية التي تعطي القوة و الحق للمالك .
أن سعي المرأة في الحصول على اعتراف من المجتمع بحقوقها ، و تمتعها بشخصيتها المستقلة عن الرجل ، و نضالها الى بلوغ العدالة الاجتماعية في الحياة مع الرجل ، فرض عليها الدخول في مواجهة مع العديد من الموانع الاجتماعية ، و الاقتصادية ، و التاريخية ، والأخلاقية ، و حتى النفسية .
على المرأة أن تخوض حربا ضد القيم و العادات الاجتماعية التي خلفتها الماضي البعيد ، والتي تعتبر من موروثات المجتمع البدائي ألذكوري ، عندما انتقلت قيادة المجتمع الى الرجل بعدما كان تابعا للمرأة كونها كانت أكثر منه معرفة ، و جاءت القوانين السماوية لتأكد هذه الريادية للرجل ، وحصرت دور المرأة خلف جدران البيت من تربية للأولاد ، الى خدمة الرجل ، و تأمين الراحة له ، وأعمال المنزلية الأخرى .
وتحولت هذه القيود الى قوانين سماوية ، وأعراف و قيم اجتماعية لا يجوز اختراقها أو المس بها ، ورغم أن المرأة استطاعت أن تسجل بعض الانتصارات من حيث اعتراف القوانين بمساواتها بالرجل في الكثير من النواحي ، ألا أن ذلك بقيت في نطاق ضيق و لم تعمم في الحياة الواقعية فما زالت أمامها أن تنتصر في انتزاع حقوقها بنفسها لا أن تنتظر و تبحث عن آخر يعطيها حقوقها .

إن من أبرز ما يواجه المرأة في الحصول على ما تريد ، هو نظرة المرأة الى هذا الحق فهي ما تزال تنظر إليه على اعتباره منحة من الرجل إليها ، أو أن الرجل هو الذي يجب أن يبادر الى أعطائها حقوقها دون أن تدرك بأن الرجل يعتبر هذه الحقوق استحقاقا له على المرأة لا يجب التخلي عنه فقط ، بل يسعى الى توسيعه و تأكيده كل يوم بممارسته على المرأة ، ومن خلال العنف الذي يفرغه عليها انتقاما من المجتمع أو تعويضا عن العنف الذي يمارس عليه هو في العمل أو من قبل السلطة .
إن أساس نيل المرأة حقوقها و تحقيق العدالة الاجتماعية ، تكمن في تحررها الاقتصادي و الفكري من كائن مستهلك الى إنسانة منتجة ، فبمقدار تحولها تلك تتحرر من سطوة الرجل و تصبح لها كيانها الخاص و المستقل و بالتالي تتكون شخصيتها و تتعزز مكانتها في المجتمع .