الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة ـ كتاب في حلقات الحلقة السادسة

حرب الخليج الثالثة ـ كتاب في حلقات الحلقة السادسة

كانت أجواء الحرب في شهر آذار 2003 قد سيطرت على كامل نشاطات البيت الأبيض وجهاز المخابرات الأمريكية في وضع اللمسات الأخيرة على سيناريو [حرب الخليج الثالثة]، وكانت المخابرات المركزية تقوم بنشاط محموم لتقديم أي جديد من المعلومات الدقيقة عن نشاط أركان النظام العراقي، وكان في مقدمة أهدافه أمكانية رصد موقع تواجد رأس النظام صدام والزمرة المقربة منه بغية تسديد ضربة قاتلة لهم، لما لها من تأثير فعّال على معنويات جيشه، ولاسيما وأن الحرب قد تقررت، ولم يبقَ غير إصدار الرئيس بوش أمراً بانطلاقها.
وفي الساعة الرابعة من بعد ظهر التاسع من آذار 2003، أبلغ مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA [جورج تينيت] الرئيس بوش أن جهاز المخابرات قد استطاع أن يحدد موقع صدام حسين وأركان النظام على الرغم من الحرص الشديد لصدام وجهاز حمايته من أخفاء كامل تحركاته، ومكان تواجده. (3)
و لم تكن تلك المعلومات متوقعة، لكنها يمكن أن تتغير في أية لحظة. ولذلك فهي توفر ذلك الوقت هدفا ربما لا يتكرر بعد ذلك ، ومن الضروري معالجة صدام وأركان حكمه بالنظر لتأثيراته النفسية على مجريات الحرب.
وقال تينيت إن وكالته لا تعرف موقع صدام في تلك اللحظة فحسب، بل هناك احتمال كبير بأن تعرف أين سيكون على مدى عدة ساعات قادمة، مجتمعا مع مستشاريه في دار خاصة بجنوب بغداد. ونقل مساعدو بوش أن الرئيس كان يستمع في صمت، بينما كان تينيت يكشف مصادر معلوماته وحدودها، وقابليتها للصدق والخطأ، والمدة التي يمكن لصدام أن يقضيها في ذلك الموقع قبل أن يتحرك إلى موقع آخر يختبئ فيه.
ومع أن الرئيس العراقي يملك عدة قصور إلا انه يتفاداها جميعا في حالات الخطر القصوى. وأضاف تينيت قائلاً :
{ انه ربما لن تلوح فرصة أخرى لتحديد مكانه}.(4)
وخلال الساعات الثلاث اللاحقة انصرف بوش وكبار مساعديه إلى فحص جدول العمليات الذي نسقته بصورة دقيقة القيادة العامة للقوات الأميركية خلال عدة شهور، وقد ذكر مسئولون أمريكيون أن الحاضرين في المكتب البيضاوي في تلك اللحظات كانوا هم نائب الرئيس [ديك تشيني] وزير الخارجية [كولن باول] ووزير الدفاع [دونالد رامسفيلد] ومستشارة الأمن القومي [كوندوليزا رايس] ورئيس موظفي البيت الأبيض [اندرو كارد] ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال [ريتشارد مايرز]. وعندما وقع بوش الأمر بتسديد الضربة الساعة السادسة والنصف مساء، أضيفت إليه عبارة صيغت على عجل وهي :
{إن الضربات الأولى يجب تخترق سقف وحيطان هذا المنزل المجهول في بغداد، وان تنفذ عميقا في الأرض بحيث لن ينجُ منها احد أبدا}. (5)
وكان ضباط العمليات على متن الطائرات الحربية المرابطة بالخليج والبحر الأحمر، يبرمجون صواريخ توماهوك وفق معلومات رقمية مبثوثة من رئاسة CIA بفيرجينيا، تحدد الأهداف المراد ضربها. وقامت فصيلة من طواقم مقاتلات الشبح [ستيلث] بالتقاط الطيارين من غرفهم وزودتهم بالتعليمات الجديدة.
كانت الطائرات المقاتلة والصواريخ مزودة برؤوس حربية موجهة بواسطة الأقمار الصناعية، وكانت تزن القنابل التي تحملها هذه المقاتلات 2000 رطل، وهي المصصمة لاختراق طبقات أصلب المخابئ .
وفي الساعة الخامسة والنصف صباحا بالتوقيت المحلي من يوم الخميس المصادف العشرين من آذار 2003 ، وبعد 90 دقيقة من انتهاء المهلة التي حددها بوش لصدام في إنذاره، بدأت الحملة العسكرية الأمريكية البريطانية المشتركة، والتي أطلق عليها الرئيس بوش [حرية الشعب العراقي ] !! .
وبعد ثلاث ساعات من أصدار بوش الامر بالهجوم وجه الخطاب التالي للشعب الأمريكي وللقوات المسلحة الأمريكية:
أيها المواطنون: بدأت القوات الأميركية وقوات التحالف في هذه الساعة المراحل الأولية للعمليات العسكرية لنزع أسلحة العراق، ولتحرير شعبه، ولحماية العالم من خطر قاتم محدق.
وبناء على أوامري بدأت قوات التحالف بضرب أهداف منتقاة تتمتع بأهمية عسكرية من أجل تقويض قدرة صدام حسين على شن الحرب. هذه هي مجرد المراحل الاستهلالية لما ستكون حملة واسعة ومركزة. وتقوم أكثر من 35 دولة بتقديم الدعم الحيوي من استخدام القواعد البحرية والجوية، إلى المساعدة في المعلومات الاستخباراتية والعمليات اللوجستية، إلى نشر الوحدات القتالية. لقد اختارت كل دولة من دول التحالف أن تتحمل المسؤولية، وأن تشاطرنا شرف الخدمة في دفاعنا المشترك.
إلى جميع الرجال والنساء في القوات المسلحة الأميركية المنتشرين الآن في الشرق الأوسط أقول إن سلام العالم المضطرب، وآمال شعب مقموع تعتمد الآن عليكم، وهذه الثقة هي في محلها تماما.
إن القوات المسلحة الأميركية، وفي هذا النزاع، تواجه أميركا عدوا لا يحترم أعراف الحرب أو القواعد الأخلاقية، فقد وضع صدام حسين القوات العسكرية والمعدات العراقية في المناطق المدنية، وهو يحاول أن يستخدم الرجال والنساء والأطفال الأبرياء دروعا بشرية لحماية قواته، وهي آخر الفظاعات التي سيقوم بها ضد أبناء شعبه. أريد من الشعب الأميريكي والعالم أن يدركوا أن قوات التحالف ستبذل كل جهد ممكن للحفاظ على المدنيين الأبرياء من الأذى.
إن حملة في بلد ذي طبيعة جغرافية صعبة بمساحة ولاية كاليفورنيا، يمكن أن تكون طويلة، وأصعب مما توقع البعض، كما أن مساعدة العراقيين على إقامة دولة موحدة مستقرة وحرة ستتطلب التزامنا المستدام. نأتي إلى العراق والاحترام يحدونا لمواطنيه، ولحضارته العظيمة، ولمعتقداته الدينية التي يمارسونها. ليست لدينا أي مطامع في العراق، سوى أن نزيل التهديد، ونعيد السيطرة على تلك الدولة إلى شعبها.
إنني أدرك أن أُسر أفراد قواتنا المسلحة يصلون الليلة بأن يعود أحبتهم الذين يخدمون في القوات المسلحة إلى ذويهم بسلامة وبسرعة. إن ملايين الأمريكيين يصلون معكم من أجل سلامة أحبتكم وحماية الأبرياء. ولتضحياتكم، فإنكم تحظون بامتنان وتقدير الشعب الأمريكي، وعليكم أن تدركوا أن قواتنا المسلحة ستعود فور انتهاء مهمتها
إن بلادنا تدخل هذا النزاع بتردد، ومع ذلك فإن هدفنا واضح تماماً. إن شعب الولايات المتحدة وشعوب أصدقائنا وحلفائنا لن يعيشوا تحت رحمة نظام خارج على القانون يهدد السلام بأسلحة القتل الشامل. سنتصدى لهذا التهديد الآن بجيشنا وسلاح طيراننا وبحريتنا وحرس سواحلنا وقوات مشاة بحريتنا، وذلك لكي لا نتصدى له بجيوش مكافحة الإطفاء والشرطة والأطباء في شوارع مدننا في المستقبل. والآن، وبعد أن دخلنا هذا النزاع فإن الطريقة الوحيدة لخفض مدته تتمثل في استخدام القوة الحاسمة. وأؤكد لكم أن هذه الحملة لن تكون طويلة.
أيها المواطنون:
إن الأخطار التي تتهدد بلادنا والعالم سيتم التغلب عليها، وسنجتاز أوقات الخطر هذه، ونواصل عمل السلام. سندافع عن حريتنا، وسوف نأتي بالحرية إلى الآخرين، وسوف ننتصر، ولن نقبل أي نتيجة إلا النصر فيها. ليبارك الله بلادنا، ومن يدافعون عنها. (6)

واشنطن 19 مارس/ آذار 2003

لكن ما ورد في رسالة بوش هذه يتناقض مع الواقع الذي جرى في البلاد، فقد احتلت القوات الأمريكية العراق، واستحصلت قرارا من مجلس الأمن لشرعنة الاحتلال، وباتت الولايات المتحدة دولة محتلة، وعينت حاكماً أمريكيا على العراق هو الدبلوماسي [بول بريمر] الذي ارتكب أخطاء كارثية اوصلت العراق إلى هذه الحالة المفجعة التي نشهدها اليوم ، وبدلا من أن تقيم الإدارة الأمريكية حكومة ديمقراطية علمانية قدمت العراق هدية لقوى الإسلام السياسي الطائفي التي مكنت حكومة طهران من التغلغل في كافة مرافق الحياة العراقية من جهة، وأوصلتنا للحرب الطائفية من جهة أخرى، وهكذا تبدد حلم العراقيين في الخلاص من الطغيان الصدامي ليصبح ضحية طغيان اشد وأقسى ، ذلكم هو طغيان قوى الإسلام السياسي الطائفي بشقيه الشيعي والسني، لينتكس العراق ويعاد به القهقرى مئات السنين إلى الوراء.
انطلاق الحرب:
وانطلقت الصواريخ الموجهة وطائرات الشبح تلقي بحممها فوق بغداد التي هزتها الانفجارات الضخمة المتتالية. لكن نتائج الانفجارات بقيت غير معروفة على وجه التحديد بالنسبة لمصير صدام وأركان حكمه المقربين، وبعد عدة ساعات من الانفجارات أصدر النظام العراقي عبر التلفزيون بياناً قال فيه إن صدام ما يزال على قيد الحياة، وانه سيوجه خطابا إلى الشعب بعد قليل، وقد جرى إذاعة ذلك البيان حوالي الساعة الثانية عشر ونصف بالتوقيت المحلي للعراق. (7)
وفي الوقت نفسه أعلن مسؤول أمريكي بأن أجهزة الاستخبارات ستحتاج إلى بعض الوقت قبل أن تتمكن من التحديد الدقيق للإصابات التي أوقعتها الضربات، والشخصيات التي كانت في موقع المحدد لتواجد صدام وأركان نظامه. وقد أتضح فيما بعد أن الضربة الجوية قد دمرت الدار وما يحيط به تدميراً كاملاً ، لكنها فشلت في اصطياد صدام وأركان حكمه في تلك الدار، حيث كان قد غادرها قبل وقت قصير من الهجوم.
كانت الصواريخ الموجهة والطائرات المغيرة تقذف بحممها على المواقع العسكرية والمرافق المدنية الحيوية عبر أكثر من ألف طلعة جوية يوميا، وقد بلغ عدد المهمات القتالية الجوية قبل بداية الحرب البرية 23 ألف مهمة جوية قتالية وتموينية. (8)
فقد ذكر مراسل الـ CNN أن الطائرات الأمريكية والبريطانية قد نفذت في يوم واحد أكثر من 1900 مهمة قتالية، وتركزت 850 طلعة جوية على مهام قتالية تم فيها قصف مواقع مختلفة في إنحاء العراق، أثناء زحف قوات التحالف نحو العاصمة العراقية، وتركزت 85 % من تلك الضربات الجوية على قوات الحرس الجمهوري ، أفضل عناصر الجيش العراقي تدريباً وعتاداً. (9)
ولم يقتصر القصف الجوي الأمريكي البريطاني على القوات العسكرية، بل ركزت هجماتها على سائر المرافق المدنية ، فلم تترك مرفقاً اقتصادياً أو خدمياً إلا ودمرته ، ولم يسلم من بطشها ما تبقى من المصانع المدينة والعسكرية، والطاقة الكهربائية المنهكة أصلاً بسبب حرب الخليج الثانية عام 1991، ومصافي النفط، والغاز السائل المستخدم كوقود في منازل المواطنين، ومصانع الأدوية، و المدارس، والمستشفيات، وسائر المرافق العامة والخاصة. وكانت الطائرات المساندة، تقوم بإعادة تزويد الطائرات بالوقود في الجو بحوالي 450 طلعة من إجمالي الطلعات الجوية التي اشتملت 200 عملية نقل للجنود والعتاد، فضلاً عن 100 طلعة لطائرات المساندة والتحكم التي تشمل المهام الاستكشافية والتجسسية، وبلغت نسبة [القنابل الذكية] المزودة بأجهزة دقة إصابة الهدف التي استخدمتها طائرات التحالف لدك مواقع الجيش العراقي 70% من مختلف أنواع القنابل المستخدمة، وهي سبعة أضعاف ما تم استخدامه أثناء حرب الخليج عام 1991.
وفي الوقت الذي بدأ فيه القصف الجوي العنيف الذي استهدف القطعات العسكرية العراقية والمرافق العسكرية والمدنية باشرت القوات الأمريكية والبريطانية هجومها البري مستهدفة احتلال ميناء أم قصر.
لكن القوات البريطانية واجهت مقاومة شديدة من جانب القوات العراقية، والمليشيات التابعة لحزب البعث، وفدائيي صدام، وما أطلق عليه جيش القدس، واستمرت المقاومة أكثر من أسبوعين، على الرغم من التفوق الكبير في الأسلحة والمعدات للقوات المهاجمة والغارات التي نفذتها الطائرات البريطانية والأمريكية، لكنها تجنبت في بادئ الأمر حرب المدن، واستمرت في عمليات القصف لإضعاف المقاومة، حيث اندفعت الدبابات نحو المدينة واشتبكت في معركة ضارية مع الدبابات العراقية، واستطاعت القوات المهاجمة في نهاية المطاف احتلال أم قصر والفاو، والسيطرة على حقول النفط في منطقة الرميلة، حيث وضعت القوات البريطانية المهاجمة الحقول النفطية ومنشآتها في منطقة الرميلة في أولويات هجومها بغية السيطرة عليها، ومنع قوات النظام العراقي من القيام بحرقها كما جرى في الكويت في حرب الخليج الثانية. (10)
وبالفعل استطاعت تلك القوات أحكام قبضتها في المرحلة الأولى من الحرب على حقول النفط تلك، والزحف نحو مدينة البصرة ، ثاني المدن العراقية بعد العاصمة بغداد، واستطاعت عزل وتطويق المدينة، لكنها تجنبت الدخول فيها في بادئ الأمر تجنباً لحرب المدن، وما يمكن أن تسببه من خسائر بشرية.
وفي الوقت نفسه اندفعت القوات الأمريكية بآلياتها الحربية نحو العمق العراقي في الصحراء الغربية، والسيطرة عليها، ومن ثم توجهت تلك القوات نحو محافظات الناصرية والنجف وكربلاء والحلة في طريقها نحو بغداد متجنبة في بادئ الأمر الدخول إلى تلك المدن واحتلالها، لتجنب حرب المدن وخسائرها. (11)
ومن جانب آخر كان ما يزال قضاء سوق الشيوخ مسرحاً للمعارك، حيث شهد قصفا عنيفا من قبل مشاة البحرية الأمريكية، فيما أكدت قناة [سكاي نيوز] خبراستيلاء القوات الأمريكية المهاجمة علي الشطرة، ونجاح القوات المهاجمة في دخول المدينة بعد معارك عنيفة، ولم تورد القناة وقوع خسائر لدي الجانبين.
كما أعلنت القوات الأمريكية أنها تخوض معارك حول النجف على بعد 160 كيلومترا جنوب العاصمة العراقية بغداد من دون أن تذكر أي تفاصيل حول المعارك الدائرة في الهندية وكربلاء، في وقت أعلن العراق عن سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين خلال القصف الجوي لبغداد والحلة.
ومن جانبها أعلنت القوات المسلحة العراقية أنها كبدت القوات الأمريكية والبريطانية خسائر كبيرة قرب مدينة البصرة في الجنوب، ودمرت سبع دبابات بأطقمها حول مدينة النجف بوسط العراق.
ولم يتسن التحقق من صحة التقرير من جهة مستقلة، وهو يتناقض مع حجم الخسائر المتدني الذي كانت القيادة العسكرية الأمريكية تتحدث عنه في بلاغاتها الحربية.
وعاد المتحدث العسكري العراقي مرة أخرى لإذاعة بيان جديد صادر عن القيادة العامة للقوات المسلحة أكد فيه تكبد الأمريكيين والبريطانيين خسائر كبيرة في [أبو الخصيب] جنوب البصرة، وأعلن البيان أن جثث قتلي قوات العدو ما تزال ملقاة في مسرح المعارك
وأضاف المتحدث العسكري قائلاً: {إن فدائيي صدام وأعضاء حزب البعث الحاكم تصدوا للمعتدين وأجبروهم علي الانسحاب}. (12)
وقال متحدث عسكري بريطاني أن جنديا بريطانيا قُتل خلال الليل قرب البصرة، وقال متحدث عسكري عراقي ثان في التلفزيون أن فدائيي صدام تصدوا للقوات الأمريكية على مشارف النجف، وأنهم دمروا سبع دبابات وعددا من العربات، وقتلوا كل من فيها.
وعلى صعيد المعارك التي خاضتها القوات البريطانية في محيط مدينة البصرة ذكرت مراسلة [بي. بي. سي] أن القوات البريطانية والأمريكية في جنوب العراق قد استولت علي مدينتي [ أبو الخصيب] و[الزبير] بما يعد تطوراً مهماً في مجري الحرب، حيث فرضت القوات البريطانية حصارها على البصرة الكبرى، لكن متحدثاً باسم القوات الأمريكية أكد عدم الاستعجال في اقتحام المدينة.
واشتد ضغط القوات المهاجمة حول البصرة حيث شهد حي البعث السكني الواقع غرب المدينة، والذي يشكل آخر منطقة سكنية قبل المطار معارك عنيفة بين الجانبين في وقت أعلن ناطق بريطاني في قطر أن القوات البريطانية التي تحاصر البصرة لا تعتزم التسرع في عملياتها للاستيلاء علي المدينة. .
وقال اللفتنانت [بيتر دارلينغ] إن قواته تقوم بالسيطرة علي المدينة قطاعا تلو الآخر، ولن نسمح للقوات العراقية بأن تدفعنا إلى التهور، ملمحاً إلى احتمال سقوط عدد كبير من الضحايا، وأضاف اللفتنانت دارلينغ أن الأوضاع في المنطقة المحيطة بالبصرة، والتي تحتلها قوات التحالف بدأت تعود إلي طبيعتها في المدن الثلاث الزبير والرميلة وصفوان، وتوقف المقاومة في تلك المنطقة.
وتحت ضغط الهجوم البريطاني المكثف اضطر فدائيو صدام والقوات العسكرية النظامية إلى إخلاء مواقعهم في البصرة، ونزعوا ملابسهم العسكرية، وتواروا بين المدنيين عقب وصول الدبابات البريطانية إلي مركز المدينة، وفي غضون ذلك حذر قادة عسكريون بريطانيون من أن المعارك الدائرة في البصرة ثاني اكبر المدن العراقية لم تنته بعد على الرغم من فرض سيطرة القوات البريطانية علي أجزاء كبيرة منها.
ومن جهة أخري نُقل عن قادة عسكريين بريطانيين أن المقاومة داخل البصرة قد فاجأتهم، وأنهم كانوا يتوقعون نصرا سهلا في وقت قصير.
وفي 27 آذار أعلن المتحدث باسم اللواء المدرع السابع اللفتنانت كولونيل [هيوبلاكمان] للصحفيين أن المعركة في البصرة قد انتهت تقريبا، وأكد أن قواته تسيطر علي معظم مناطق البصرة بما فيها المدينة القديمة، وباشرت القوات البريطانية بجمع مئات الرشاشات مع ذخيرتها التي تركها فدائيوصدام، وميليشيات حزب البعث في الشوارع بعد فرارهم أمام القوات الزاحفة. (14) .
وعلي صعيد متصل اقترب نحو 400 جندي بريطاني وأمريكي تدعمهم الدبابات وطائرات الهليكوبتر الحربية دونما مقاومة من وسط البصرة ثاني أكبر المدن العراقية بامتداد شارع بغداد حتى أصبحوا علي بعد بضع مئات الأمتار من قلب البصرة، ولم ُتسمع أي أصوات للنيران.
وفي لندن قال وزير الدفاع البريطاني [جيف هون] أن القوات البريطانية تحركت إلي قلب المدينة وإنها ذاهبة هناك لتبقى، وذكر متحدث عسكري في مقر للقيادة بقطر أن القوات البريطانية تسيطر الآن على أغلب أجزاء البصرة، وذكرت قوات بريطانية في أحد المجمعات الواقعة على أطراف البلدة القديمة للمدينة أنها تعرضت لإطلاق نيران خلال الصباح، وتتميزالبلدة القديمة بأنها ذات الشوارع الضيقة، كثيرة الأزقة، وغير مناسبة لدخول وانتشار الآليات المدرعة الثقيلة، وقد امتنعت مصادر عسكرية بريطانية عن التنبؤ بالمدة التي ستستغرقها لتأمين البلدة، وقالت مصادر عسكرية أن أكبر الخسائر البشرية قد تكون في صفوف الميليشيات التي ترتدي ملابس مدنية ممن حوصروا في المدينة.
وبعد أن تم للقوات البريطانية استكمال احتلال البصرة، بدأت قواتها بالزحف نحو مدينة العمارة التي استطاعت دخولها في9 نيسان. .
وفي الوقت نفسه أعلنت القيادة البحرية الاسترالية أن سفنها الحربية الموجودة في مياه الخليج العربي استنفاراً شاملاً تحسباً لقيام زوارق عراقية بعمليات انتحارية تستهدف السفن الحربية المشاركة فعلياً في الحرب، وبالفعل نجحت البحرية الأسترالية في اعتقال زوارق وسفن عراقية تابعة للحرس الجمهوري وهي تلقي ألغاماً في مياه الخليج.