الرئيسية » مقالات » كذبة الدولة

كذبة الدولة

هناك كذبة تافهة سمحنا لها ليس فقط بالاستمرار على حساب حياتنا و أرواحنا , بل بأن تزعم و هي تقود حياتنا نحو واقع تسلطي سياسي فكري عقائدي و اجتماعي بأنها ضرورة لوجودنا البشري تماما كالماء و الهواء..إنها كذبة الدولة التي تصبح مبررا لارتكاب أي شيء بحقنا نحن كبشر تزعم و تقدم على أنها ضرورة لحمايتنا من حريتنا نحن أساسا..في لبنان يتفوق السيد سمير جعجع في استخدام مفهوم الدولة في خطابه التكفيري ضد الآخر “التكفيري” عن سواه من الفريق الحاكم..يتحدث سمير جعجع عن مؤامرة على الدولة , آخر فصولها هي عدم انتخاب رئيس للجمهورية , هذه المؤامرة التي يشارك فيها فريق المعارضة متحالفا مع قوى خارجية إقليمية..يتحدث السيد جعجع عن الدولة بطريقة صوفية غزلية , تشبه الطريقة التي يجري فيها الحديث عن النيو ليبرالية اليوم , بحيث أن هذا الكيان الافتراضي المائع الذي يقوم أساسا على احتكار حق القمع أو قوة القمع هو أول ضرورة للوجود الإنساني..يجري هذا في بلد تصل فيه الأزمات الحياتية و الاجتماعية و المعيشية و تراجع الخدمات الحكومية , الذي يمكن اعتبارها الشكل الملموس لوجود هذه الدولة , إلى درجات غير مسبوقة..يبقى الجدل السياسي يدور حول اسم الرئيس القادم و وزراء حكومته العتيدة , و ينشغل بتحديد التوازنات بين أقسام النخب الطائفية و المالية , بعيدا للغاية عن حالة هؤلاء الناس , لا المقاومة و لا السيادة تعني الناس في الشارع , و لا تبدو حتى مستعدة لتضيع وقتها في الانشغال بمشاكلهم التافهة و التي تبدو أتفه من أن تذكر حتى , راجع الحريري و السنيورة و جعجع و كل أقطاب المعارضة..رغم كل ما في الوضع اللبناني من فرادة فإن هذا الوضع لا يقتصر على لبنان..في العراق يدور الحديث عن العملية السياسية أي إعادة اقتسام السلطة , و بالتالي الدولة , بين أقسام النخب الطائفية “كمخرج للوضع القائم”..يموت العراقيون و يعانون كغيرهم من الجوع و البطالة و غلاء الأسعار و انقطاع الكهرباء و المياه الصالحة للشرب..من جديد لا تجد النخب , و المؤسسات الدينية التي تدعمها , التي تتقاسم أو تدخل حروبا لتقاسم السلطة أي ضرر في هذا , إن هموم الناس هنا أيضا تبدو تافهة جدا أمام ضرورة خلق سلطة قادرة على “فرض القانون” الذي يتعلق بالسجون و مقابر الأعداء أكثر من لقمة خبز الناس ناهيك عن حريتهم , بل و لا حتى حياتهم تبدو ذات معنى أمام أولوية قضية الدولة..أما وزراء الإعلام العرب , في وقت يتخاصم فيه الحكام العرب على كل شيء , فقد اتفقوا بشكل جماعي يلفت النظر على تنظيم عملية تكميم الأفواه و ذلك حرصا على “الرموز الوطنية” أي باختصار كبار الحرامية و مغتصبي كراسي الحكم في بلادنا..الحقيقة ضحية لا ثمن لها لحساب أسياد وزراء الإعلام العرب , و الحجة جاهزة : ضرورة وجود و احترام الرب الأرضي الذي لولاه لقتلنا بعضنا بعضا..قبل ذلك كان الإعلام الرسمي في مصر يؤكد أن سيادة الدولة المصرية أو سلامة أراضيها و حدودها أكثر أهمية من جوع كل سكان غزة تماما كما كانت سيادة الكويت أكثر أهمية من مئات آلاف العراقيين الذين جوعوا و افتقدوا الدواء العادي حتى , استنادا إلى حجة بسيطة , أنهم جميعا اعتبروا مسؤولية نظامهم الديكتاتوري يومها و لا علاقة لأي إنسان آخر بهم , هذه السادية بحق ملاين البشر “الآخرين” تسوق و يجري الترويج لها دون أدنى إحساس بالخجل , هذه الأفكار التي بررت و تبرر سقوط ملايين الأبرياء تماما كما في الحروب عندما تستخدم لتبرير كون الناس في شوارع “الأعداء” هدفا مستحقا و اعتبار قتلهم , حتى الجماعي و باستخدام أفظع الأسلحة و الوسائل , حقا للغازي و للأقوى و “تصرفا إنسانيا” مقبولا..هذا كله من أجل الذهب و المال , و حديثا في سبيل النفط , لكي تعيش النخب الحاكمة في أفضل حال , لتوسيع أرباحها و سلطتها أو للمحافظة عليها..يا له من جشع مقرف يختبأ خلف قذارة مفهوم الدولة و حقها المطلق في فعل ما تريد ضد أعدائها , الذين بينهم مواطنيها أنفسهم..في سوريا تبدو الممانعة أيضا ممارسة سلطوية تحتاج إلى المزيد من السجون و تكميم الأفواه و نهب البلد من قبل الطغمة الحاكمة..الأكثر إمتاعا هنا أن النخب – الطغم البيروقراطية المرتبطة بكبريات الشركات في المجمع الصناعي العسكري الحاكم في دول الغرب “الديمقراطي” تستورد أطروحات إرهاب الدولة الشرقية الذي طالما كان يقوم على مبرر وجود عدو خارجي , كما في دول الممانعة , أو الداخلي :الإرهاب: , كما في دول الاعتدال لتبرير تأبيد حالة الطوارئ و الأحكام العرفية , و مما يدعو للسخرية أن جنرالات القمع الجسدي و الفكري و السياسي في بلادنا يردون , مع ابتسامة ساخرة , على كل منتقدي ممارساتهم و “قوانينهم” التي تشرع لهذه الحالة من استباحة و انعدام القانون بأنها نسخة عن قوانين مكافحة الإرهاب في تلك الدول..جرى تضخيم الإرهاب و آثاره في محاولة لإظهاره كخطر داهم يبرر الانتهاك المستمر لحقوق البشر سواء من الشعوب التي تعتبر عرضة له أو من الشعوب التي تعتبر حاضنة له , و هكذا لمنع سقوط العشرات أو المئات سنويا يجري قتل أضعاف مضاعفة من الأبرياء , عدا عن سحق أية حقوق للبشر تحت آلة القمع الدولتية و تبرير شن الحروب التي ظاهرها مكافحة الإرهاب و حقيقتها الهيمنة على العالم..لا حقوق للبشر في عصر مكافحة الإرهاب , كما في كل العصور , الذي يخلف خسائر بشرية تبلغ أضعاف ما يمكن أن يسقطوا على أيدي الإرهابيين , إنه إرهاب الدولة المنفلت و الدموي مقابل إرهاب بعض المجموعات الإرهابية المعزولة , ناهيك عن الحق في الاختلاف و التفكير خارج السائد , ناهيك عن الحق الطبيعي في معارضة الوضع القائم و تغييره لصالح أغلبية البشر , إنها قصة الخطر الذي يمثله البعض على البقية , و حتى الخطر الذي يمثله الجميع على الجميع كما قال هوبز في معرض تبريره لسلطان الدولة المطلق..إنها قصة البشر , كتابعين للدولة , “مواطنين” جديرين فقط بالاستسلام الكامل لها , لمشيئة الأقلية الحاكمة , إنها كذبة التعارض بين حرية البشر كأفراد و حريتهم كمجموعة , تمثلها بالضرورة سلطة الدولة أي الأقلية الحاكمة..هكذا أمكن تبرير أي شيء قام به المارينز على امتداد تاريخهم الحافل بالأسبان ثم اليابانيين فالفيتناميين و الصينيين , عدا عن الشيوعيين و الجواسيس في الداخل , و أخيرا المسلمين..الرأسمالية الليبرالية التي تزعم أنها ديمقراطية تؤسس نظرتها و موقفها من أي “آخر” على أنه متخلف بالضرورة و معادي مصدر خطر محتمل و من هنا تنبع ضرورة “دمقرطته” بالقوة الماحقة أو إبعاده أو تدميره الساحق..استفادت الليبرالية بالطبع من أن الستالينية في الماضي و الإسلام الجهادي اليوم ينظران للإنسان و للآخر انطلاقا من ذات الرؤية التسلطية , كل صور مقاومة هيمنة الغرب باسم “الحضارة” و باسم “الديمقراطية” ليست حتى الآن سوى مشاريع سلطوية فوقية تريد تغيير ولاء الدولة لصالح قوى نخبوية أيضا , مما أطلق العنان لقوى تسلطية تحولت بسرعة إلى أدوات جديدة لقهر مشابه يمارس على الناس كما شاهدنا في أوروبا الشرقية من قبل..ما زلنا نستسلم لهذا الوحش الكاسر الذي لا يعرف الرحمة و الذي يدعي أنه ضروري لحمايتنا من عواقب حريتنا , ما زلنا نطأطئ الرؤوس لهراوته الغاشمة لتلقي بظلها على حياتنا خائفين من أن نعيش كأحرار…