الرئيسية » مقالات » ورقة عمل لمؤتمر جمعية أساتذة الجامعات في فلسطين حول أثر الحصار والاحتلال على العلاقات الفلسطينية الداخلية

ورقة عمل لمؤتمر جمعية أساتذة الجامعات في فلسطين حول أثر الحصار والاحتلال على العلاقات الفلسطينية الداخلية

غزة / رام الله 28/2/2008

بناء النظام السياسي الفلسطيني الديمقراطي التعددي كإطار
لحل التباينات والخلافات الداخلية في ظل الصراع الرئيسي مع الاحتلال

نهاد أبوغوش
عضو اللجنة المركزية
للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

تميزت القضية الفلسطينية منذ نشأتها عند تخوم القرنين؛ نهاية التاسع عشر ومطلع العشرين، بعوامل فريدة جعلت من المواجهة مع المشروع الصهيوني أمراً بالغ التعقيد، فهذا المشروع الاستيطاني الكولونيالي كان مدعوما من أكبر المراكز الإمبريالية، وأكثرها سطوة وتأثيراً على مستوى العالم وليس في منطقتنا فقط، وقد تبلور المشروع الصهيوني وتحددت أهدافه وأوجدت أدوات تحقيقه ( الجيش ومؤسسات الدولة والمجتمع) مع بداية انطلاقته كمشروع ابارتيد كولونيالي، قبل النكبة الكبرى بعقود، وحتى قبل أن تبرز الشخصية الوطنية للشعب الفلسطيني والتي لم تتضح أو تتبلور إلا في مجرى الصراع مع المشروع الصهيوني.
وكان من شروط نجاح هذا الأخير طمس الشخصية الوطنية للشعب الفلسطيني وتبديدها واقتلاع الشعب من أرضه وتشتيته، هذه العوامل جعلت من شروط النضال الفلسطيني أكثر صعوبة، المشروع الصهيوني اقتلاعي اجلائي احلالي، قياساً على سمات أخرى للأبارتيد، المستعمرات التي شهدت استيطانا كولونياليا كثيفا بهذا القدر أو ذاك، كما في حالتيّ الجزائر وجنوب افريقيا .
لدى وقوع النكبة الكبرى في العام 1948 اتخذت القضية الفلسطينية طابعاً نوعيا جديداً، وتحولت من قضية شعب يحاول تقرير مصيره على أرضه والتحرر من المستعمر الأجنبي، وسط مزاحمة غير متكافئة من قبل تجمعات استيطانية منظمة تسعى لطرده من أرضه لتحقيق مشروعها السياسي، إلى قضية شعب غالبيته مشردة خارج أرضه، مشتتة وموزعة داخل وطنها وخارجه في كيانات جغرافية وسياسية متباينة في نظمها السياسية وفي موقفها من حقوقه الوطنية، وهنا ازدادت معادلة المواجهة مع المشروع الصهيوني اختلالاً، وباتت المهمة الأولى والمركزية للقوى والحركات السياسية العاملة في صفوف الشعب الفلسطيني هي استعادة الهوية الوطنية الفلسطينية المبددة، وإعادة توحيد تجمعات الشعب وفئاته المختلفة، ضمن أهداف مشتركة، ومواجهة مخططات التبديد والاقتلاع، وباتت المهمة الرئيسية هي التوحيد المعنوي والسياسي والمادي الكياني لهذا الشعب، وهي مهمة لم تكن سهلة أبداً وسط صراع ضار وتيارات معاكسة تقاطعت فيها مشاريع إسرائيل وسياساتها مع مطامع وأغراض قوى عربية شقيقة، رأت في انبعاث الشخصية الفلسطينية تهديدا لنفوذها أو مصالحها أو حتى سياساتها الداخلية.
وهكذا تطلب أمر تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وانطلاق الثورة المعاصرة أكثر من 15 عاما بعد النكبة، و20 عاما لتكريس المنظمة على الأرض قوة رئيسية تعبر عن الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية، و26 عاما للاعتراف بها ممثلاً شرعياً وحيداً في القمة العربية في الرباط عام 1974، ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا الإنجاز التاريخي المهم المتمثل في إعادة تشكيل الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني والتعبير عن إرادته الوطنية لا زال عرضةً للمخاطر، كلما تعرض المشروع الوطني للانتكاس والصعوبات الداخلية والخارجية.
لقد أوجد الشعب الفلسطيني إذن أداته لتحقيق وانتزاع حقوقه الوطنية وهي نفس الأداة التي تشكل وعاء لوحدته الوطنية، لكن نجاح هذه الأداة في الوصول إلى هذه الأهداف يبقى مرهونا بعدة عوامل وشروط ومن أهمها:
• التحليل العلمي الصحيح لواقع الشعب الفلسطيني: انقساماته الأفقية والعامودية، طبقاته وشرائحه وفئاته الاجتماعية، تجمعاته السكانية، التيارات السياسية والفكرية الفاعلة في صفوفه، الأهداف والمصالح المباشرة لكل فئة من فئاته، التأثيرات التي يخلفها واقع اللجوء والشتات والاغتراب على عدة تجمعات يعيش كل منها واقعاً سياسياً واجتماعياً وقانونياً مختلفاً، وفي نفس الوقت الواقع المتمايز الذي تعيشه فئاته المختلفة على أرض وطنها: القدس، الضفة، القطاع، مناطق 1948، وصولا إلى سؤال كيف نشتق من هذا الواقع المركب والمعقد برنامج قواسم مشتركة يجمع كل هذه الفئات والتجمعات ضمن أهداف عليا موحدة، وبرامج تفصيلية تفرد لكل فئة وتجمع أهدافها الخاصة التي تستجيب لواقعها العيني ومصالحها المباشرة.
• التعريف الواضح لأهداف النضال الفلسطيني الاستراتيجية والمرحلية، وتحديد الحلقة المركزية للنضال في كل مرحلة من المراحل.
• واختيار الأشكال النضالية المناسبة التي تصب في خدمة الأهداف العامة ولا تتعارض معها.
• التحديد الدقيق لموازين القوى في الصراع مع العدو الصهيوني وأثر التغيرات الدولية والإقليمية على هذه التوازنات ( لنلاحظ مثلا أثر انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج وأحداث الحادي عشر من أيلول وتأثيراتها المباشرة على قضيتنا) ومعرفة إمكانيات تعديل هذه الموازين لصالح الشعب الفلسطيني، وتحليل الظواهر والتناقضات الدولية التي هي في تغير مستمر.
• إدراك التشابكات الإقليمية والدولية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكيف تخدم هذه التشابكات مشروعنا الوطني أو تتعارض معه .
• متابعة التطورات والتحولات الجارية داخل المجتمع الاسرائيلي وكيفية توظيف التناقضات لإسرائيلية الداخلية في خدمة مشروعنا الوطني.
وهكذا فإن شرط الانتصار في الصراع هو تحليل الصراع إلى عناصره المكوّنة، وإيجاد القواسم المشتركة الجامعة بين فئات الشعب الواحد، وفي نفس الوقت الإقرار بوجود تباينات وخلافات طبيعية بين القوى الاجتماعية المختلفة، والأهم تحديد موقع هذه الخلافات والتعارضات من التناقض الجوهري مع الاحتلال.
فالشعب الفلسطيني مثل أي شعب آخر، تعتمل في صفوفه ووسط تجمعاته المختلفة تيارات وخلافات شتى، قد ينشأ بعضها عن تضارب المصالح المعيشية اليومية كتلك التي تحكم علاقة العمال بأصحاب العمل، أو تعارضات ذات مدى أبعد كالخلاف حول طبيعة البرنامج السياسي الذي يمكن أن يمثل الحد الأدنى، وهل يمكن لبرنامج كهذا أن يعبر عن مصالح مختلف فئات الشعب، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن يكون موقف اللاجئين المقتلعين من ديارهم ووطنهم تجاه “حق العودة” مماثلا أو مطابقا لبعض فئات البرجوازية الوطنية التي ترى في السيادة على المعابر وحرية الاستيراد والتصدير وإيجاد مناخ استثماري مواتٍ لتطلعاتها همها الأكبر.
إن المتابع لسير الحركة الوطنية الفلسطينية، خلال العقود الماضية لا بد أن يلحظ ثلاثة اتجاهات في تعاطيها، مع موضوع العلاقة بين التعارضات الداخلية والتناقض الرئيسي، الأول والثاني يمثلان اتجاهاً شعبوياً، في سياق نسخة مشوهة معكوسة عن بعضهما وبين حدّيهما.
• الأول المعبر عنه في شعبوية فتح، بما تتسم من ارباك ونقص نظري فاضح، في دراسته للواقع والظواهر، ادوات درسه وتحليله واستبطانه ومعايناته. كلا الاتجاهين يفتقد امكانية الدراسة بامتلاء، ما لا يؤهل من تقديم عرض نظري متكامل، فالثاني الذي تمثله شعبوية حماس، حيث برزت الاخيرة بلا رؤية سوى تكرار جمل وشعارات عقيمة من ترسانة مطلع الثورة المعاصرة، بدلاً من دراسة المتغير تبعاً للظروف والبحث عن امكانات التجاوز، انطلاقاً من التطور بالذات، لا من تمنيات مصلح أو طوباوي.
• الأول: الذي يسعى إلى إنكار هذه التناقضات الداخلية والتقليل من شأنها إلى حد اعتبارها عامل إضعاف لقدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال، ويعمد أصحاب هذا الاتجاه إلى استخدام كل عناصر الدعاية والتعبئة الوطنية والأخلاقية في سبيل تبهيت التعارضات الداخلية، ولكنهم في الحقيقة لا يعملون سوى على ترويج رؤيتهم الفكرية والطبقية، وتغليب مصالح الفئات التي يمثلونها، كما أنهم ينكرون أحد أهم القوانين التي تحكم العملية الثورية وهي أن الناس لا يمكن أن تنجذب للنضال السياسي انطلاقا من قناعتها بفكرة ما أو هدف بعيد المدى، وإنما من خلال تلمس أثر هذا النضال وقدرته على تغيير واقعها وظروف حياتها إلى الأفضل، يمكن للأفكار والمُثل الكبرى أن تقنع أفرادا ومجموعات من المناضلين للالتحاق بالثورة، ولكنها لا يمكن أن تساعد في انخراط شعب بأكمله في العملية السياسية المركبة للنضال الوطني.
• الاتجاه الثاني ايضاً؛ الشعبوي ممثلاُ حماس، فهو يميل إلى تضخيم التعارضات الثانوية ورفعها إلى مصاف التناقض مع الاحتلال، ولو راجعنا أدبيات هذا الاتجاه ومواقفه السياسية خلال تاريخه، لرأيناه يعمد دائما إلى الانعزال عن تيار الحركة الوطنية الرئيسي ويستسهل إطلاق اتهامات التخوين، وتصنيف خصومه ضمن السائرين في ركب الأعداء ومشاريعهم التصفوية، بل سنجد أن من الصعب تعداد الحالات والمرات التي اتهم فيها هذا التيار خصومه، ببيع الوطن والمتاجرة فيه مع أن الواقع يشهد على أن عملية الصراع لا زالت جارية (وإن اختلفت أشكال النضال وأساليبه)، وأن الشرط التاريخي لوحدة جميع طبقات الشعب وفئاته وتياراته في مواجهة الاحتلال لا زال قائما، ليس من وجهة نظر الفلسطينيين أو بعضهم فحسب، بل من وجهة نظر المشروع الصهيوني.
• الاتجاه الثالث هو اليسار الوطني الديمقراطي، عبرت عنه الجبهة الديمقراطية في تصورها لبناء الائتلاف الوطني الديمقراطي الموحد مطلع السبعينيات، ومن ثم الواقعية المرحلية عام 1974، والذي تحول إلى برنامج سياسي وطني لجميع القوى الوطنية الفصائلية والمجتمعية، في الوطن والشتات ومخيمات اللجوء، وقرارات إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية الشاملة “شركاء في الدم شركاء في القرار” وفق قوانين التمثيل النسبي الكامل في مؤسسات السلطة التشريعية والتنفيذية، وفي مؤسسات م. ت. ف. (مجلس وطني جديد موحّد … ل. ت.، م. م.) وفق قوانين وعمليات انتخابية بالتمثيل النسبي الكامل، وفي المجتمع داخل الوطن والشتات بالاتحادات والنقابات والجمعيات بالتمثيل النسبي الكامل، تم إقرار هذه القوانين بإعلان القاهرة (مارس/ آذار 2005) ووثيقة الوفاق الوطني (حزيران/ يونيو 2006)، والمجلس المركزي لمنظمة التحرير (20 حزيران/ يونيو 2007). وهذا التوجه التحليلي النظري النقدي للواقع، ثلم وقوّض النظرة المبسطة للقضية الفلسطينية في شقها الشعبوي الشعاراتي العقيم – القديم والجديد – القائم على محاولة تحويله إلى منظومة إيديولوجيا ومذهب.
التحليل الذي ينطلق من تحديد التناقض مع الاحتلال باعتباره الرئيسي، ولكنه يقر بوجود التناقضات الثانوية ولا يقلل من شأنها ويتعامل معها باعتبارها طبيعية، بل ضرورية أي ناشئة بحكم ضرورات التطور الاجتماعي والتاريخي وليس بسبب إرادة الأفراد وسوء تقديرهم، وهي بهذا المعنى يمكن لها أن تكون محفزا للعملية السياسية الثورية لأنها ترفدها بطاقات لا يمكن اجتذابها من دون التعامل مع الناس وهمومهم ومصالحهم ، أي من دون السعي إلى حل هذه التناقضات. وهذا الاتجاه مهموم بدراسة الركيزة الاولى للابارتايد والاستعمار الاستيطاني في خصوصيته الصهيونية، مستنداً إلى دراسة بنية مؤسساته وأيديولوجيته، والاهم مستنداً إلى الوعي الواقعي لهذا الاستعمار وبنيته الرأسمالية وموقع المشروع الصهيوني في معماره الرباعي رأس المال، دولة، سوق عالمية، تجارة دولية، ربطاً بأهدافه في فلسطين والمنطقة العربية، فضلاً عن قراءته للمتغيرات والمستجدات من موقع نقدي في سياق هذا التطور، وتطور مؤسساته كنظام عالمي، وليس كنظام داخل المنطقة فحسب، أي الإمكانات الواقعية والتاريخية للنقد العملي والتجاوز.
ويمكن القول أن التباينات لا تنشأ فقط عن المصالح المجردة، بل وبسبب الاستعدادات المتفاوتة للنضال وما يترتب على ذلك من استعدادات متفاوتة للتضحية. وكذلك عن الاجتهادات المتباينة في النظر إلى قوانين الصراع الرئيسي وتطوراته، وكيفية حله، وبسبب الاختلاف في النظر إلى أشكال النضال المختلفة السياسي والدبلوماسي والجماهيري والعسكري، ومكانة كل منها في هذه المرحلة أو تلك.
تبعاً لذلك، يمكن للمعاين والدارس والمراجع قراءة هذه السمات وتطبيقاتها بسهولة، وسنجد على امتداد سنوات النضال الوطني الطويلة أن ثمة ميلا دائما لدى فئات من البرجوازية الفلسطينية للتعاطي مع الحلول السياسية والديبلوماسية وخاصة تلك الحلول التي لا تتطلب المجازفة بمصالحها وتقديم تضحيات جسيمة، وميلا للتساوق مع تلك الحلول والمبادرات التي تنتقص من برنامج الإجماع الوطني. وسنجد كذلك ( لدى أصحاب المبالغة في حجم التعارضات الثانوية) نزعات لتقديس شكل واحد من النضال وخاصة الكفاح المسلح، يقابله احتقار للأشكال الأخرى وهو ما يدفع أصحاب هذه النزعات إلى الانعزال عن حركة الشعب واتخاذ مواقف عدمية.
ولا ينبغي أن نقلل من أثر العوامل والتدخلات الخارجية في إذكاء الصراعات الداخلية وتأجيجها لتطغى على التناقض الرئيسي، فقد نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة وتطورت أدواتها خارج الوطن فتأثرت بهذا القدر أو ذاك بالجغرافيا السياسية لمراكز وجودها، تارة عبر أشكال من الوصاية والتدخل ومحاولات الاحتواء بما يخدم السياسات الداخلية والإقليمية المحورية لبغض الأنظمة، وتارة أخرى عبر فصائل وتيارات تساعد في إيجادها أو تستقطبها الأنظمة والعواصم العربية المعنية، وتستخدمها كوكيل لها في المعادلة الفلسطينية الداخلية، وأحيانا في الصراعات الفلسطينية الداخلية.
ومع انتقال مركز ثقل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى داخل الوطن، أولا بفعل الانتفاضة الأولى 1987- 1994، ثم بفعل إنشاء السلطة الفلسطينية على أثر اتفاق أوسلو، تراجع أثر العوامل الخارجية الإقليمية ليبرز بعدها أثر دولة الاحتلال الإسرائيلي في التأثير على المعادلة الداخلية الفلسطينية، وقد كان هذا الدور هو الأخطر بلا شك على معادلة العلاقات الفلسطينية الداخلية من نشأة الحركة الوطنية، ويمكن لنا أن نستعرض طائفة واسعة من التدخلات المباشرة وغير المباشرة بدءا من الصمت على تنامي التيار الايديولوجي والسياسي الإسلامي وانتشار مؤسساته وشبكاته الاجتماعية والخدمية بدءا من مطلع الثمانينات حين لم يكن هذا التيار قد وضع على جدول أعماله أمر التصادم مع الاحتلال وكان جهده مركزا على منافسة تيار الحركة الوطنية التي تمثلها فصائل منظمة التحرير، ثم يظهر التدخل الإسرائيلي بعد قيام السلطة عبر تشجيع ظهور شريحة ترتبط مصالحها التجارية مع الإسرائيليين رغم اعتماد سياسة الإغلاق الشامل للأراضي الفلسطينية المحتلة، إلى غض الطرف بل تشجيع أشكال الفساد والفوضى في بنية السلطة وأجهزتها الإدارية والأمنية ولنلاحظ أن غض الطرف هذا شمل حجم الأجهزة الأمنية وتسليحها طالما أن هذا التضخم لم يكن يتعارض مع مصالح إسرائيل على الرغم من وجود نصوص واضحة في الاتفاقيات الموقعة تحدد طبيعة وحجم وتسليح هذه الأجهزة، وفي مرحلة الانتفاضة الثانية سنلاحظ أن الضربات الأقسى التي وجهتها إسرائيل كانت موجهة لأجهزة السلطة ومقراتها ولقدرتها على القيام بأي دور سواء في حماية شعبها أو في فرض النظام والأمن وحتى في الوفاء بالتعهدات والالتزامات المطلوبة من السلطة .
في السنوات الأخيرة وبالتوازي مع احتدام الأزمة الداخلية الفلسطينية، تنامى أثر التدخلات الإسرائيلية، مرة ضد هذا الطرف، ومرة ضد ذاك، فمثلاً حين تعلن إسرائيل وتملأ الدنيا ضجيجاً حول رفضها مشاركة حماس في الانتخابات ثم تسلم بمشاركتها، فإنها لم تفعل سوى تقديم الدعاية المجانية لحماس ليس حبا في هذه الأخيرة، وإنما تصعيدا لعملية التدخل واللعب في الشأن الداخلي الفلسطيني، ويمكن أن نضيف هنا حملات الاعتقال التي طالت نواب حماس ووزراءها وآلاف الكوادر من مختلف القوى والفصائل، وكذلك عمليات الاغتيالات والاجتياح المنهجية، ثم كيل المدائح اللفظية للرئيس محمود عباس دون ن تترجم ذلك إلى أي مبادرة و خطوة عملية تساعد الرئيس عباس حتى في إقناع الرأي العام الفلسطيني بجدوى العملية السياسية والتفاوضية التي يدعو لها.
لقد وصلت هذه التدخلات بمساعدة من قبل الفلسطينيين أنفسهم إلى النتيجة التي تتوخاها إسرائيل وتعمل من أجلها وتسعى إلى إدامتها ما أمكن ألا وهي الاقتتال ثم الانقسام الفلسطيني، وهنا علينا أن نستدرك بالقول ليس لإسرائيل في المعادلة الداخلية الفلسطينية حليف دون غيره، ولا خصم دون غيره، فحليفها هو الانقسام السياسي والمؤسسي، وخصمها هو الأداة السياسية الموحدة التي تعبر عن جموع الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وتعمل لانتزاع حقوقه الوطنية في الحرية والاستقلال والعودة.
على امتداد تاريخ ثورتنا الفلسطينية المعاصرة، أمكن دائما لقوى هذه الثورة الموازنة بين خلافاتها وتبايناتها، وبين التعامل مع الصراع مع الاحتلال باعتباره التناقض الرئيسي الذي يجب أن يغلب على سائر التناقضات، أمكن ذلك على امتداد أكثر من أربعين عاما من 1965 وحتى 2007 على الرغم مما حملته هذه السنين الطويلة من محطات وتحديات ومعارك صعبة جرت ساحات متعددة، ولعل الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو الانشقاق الذي وقع في العام 1983 بعد الخروج من بيروت وما جرّه من استخدام للسلاح من قبل بعض القوى، لكن أثر ذلك سرعان ما تلاشى واستوعب في خضم حركة الشعب والثورة المتمسكة بوجهتها الرئيسية والتي استطاعت بفضل هذه الوجهة وبعد تلك الأحداث بسنوات قليلة تفجير الانتفاضة الأولى عام 1987.
إن السقوط الكبير والخرق الأكثر فداحة للقاعدة الذهبية، لقانون حركات التحرر الذي يقول بتغليب التناقض مع الاحتلال وقع في العام 2007 بعد مسلسل حوادث الاقتتال وما تلاه من حسم عسكري وإجراءات انقلابية ساهمت في تكريس الانقسام وبناء سلطة أمر واقع في قطاع غزة.
إن العمل وفق قانون حركات التحرر المشار له آنفا لا يمكن أن يتأتى من خلال المناشدة العاطفية والوعظ الأخلاقي، بل من خلال بناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي، وعملية إصلاح شاملة لمؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، نظام يتيح للشعب وقواه السياسية والاجتماعية المختلفة تطوير طريقة للحياة ينشدّ فيها الجميع للأهداف الكبرى في الخلاص من الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال، في نفس الوقت الذي ينهمكون في بناء المجتمع واقتصاده ومقومات صموده وتنميته، إن ما يوفر شروط النظام الديمقراطي التعددي هذا ليس فقط العمليات السياسية الانتخابية الكبرى لاختيار الرئيس والمجلس التشريعي والحكومة، واعتماد مبدأ التداول السلمي للسلطة، بل بضمان الحريات العامة بما فيها حرية التنظيم وتشكيل الأحزاب السياسية، وحرية الرأي والتعبير والاجتماع، وحق العاملين في ممارسة أشكال الاحتجاج المشروعة كالإضراب، وحرية تشكيل النقابات والاتحادات المهنية والاتحادات القطاعية للشباب والطلاب والمرأة، وضمان الديمقراطية في حياتها الداخلية، وحق الناس في انتخاب الإدارات والهيئات التي تنظم شؤونهم المحلية، والعمل على تعزيز استقلال القضاء وتطوير البيئة القانونية بما يعزز الحريات العامة والفردية، وينظم العلاقات بين الفئات المختلفة ويحمي حقوقها، نظام يستمد شرعيته من الشعب ويعمل وفق القواعد الديمقراطية المعروفة كحكم الأغلبية وضمان حقوق الأقلية، نظام يجسد وحدة الشعب الفلسطيني بملايينه العشرة ويحفظ حقوق اللاجئين في العودة كما ويحفظ حقوق الفئات الضعيفة والمهمشة في حياة كريمة تكمنها من المساهمة بكل طاقاتها في المعركة الوطنية، نظام لمستقبل فلسطين وأجيالها وليس لحاضرها وأزماتها الراهنة فقط.
لقد أمكن تطوير نظام سياسي فلسطيني مؤسسي ائتلافي جسدته منظمة التحرير في غياب سيطرتها المباشرة على الأرض، وغربتها عن الشعب، فهل تبدو مهمة بناء نظام سياسي ديمقراطي خلال مرحلة التحرر وفي ظل وجود السلطة أكثر صعوبة وتعقيدا؟ ربما، ولكنها ممكنة بالطبع إذا أحسن الفلسطينيون التعامل مع القانون الأساس الذي يحكم مرحلة التحرر.