الرئيسية » مقالات » كربلائيات 6 التدهور في التعليم والمؤسسات التعليمية

كربلائيات 6 التدهور في التعليم والمؤسسات التعليمية

أهتمام الدولة بالتعليم ورفع مستوى طلبتها التعليمي، أحد أهتمامات الدول التي تنشد التقدم العلمي لتحسين ظروف شعوبها. وعانى طلبتنا منذ تسلم الطاغية صدام حسين مقاليد السلطة تدهورا مريعا في التعليم. الحروب العبثية التي خاضها النظام المقبور جعلت جل أهتمام الدولة البعثفاشية التركيز على تطوير المؤسسة العسكرية وتصنيع الأسلحة المدمرة والمحرمة دوليا، وخصص لها ميزانية هائلة على حساب المؤسسات الأخرى المدنية. وأنعكس هذا التدهور بشكل مريع في المؤسسات التعليمية، بدء من حضانات الأطفال فالمدارس الأبتدائية والثانوية والمعاهد والجامعات. وكان للحصار الأقتصادي دوره المكمل لتدهور التعليم. فالمدارس كانت تعاني من نقص في الكتب والدفاتر وحتى الأقلام وكانت تعاني من نقص وحتى أنعدام الرحلات والكراسي، وكنّا نرى كيف كان الطلبة يجلسون في الشتاء البارد على الأرض، وزجاج شبابيك الصف مهشمة والريح تصفر في الصف. المعلمون أسوة بجميع قطاعات الشعب كانوا يعانون من تدهور حياتهم المعيشية بسبب إنخفاض أجورهم الشهرية. المدرس الذي أنهى دراسته الجامعية وخدم في التعليم أكثر من عقدين لاتتجاوز أجوره (راتبه) الشهرية ثمن 2 كيلو دجاج في أحسن ألأحوال! هذا الوضع دفع بالكثير من المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعة في البحث عن طرق شرعية وغير شرعية لتحسين وضعهم المعاشي وكان يتم ذلك على حساب قدراتهم الذهنية والفيزيائية والنفسية. البعض منهم (بما فيهم أساتذة الجامعة) مارس أعمالا حرة بعد الأنتهاء من عمله، كسائق تاكسي أوبائع او العمل في مكاتب أهلية. وآخرون وهم كثر أعتمدوا أسلوباً لا تربوياً من خلال الضغط دراسيا على طلبتهم لأجبارهم على الأستعانة بالدروس الخصوصية لدى نفس مدرسيهم لأستغلال عوائلهم مادياً، وإلا مصير أبنائهم أعادة السنة الدراسية. وفي المدارس الأبتدائية أعتاد الطلبة وعوائلهم على الأستجابة لطلبات معلميهم، كأن يطلب المعلم أو المعلمة من طلبته بعض الملابس أو جمع مبالغ لتزجيج الشبابيك وتصليحها، أوتجديد صورة الطاغية. وحدثني أحدهم، وهو ضعيف الحال، كيف أنه بعث مع أبنته في الأبتدائية زوجا من الجواريب لمعلمتها، فأعترضت المعلمة وأهانة تلميذتها على هذه الهدية البسيطة وطالبتها بتنورة! . كل هذا كان يضيف أحمالا وعبئا أضافيا على حياة العائلة العراقية وهي التي تعاني من تدهور مستواها المعاشي مما تجبرها الأوضاع الى سحب أبنائها من المدارس والزج بهم في أعمال قاسية من أجل المساهمة ولو بقسم بسيط في حياة العائلة المعيشية. وكل هذه الأمور كانت تحدث علناً بل أن الطاغية الذي كان يبذر أموال العراق ويوزع كوبونات النفط على المرتزقة من عرب وأجانب، طالب في أحد خطاباته أبناء الشعب للوقوف الى جانب المعلم في مساعدته مادياً!
لا أريد أن أعدد وأستعرض تفاصيل الحياة التعليمية في ظل النظام البعثفاشي فقد تناول هذا الموضوع الكثيرون. وأنما اريد أن أثبت حقيقة مرّة وهي أن هذه الأوضاع والتي ذكرتها بأختصار أدت الى تدهور المستوى التعليمي على كل المستويات.
بعد السقوط تأملنا خيراً في أن تقوم وزارات التربية والتعليم في تصحيح المسيرة التعليمية وتجاوز السلبيات. ولا أنفي هنا الجهود البسيطة التي بذلت في ترميم المدارس وتأثيثها وتحسين الظروف ولكن تبق هذه الجهود لاتتناسب مع أمكانيات العراق المالية ولا مع التدهور الذي ورثناه من النظام الصدامي. فوزارة التربية لعام 2007 لم تصرف أكثر من 20% من الميزانية المخصصة لها! وأستنتج من هذا أن مشكلة تطوير وأصلاح التعليم في العراق ليست أسبابها مالية، فالأموال متوفرة، لكن السبب يكمن في عدم كفاءة الوزارة ومؤسساتها في المحافظات وعجزها عن وضع الخطط المدروسة لتطوير وتحسين وأعادة تأهيل المؤسسات التربوية بمناهجها وأبنيتها التحتية. أن أي تطوير جدي ومدروس للمؤسسات التربوية سينعكس إيجابيا على رفع المستوى التعليمي وتحسين ظروف الطلبة والأساتذة والمجتمع ككل. وللأسف أن مجلس نوابنا هو الآخر بسبب تشكيلته الطائفية ومحاباته لوزرائه من نفس الطائفة والكتلة يغض النظر عن محاسبة و معالجة الأهمال والتقصير في الوزارات الفاشلة وفي مقدمتها وزارة التربية.
فرغم الميزانية العالية، فالوزارة بمؤسساتها فضلت تدوير 80% من ميزانيتها وتركت المدارس ينقصها الكهرباء وهي مشكلة عامة ولكن الوزارة بأمكانها أن تجد لها حلولا خاصة بها. وكذلك النقص أو عدم توفر الماء الصالح للشرب أو للغسيل ومايترتب على هذا النقص من أمراض بسبب القذارة في المرافق الصحية، خلافا لمباديء ديننا التي أحسن البعض من المسؤولين المتاجرة بها! كما تفتقد معظم المدارس للخط الهاتفي وأن توفر فهو دائم العطل أو مسروق!. والنقص المستمر في أبنية المدارس وتضخم عدد الطلبة في الصف الواحد، وهذه مشكلة أساسية في التدهور التعليمي، ولايمكن تجاوز هذا التدهور أذا لم توضع خطة مدروسة لتجاوز الأزدواجية أو الثلاثية في الكثير من المدارس. و في معظم مدارسنا الآن نعاني من التضخم في عدد أعضاء الهيئة التدريسية ، فالمدرس عليه من الحصص التدريسية نصف أو حتى أقل من الحصص المخصصة له بسبب كثرة أعضاء الهيئة التدريسية (هذا ما لاحظته في كربلاء وربما في المحافظات الاخرى نفس الشيء) ، ومع هذا نجد التدهور في مستوى التعليم. أليس من حق المواطن أن يتساءل بعد كل هذه النواقص في المدارس لماذا لم تصرف وزارة التربية ومؤسساتها في المحافظات من ميزانيتها المخصصة غير 20%، فهل هي أكتفت بأنجازاتها (الجبارة)؟! وهل التطور في المؤسسات التربوية وصل الى القمة ولم تر ضرورة صرف ماخصص؟! أم أن الوزارة ومؤسساتها في المحافظات لم تكن لديها دراسات وخطط عن أحتياجاتها وعاجزة عن إستيعاب التخلف في مؤسساتها التربوية منهاجا ونظاما وأبنية؟!
كنت في الوطن على أتصال بالمدرسين من كلا الجنسين، وبعضهم أصدقاء قدماء، وقد لاحظت مدى الضغوط النفسية التي يعانيها المعلم او المدرس. فهو بين الألتزام في أنجاز المنهج الدراسي الواسع للمرحلة المعينة، وكثرة العطل والتعطيلات المحلية (بسبب المناسبات الدينية) في الدراسة التي تؤثر سلبيا على أمكانية أنجاز البرنامج الدراسي. فالمناهج الدراسية لاتتناسب مع عدد الايام الدراسية الفعلية وللأسف أن من وضع هذه المناهج الدراسية لم يأخذ بنظر الأعتبار مستوى الطلبة وأساسهم الدراسي المتدهور الذي ورثناه من النظام المقبور وكثرة التعطل في الدراسة! وانا هنا أشير الى مدينة كربلاء ولا أعتقد تختلف كثيرا عن المدن الأخرى، ففي كل المناسبات الدينية يحدث تعطل في الدراسة على الأقل قبل يومين من المناسبة وأحيانا قبل خمسة أيام كما في عاشوراء، بسبب أنعدام المواصلات لأسباب أمنية! وأصبحت المناسبات الدينية، الزيارات والوفاة والميلاد وغيرها حالة ملازمة للحياة العراقية وكأنما بدونها ستتوقف الحياة، وخاصة في المدن ذات الرموز الدينية الشيعية وطبعا كربلاء والنجف في مقدمتها. وللأسف فأن القيادات الدينية المتخلفة والسيادينة تشجع ذلك وكأنه لاتوجد مهمات أخرى لتطوير حياة المجتمع العراقي ورفع مستواه الثقافي والمعيشي يتناسب وملايارات الدولارات التي تجنى من النفط .
هذه العطل الرسمية وشبه الرسمية، وأنعدام المواصلات قبل وأثناء المناسبات يسبب تعطل العمل في المدارس والدوائر، كل هذه مجتمعة تؤثر تأثيرا سلبيا على أمكانية المدرسين في أنجاز برامجهم الدراسية التي لم تكن أصلا مدروسة دراسة تربوية تعتمد الطرق التربوية العلمية الحديثة. فالبرامج الدراسية مطولة ومحشوة بمعلومات تفصيلية لايستفيد من معظمها الطالب في المراحل الجامعية، فمثلا نظريات الهندسة المستوية في المرحلة المتوسطة، والمثلثات وقوانينها المعقدة في الثانوية، والكيمياء الفيزيائية والعضوية، اضافة لكثرة المعلومات المطلوبة لحفضها في مواد التأريخ والجغرافية والأدب والشعر وغيرها. زد على ذلك الظروف السيئة التي يعيشها الجميع من أنقطاع التيار الكهربائي والماء والغاز وأنعدام الأمن والتدهور في مستوى معيشة العائلة وسط الغلاء الفاحش، كل ذلك يجعل من طلبتنا مشوهين ويعانون من ضغوط نفسية تنعكس على مستوى دراستهم.
أما الأساتذه فبالأضافة لما يعانوه من عجزهم عن أنجاز البرنامج الدراسي للأسباب التي تناولتها، فهم يعانون من مصاعب أخرى تقتضيها بيروقراطية المؤسسة التعليمية ، التي أزداد تخلفها وبيروقراطيتها في العهد الجديد. ففي كربلاء لاحظت أن الأساتذة يجدون صعوبة في طبع أسئلة الأمتحانات، وعليهم تقع مسؤلية القيام بذلك وتحمل تكاليفه، دون أن توفر لهم أدارة المدرسة أو التربية أية وسيلة للطباعة والأستنساخ! أما الدفاتر المخصصة للدرجات والتقارير فالمدرس عليه شرائها من كيسه الخاص! أليس من الأجدر بوزارة التربية أن تصرف جزء من ميزانيتها المدورة على توفير أجهزة الطباعة والأستنساخ مثلا، أو تخصيص تلفون أرضي صالح للأستعمال في جميع مدارس المدينة دون أستثناء. وهل المحافظة والتربية عاجزتان عن التنسيق لتوفير المياه الكافية والصالحة للأستعمال، أو بتزويد المدارس بالطاقة الكهربائية الضرورية بما في ذلك توفير المولدات!
تعود المدرسة (المدرس) للبيت لترتاح من عناء التدريس، ثم تنكب لتصليح دفاتر الأمتحانات والتحضير اليومي على حساب واجباتها العائلية، لكن أنقطاع التيار الكهربائي يحول دون القيام بما يتطلبه الواجب. وهذا الوضع ينطبق على الطلبة، فالطالب مع أنقطاع التيار يجد صعوبة في التحضير لأنجاز مهامه الدراسية، وتزداد صعوبة الطالب مع سوء مستوى العائلة الأقتصادي. فالعوائل الفقيرة غير قادرة على شراء المولدات، واذا ماتوفرت لديها المولدة فالبانزين اللازم لتشغيلها غير متوفر. مع كل هذه الأوضاع كيف يمكن أن ننقل مستوى طلبتنا نقلة نوعية وأن لآ ندع مستوياتهم العلمية تهبط ، فهل درست وزارة التربية هذه الظروف التي يعاني منها الطلبة والأساتذة والعائلة؟. قد لايصدقني البعض أذا أخبرتهم أن هناك طلبة في الخامس علمي غير قادرين على أجراء عملية تقسيم بسيطة بمستوى السادس إبتدائي، وقد أشتكت احدى مدرسات الكيمياء من هذه الحالة أمام مفتش التربية ولاحظ عجز الطالبة في إجراء التقسيم! وزاد الطين بلة سيطرة المليشيات والقوى المتخلفة على زمام معظم المحافظات، بحيث شاعت وأنتشرت حالات سرقة أسئلة الأمتحانات العامة وتوزيعها على المناصرين أو قيام بعض المليشيات على أجبار المراقبين في الأمتحانات لتقديم المساعدة والحلول لبعض الطلبة.
كل هذه الاوضاع أدت الى تدهور المستوى الدراسي لطلبتنا، وللأسف أن المخططين التربويين لم يأخذوا في الحساب سعة البرامج الدراسية وأهميتها ومدى الاستفادة منها فعليا في الدراسة المتقدمة وساعات الدراسة الفعلية، وقدرات الدولة في توفير الظروف المناسبة لطلبتها وأساتذتهم. نأمل أن يتوقف المسؤولون بجدية أمام هذا التدهور في مستوى التعليم، ووضع المعالجات العلمية والتربوية من أجل رفع مستوى التعليم وتخطي المشاكل التي ذكرتها.

السويد/ كربلاء- العباسية الشرقية
2008-03-03