الرئيسية » مقالات » العـائم 6

العـائم 6

كثيرة هي المآسي وأكثر هي الخسائر …. ولكن الخسارة الأكبر هي التي تكمن في الزمن الذي أضاعـوه وهم في بطون وخفايا السجون المختلفة في طول البلاد وعرضها ، بل الخسائر مستمرة في الوطن ذلك السجن الأكبر . يشعر الكثيرون بأن الخوف من الخوف بحد ذاته يأكل قلوبهم ولا يتمتع بالحرية والأمان إلا من هـم من كلاب السلطة إن الناس يخافون كل شيئ ، والرعب يدخل قلوبهم من كل أدوات السلطة المنتشرة و المحيطة بهم ، حيث غدا الدم عنواناً لأغلب السلطات التي كشفت عن أنيابها وأعلنت عدائها لكل ما هو وطني أو مخالف لها في الرأي ، لقد أدخلوا الرعب في القلوب ووصل الى العظام . سحقوا الأفواه المعارضة ، والحالمون من المطالبون بالحرية … كيف لا وقد هتكت كل القيم النبيلة . كثيراً من الحقائق وأسئلة في أنتظار من سيجيب عليها …. لا مجيب …. ولا مغـيث أو مسعف، فالجميع يحاولون أبعاد النارعـن كهوفهم الفارغة إلا من الفراغ ؟ يحكى عن جـحا أنهُ عنـدما حاول بعض الشبان إغاظته أوقـفـوه في الطريق قـائـلـين
– السلام عليك يا جحا ….
+ السلام ورحمة الله … ما وراؤكم أيها الصبية ؟
– لقد سمعنا بأن الفساد منتشراً بكثرة في بلدك هذة الأيام !!!
فرد عليهم جحا بلياقته المعهودة بأن ذاك لا يعنيه … ورحل مبتعداً عنهم . وفي اليوم التالي عاوده الأولاد
يا جحا … ياجحا يقولون إن الفساد قد وصل الى منطـقة سـكـّناك فهلا تفعل شيئا للحد منه أو إيقافه ؟
– أبتعدوا عني فذاك لا يعنيني ….
أصر الأولاد على إغاظته …. فقرروا ملاحقته وأعادة الكرّة بسؤال
– لقد سمعنا يا جحا أن الفساد دخل بيتك … فما رأيك ؟
فكان رد جحا الممتلئ غيظاً وغضباً وعيناه تقدحان شرراً
– أبتعدوا أولاد الـ ….. ما دام الفساد بعيداً عن حجري فلا يعنيني الأمر ُ شيئاً …. وسار في الطريق إلى مبتغاه .
هكذا كان السجناء يتناولون الحوارات ؛ الجادة تارة والطريفة تارة أخرى في فترات الراحة أو عند الغياب المؤقت لهجمات الجلادين عليهم .

جلسوا على شكل حلقة مستديرة يستمعون لذاك الرجل ذي العينين الهادئتين وهو يقول ( إنه ُ في الحقيقة لا يكفي المرء أن يكون مجرد نصير للحرية ويكره الأستعمار والأستغلال ؛ عليه أن يكون وطنياً حقاً متسلحاً بالفكرالأنساني وان ينضم إلى حركة سياسية تقدمية همها مصالح الشعب … تستطيع أن تصحح مساره وتتماثل مع الأكثرية الكادحة وتضيف ألية الديناميكية… وينبغي لكل منا أن يعرف كيف يجد في فترة ما الحلقة الخاصة من السلسلة التي يجب عليه أن يتمسك بها بكل قوة ، وذلك من أجل عدم إضاعة السلسلة كلها ومن ثم التهيؤ والتحضير للأنتقال الى الحلقة التالية من السلسلة عينها . فعلينا التحضير تحضيراً متيناً … رغم أن توالي الحلقات وشكلها وترابطها والخصائص التي تمثل بعضها البعض ليست بدائية ولا بسيطة في سلسلة من الأحداث التأريخية المارة عبر عشرات القرون بل مئات السنين من الأحداث الجسام والكبار والتي كان لها الدورالفاعل في إحداث التغيرالحقيقي في خارطة الأفعال الحياتية للعالم الحديث ، وأن خصائص هذة المرحلة بالذات مختلفة تماماً عن الخصائص التي مرت عليها في المرحلة الماضية …. ولكن في الوقت ذاته لها ظروفها الموضوعية والذاتية المشابهة بالذات الظروف التأريخية التي مرت بالأزمنة السابقة… بالضبط كما في سلسلة عادية خرجت للتو من تحت يد الحداد …!
الأنسان لا يكون قوياً ألا بالحقيقية…. ! تذكرأحدهم تلك الكلمات أيام كان حراً وطليقا في سالف الزمان . ثم أضاف قائلاً ” إعـلـموا أن الناس لا يرحمون الآن ، وأن المظاهر هي التي بدأت تلعب دوراً فـعـلياً في تحديد العلاقات ؛ البعض قـد يصدق كل من هو ثنائي الجانب والوجه أوالأنـتهـازي …. و أحيانـاً كثيرة يصدقـون الوصولي والـمنافـق …. وحسب رأيي أن هذا واقع وصحيح والأيام أثبتت أن الظروف هي التي تتحكم في الواقع ؛ وتحت تأثيرها يقع إنسان العصر الحالي …. أنهُ في الواقع هكذا يتصرف الكثيرون في حياتهن ، من أجل الوصول ألى مآربهم ولو كان على حساب رقاب الآخرين وأجساد بعضهم …! ليس مهماً أن يصلوا بشرف أو بدونه ….. المهم أن يستمروا كما فعل ذلك السمسار عندما سؤل عن كيفية جمعه لأمواله الطائلة ، فأجاب
– لا تسألوني عن المليون الأول ، ولكنني أبيح لنفسي التصريح عن المليون الثاني والثالث .
الكثيرون صدقوه وشاركه أفكاره والحالة الأزدواجية المبهمة التي يحاربها الكثار من الوطنيين والثوريين أنها حالة الأنفصام الشخصي لديهم عندما يـدّعون شيئا ويمارسون أشياء أخرى . انسحب كل واحد الى زاوية وحشر فيها نفسه ، بعد أن مـرّ حراس السجن وهم يصرخون ويتوعـّدون ويشتمون السجناء بأقبح الكلمات …. راح بعض من السجناء يدمدم مع نفسه وينسحب ، وآلاخر أنصرف الى أعماق ذاته وروحة مفكراً بالأيام الماضية ومستعيداً بعضاً من الذكريات …..
– هـم كانوا يصدقونك حتى وأنت في حالة الكذب …!!! والحيرة هي في ذات الأنسان ، صاحب القيم العظيمة والمعاني الكبيرة للحياة …. كيف يستطيع أن يقسو على نفسه وعلى روحه وبالتالي على ذاته… من الأفضل جعلها سـلماً لهم وهـم يحبونك أو ربما تبقى كما أنت فهم في حاجة لك …. آه منك ومن روحك المعذبة ، كم أنت مهم عندهم ، ولكن هل أن مظهرك يدل على جوهرك ،، لم لا تكن صادقاً …. وأبحث عن الذات المناسبة لجوهرك الحقيقي فأن مظهرك كاذب الأن …!!!
هكذا جبلوا إذا ً …. حتى العشاق أمسوا غير صادقين ، أ لكـّون الخيرفي جانبهم ، لا إنهُ يتغاضى عن الحقيقه ولا يرغب المواجه ، فـمن ذا الذي يـشّمر عن ساعدهُ ويواجه ذاته الثكلى بالحقيقة ؟

إنهم خائفون من الأشياء كلها وأية أشياء هي ؟ الخوف يقلق مضاجعهم ……. آه من الخوف …… خيوط العنكبوت ليست متماسكة لهذا الحـدّ … لأنهم خائفون مرتعبون من فقدان مصالحهم … ولكن رغم ذلك كله تعكس المرآة حقيقتهم و حينها تقف ذواتهم بوجوههم الساقطة عنها مياه الحياء وأقنعة الأنسانية لكنه رغم ذلك يواجه مصيره بكل صدق وبالضد عنهم يحدد لهم مسلكـهم وينتصب قائلا
– عودوا أيها المغفلين …. عودوا إلى أنفسكم ….. إلى داخل ذواتكم … إلى أعـماق أرواحكم …. إلى حيث كنتم ، كونوا صادقين صدوقين صبورين مع نفسكم ..لا تصبحوا عملة ذات وجهين .. لا تفرغـوا رصيدكم لدى مجتمعكم وعند مريديكم ، كثيرة هي اللاءات الرافضة ولكن هل توقفكم .
عليكم أن تحرصوا وأن تصونوا نقاءكم كطيبة تراب وطنكم المعطاء ؛ عالجوا أمور الحياة والناس من أوجهها العديدة … وأنظروا إلى ذواتكم وأنفسكم …. أنقذوا أرواحكم من المنزلقات والمسالك الملتويه منها والمتعرجة الجالبة العار والخذلان لا غير …. كونوا أنتم كما نعرفـكم …. عودوا إلى حيث كنتم فـلم يـبق تحت أقدامكم سوى رمالٍ متحركة ؛ لا تبخلوا على أنفسكم بالشجاعة والـفروسية ؛ ففي الحقيقة تكمن وتتجلى كل أسلحة الأنتصار المنتظر … فهي الأمضى والأعم على الدوام . لا تراجع إلى الخلف ؛ لا تسلموا أنفسكم ولا أوطانكم …. أعيدوا إلى الذاكرة إرث معلميكم والأجداد الأولين ووصاياهم ؛ لا تتراجعوا إلى الخلف … كونوا مثلهم فقـد خطوا إلى أمام بخطوات خلدتهم …. ثمة تراجع إلى الخلف …. ثمة خطوات إلى الوراء .. و ثمة …. تقهقر …. تقهقر …. تقهقر وحياد عن الطريق .