الرئيسية » مقالات » هتافي عصر العولمة!!!

هتافي عصر العولمة!!!

يتكلم الكاتب الشهير (عبد الله القصيمي) بإسهاب عن ظاهرة الصراخ والكلام كونها الأكثر رسوخا وممارسة للعربي على أي شعب أخر في العالم خصوصا في كتابه (العرب ظاهرة صوتيه) يرى ان هذا الوصف حقيقة وطبع راسخ في الوعي والسلوك العربي يمارس من قبل الحاكم والمحكوم والظالم والمظلوم على حد سواء
ويبدو ان هذا الأمر موغلا في القدم في التاريخ العربي ولنا في المعلقات ومابعدها وماقبلها ومهرجان سوق عكاظ وغيرها من المهرجانات الخطابية بمناسبة أو بدونها.
وقد تميز الزعماء والقادة العرب في إلقاء الخطب الرنانة المدوية المثقلة بالوعود والعهود وما إليه من قوائم الأمجاد والانتصارات وقد تدوم هذه الخطابات ساعات والوسط صراخ وردح الهتافة المستأجرة أو المستغفلة المعتادة على التصفيق والنعيق قد يتكرر نفس الصراخ تحت منبر من يطيح به و نقيضه في الحكم وبذلك فان ظاهرة الصراخ تجدد نفسها في الأفراح والأتراح في الهزائم والانتصارات.
شاهد حديثنا ان حد أبنائي عاطلا عن العمل منذ ان أكمل دراسته الجامعية فقد أغلقت بوجهه كل أبواب الوزارات دون أمل الحصول على فرصة عمل في دوائر الدولة بطريقة نظيفة أي بدون ماأصبح يسمى بالتوريق والذي كان يسمى ب (التخرخش) أيام العملة المعدنية حيث كانت تعطى كرشوة لأبو إسماعيل أيام زمان.
ان لولدي عدة زملاء ايضا يعيشون نفس مشكلته .
ولكن قبل أيام اخبرني ان بعض أصدقائه قد وجدوا عملا مريحا ومجزيا فاستبشرت وقلت الحمد للله لقد ظهرت سريعا مردودات إقرار الميزانية المليارية لحكومتنا .وتمنيت للشباب التوفيق في عملهم لخدمة شعبهم ووطنهم من خلال ممارسة اختصاصاتهم ولم تذهب جهودهم سدى.
فبانت على محيى ولدي ضحكة ساخرة لم أعهدها من قبل وهو يقول:-
انك ذهبت بعيدا ياوالدي فان عمل أصدقائي بعيدا كل البعد عن تصورك فان عملهم هتافين لصالح احد القوى السياسية .؟؟
قلت ماذا لاافهم ماتقوله؟؟
فأجاب:- هتافين ياوالدي ومفردها هتاف!!!
أوضح ماذا تعني بهتاف ولصالح من وكيف ؟؟ فلم اسمع بحياتي عن مهنة بهذا العنوان!!!
قال :- ان بعض الأحزاب والقوى السياسية تحتاج إلى من يردد شعاراتها ويمجد رموزها وقادتها في المناسبات المختلفة لكي تتحفز الجماهير وتردد وراءه هتافاته وشعاراته التي يتم تلقينه بها مسبقا وهناك مكافأة للهتاف تبعا لإجادته لدوره وقدرته على تحفيز وتحريك الجماهير وإلهاب حماسها.
علما ان عمله ليس روتينيا أو مكتبيا بل حسب الطلب والحاجة ويكون في أوجه أوقات الانتخابات والمناسبات، ومن يدفع اكثر سيحصل على اكبر عدد من الهتافين الأكفاء المجربين والمتأقلمين مع مختلف المواسم والمراسم ومختلف الحركات والإرادات والزعامات لايهم ان تكون حمراء وخضراء أو سوداء اوصفراء اوعديمة اللون، يمينية أو يساريه، دينية أو علمانية.
وان هناك سماسرة خاصين للقيام بهذه الخدمة لمن يطلبها وقد يكلف بعضهم بالعمل لاستمالة وكسب هتاف جدير محسوب لأحد القوى المنافسة وضمه إلى فريق الهتافين للحزب أو للزعيم والنيل من الرصيد الجماهيري للمنافس ولاعيب من التنقل من عنوان إلى آخر ومن حزب إلى آخر أو من هتاف وشعار إلى مضاده ومعاكسه فلا فرق بين اليعيش واليسقط إلا بما تدره من مال ،وهل هناك عيب ان يبدل الإنسان عمله فمرة نجار ومرة صائغ ومرة سمسار أو ان يبدل ملابسه ؟؟!!!
فأمرته بالسكوت حيث أصابني الغثيان والدوار والقيء وكأني في عالم أخر لااعرف أو لم استطع تصوره.
أين الناس من عقود العشرينات ومابعدها من سنوات الشباب والحماس الوطني والطبقي والقومي حيث كانوا يواجهون هراوات وطلقات رصاص الشرطة وهم يرددون الشعارات والهتافات الوطنية، قد يدفع المرء حياته ثمنا لمثل هذا العمل ، بالإضافة إلى تحمل المطاردة والتعذيب والسجون والنفي والحرمان ومع ذلك فهم يدفعون اشتراكات وتبرعات للحزب والحركة أو للجهة التي ينتمي لها الفرد أو يؤيدها ويتعاطف معها .
إما ان يوظف الإنسان كهتاف وباجر فانه أمر لأغرب من الغريب حيث يبدو ان لأغريب في عصر العولمة الرأسمالية على طريقة الرأسمالية الأمريكية أنهم بحق (قرود العولمة) هؤلاء(هتافي عصر العولمة) ومن شاكلهم!!!
وكأني اسمع عزيز علي منشدا:-

عشنا وشفنا وبعد نشوف
قرينا الممحي والمكشوف
ماظل فد شي مومعروف
عيش وشوف عيش وشوف .