الرئيسية » مقالات » التجربة السياسية الألمانية ونقيضتها العراقية.. هل من دروس وعبر ؟

التجربة السياسية الألمانية ونقيضتها العراقية.. هل من دروس وعبر ؟

التجربة الألمانية :

تعطي ألمانيا هذه الدولة الجميلة التي تقع في قلب أوروبا مثالاً جميلاً وربما نادراً للعلاقة المثيرة للجدل بين الدين والدولة.. فالدستور الألماني الذي أقِر عام 1949 وتم تعديله عام 1991 المعادي للفاشية والقائم علي ضمان الحرية والديمقراطية يتعاطى بصورة متوازنة مع دور الديانة المسيحية كمرجعية قيَمية وأخلاقية للمجتمع إلا أنه في نفس الوقت يرفض التدخل المباشر للمؤسسات الدينية في العملية السياسية الألمانية.. لذلك نجد بأن الحياة السياسية في ألمانيا تتعايش فيها أحزاب ذات توجهات ومشارب مختلفة من أقصى اليسار الى أقصى اليمين ومن بين هذه الأحزاب التي إستطاعت التوفيق بين توجهاتها العقائدية القريبة الى التدين وثوابت النظام السياسي الألماني الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني والذي يسمى في ألمانيا إختصاراً (CDU).. فالحزب الديمقراطي المسيحي الألماني يُعرّف نفسه بأنه ” حزب يملك مفهوماً سياسياً قائماً على التدين والقيم المسيحية وعلى مسؤولية الفرد أمام الله ” ويشدد في مقدمة قانونه الأساسي على أنه ” حزب ديمقراطي ليبرالي ومحافظ يلتزم بجذور أوروبا التاريخية “.. وهو تعريف لم يمنع الحزب من مواكبة إستحقاقات الحداثة ومتطلبات العصر بل دفعه الى السعي للحفاظ على نوع من التدين المعتدل وعلى ثقله السياسي بصفته أحد الركائز الأساسية للمنظومة السياسية الألمانية دون التخلي عن أهداف وروح الدستور الألماني الذي يستند على الميثاق الأممي لحقوق الإنسان وبالتالي فقد نجح الحزب في التحدي الكبير الذي يواجهه أي حزب ديني يريد المشاركة الفاعلة في صناعة القرار السياسي في بلاده تحت غطاء دستوري والذي يكمن في حل المعضلة المتمثلة في الحفاظ على الإجماع الديمقراطي العام الذي يلتزم بضرورة الفصل بين الدين والسياسة مما جعله اليوم من الأحزاب ذات الحضور والثقل السياسي البارز ليس في ألمانيا وحدها بل في عموم أوروبا

ورغم هذا التحدي الكبير الذي يعيشه الحزب الديمقراطي المسيحي على الدوام والمتمثل في الموازنة والتوفيق بين متطلبات الحكم والحفاظ على الهوية المحافظة فإن إيجاد صيغة توافقية بين تياراته المختلفة التي يميل جزء منها الى مزيد من المحافظة فيما يميل الجزء الآخر الى مزيد من الإنفتاح شكل دائماً علامة بارزة وأحد أسرار قصة نجاح هذا الحزب بعد خروج ألمانيا من براثن النازية.. كما إن هذا الأمر جعله مؤهلا لتسلم دفة الحكم أكثر من الأحزاب الأخرى في ألمانيا كونه يمثل تيارات فكرية متنوعة تعكس واقع الشارع الألماني وتستجيب لمتطلباته.. فعلى سبيل المثال أعلن مجلس مدينة كولون قبل فترة والذي يمتلك الحزب الديموقراطي المسيحي فيه أغلبية عن موافقته على بناء مسجد مركزي للمسلمين يستجيب لحاجة اكثر من 200 الف مسلم يعيشون في مدينة كولون والمدن والبلدات القريبة منها لأن الموافقة على بناء المسجد وكما قال رئيس كتلة الحزب في مجلس المدينة تستجيب لحاجة المسلمين المقيمين في المنطقة كما تعبر عن روح التسامح الديني بين ممثلي مختلف الاديان في كولون كما أشار الى ان الحزب وافق على بناء المسجد على الطراز العثماني بمعنى الموافقة على بنائه بمنائر وهو الأمر الذي يواجه بالرفض في معظم مناطق المانيا من قبل السلطات الالمانية بسبب الخشية من إستفزاز المجتمع المسيحي.. بالمقابل نرى بعض أحزاب وتيارات الإسلام السياسي المتطرفة في العراق تعمل على قتل وتهجير وتدمير أماكن العبادة لأبناء الطوائف الدينية غير المسلمة من المسيحيين والصابئة والإيزيديين رغم إنهم أحفاد سكنة العراق الأوائل وبناة حضاراته الخالدة

بالإضافة الى ذلك يعتمد الحزب الديمقراطي المسيحي دوماً مبدأ تشخيص الأخطاء ومحاولة إصلاحها وصولاً الى الأفضل.. فبعد الخسارة التي مني بها الحزب بعد إنتخابات 1998 تعلمت زعامة الحزب من تلك الخسارة أن نهج الإصلاحات الذي يعتمد مبدأ ليبرالية السوق الجديدة والذي أُقر في وقت سبق الانتخابات أثناء مؤتمر الحزب الشهير في مدينة لايبزج لايحظى بالقبول لدى الناخبين الألمان لذلك عمدت النخبة القيادية الى إجراء تصحيح منهجي في سياسة وتوجهات الحزب بإتجاه ديمقراطية دولة إجتماعية وتبدأ هذه المنهجية بشؤون المواطن لتنتهي بمصالح الدولة.. لقد عمد الحزب في السنوات الأخيرة الى تقديم نفسه كحزب غير آيدولوجي إلى حد بعيد فهو يقترب يوماً بعد آخر من عامة الشعب الألماني بكل إنتمائاته فقبل الإنتخابات الألمانية في 2002 صرح 14 % من الناخبين المسلمين بأنهم سيصوتون لصالح إتحاد الحزبين الديمقراطي والإجتماعي المسيحي الألماني.. وهذا ما لانراه ولم نلمسه حتى هذه اللحظة لدى غالبية أحزاب الإسلام السياسي في العراق اليوم التي لم تعترف يوماً بخطأ وتدعي على الدوام إمتلاك الحق المطلق والتفويض الإلهي بالوصاية على مقدرات ومصائر البشر والتي لاتزال تطرح نفسها كممثلة ومدافعة عن الحقوق الضيقة لهذه الطائفة أو لذلك الدين وتصر على التقوقع ضمن هذه الحدود بدئاً من خطابها الإعلامي وصولاً الى ممارساتها على أرض الواقع .



التجربة العراقية :
وإذا إنتقلنا الى التجربة العراقية التي يمكن أن نعتبرها النقيض للحالة الألمانية سنصطدم باديء ذي بدء بالدستور العراقي المثير للجدل الذي لم يصادق عليه جزء كبير من العراقيين والذي يبارك وبصورة غير مباشرة تدخل المؤسسات الدينية في العملية السياسية العراقية بل لايخفى على أحد بأن هذه المؤسسات والأحزاب المحسوبة عليها قد ساهمت بشكل فاعل في صياغة هذا الدستور كونها المتحكم الأساسي والرئيسي بالعملية السياسية الجارية في العراق منذ 2003 بدليل أن رئيس لجنة صياغة الدستور العراقي كان معمماً !.. لذا ليس من الغريب مثلاً أن نجد في ديباجة هذا الدستور ذلك النص الذي لامثيل له في أي من الدساتير العالمية والذي نصّه ” عرفاناً منا بحق الله علينا وتلبية لنداء وطننا ومواطنينا وإستجابة لدعوة مرجعيتنا العاليا وإصرار زعمائنا ومصلحينا.. زحفنا لصناديق الإقتراع بالملايين يوم 30 يناير 2005 مستحضرين عذابات شعبنا العراقي بجميع مكوناته وأطيافه وبخاصة مواجع التمييز الطائفي ضد الأكثرية الشيعية وفجائع شهداء الإنتفاضة الشعبانية والمدن المقدسة والأهوار ومتذكرين أشجان التمييز العنصري ضد الكرد وبخاصة مآسي شهداء حلبجة وبرزان والأنفال والكرد الفيليين وما أصاب التركمان وبخاصة في بشير من مآس ومحن وما إنتاب العرب السنة وبخاصة في الموصل والرمادي والحويجة من مصائب ونكبات وحدث بمثل ذلك عن مدن وقرى العراق الأخرى ولاحرج ” وهو نص فيه وصف تفصيلي لأحداث آنية لاتخدم العمومية التي من المفترض أن يتميز بها الدستور يبدوا واضحاً أنه أقحِم إقحاماً في الدستور بغرض إبراز التمييز بين أبناء الشعب العراقي وبالتالي إثارة النعرات الطائفية وتوسيع رقعة الفرقة والخلاف فيما بينهم .

أما المادة (2) من الباب الأول للدستور فتنص على ” الإسلام دين الدولة الرسمي وهو مصدر أساسي للتشريع ولايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابته وأحكامه ” وبالفعل فقد ترجم بعض أعضاء البرلمان العراقي (المنتخبين من الشعب) بأنهم سوف يضربون أي فرد من هذا الشعب بالقندرة إذا طالب بسن تشريع أو قانون لايتفق من الإسلام !.. ثم في المادة 5 من نفس الباب نجد العبارة التالية ” العراق جزء من الأمة الإسلامية” وهي عبارة إشكالية أولاً لعدم وجود أمة إسلامية على أرض الواقع فالمسلمون متوزعون على عشرات الأمم والملل والنحل والقوميات والدول.. وثانياً لأن العراق بحد ذاته أمة قائمة وموجودة قبل أن توجد الأمة الإسلامية وهي حقيقة تأريخية ساطعة سواء قبل بها البعض أو لم يقبل فكيف تكون أمة قائمة بذاتها لا بل هي أقدم الأمم جزئاً من أمة أخرى ؟

وإذا إنتقلنا الى المادة (27) من الفصل الثاني من الباب الثاني سنجد النص الآتي ” أتباع كل دين أو مذهب أحرار في : الإلتزام في أحوالهم الشخصية حسب معتقداتهم وإختيارهم وينظم ذلك بقانون وممارسة الشعائر الدينية بما فيها الشعائر الحسينية ” إن الفقرة الأولى هي كلام حق يراد به باطل ففي الوقت الذي يدل فيه ظاهرها على أنها مع الحريات الشخصية للأفراد إلا أن باطنها يبطن علقماً بل وسُماً فالمراد من هذه الفقرة حقيقة هو مصادرة حريات الأفراد والتحكم بمصائرهم عبر إلغاء المحاكم والقوانين المدنية المتعلقة بالزواج والطفولة والأسرة المعمول بها في العراق منذ نصف قرن من الزمان والتي لم يجرأ أي نظام سبق النظام الحالي على إلغائها أو التقرب منها لتُستبدل بالجوامع والحسينيات وبقوانين من العصور المظلمة تعيد المرأة الى عصر الجواري.. أما الفقرة الخاصة بالشعائر الحسينية فكلنا نعلم أن في العراق العديد من الأديان والطوائف ولكل منها شعائرها الدينية وطقوسها الخاصة فهل التخصيص هنا يعني بأن أتباع المذاهب والأديان الأخرى ليسوا أحراراً في ممارسة شعائرهم الخاصة ؟.. وإذا كان الجواب بلا فلماذا إذاً كان التخصيص في الدستور الذي من المفترض أن تذكر فيه العموميات التي تعني وتهم الجميع لا التفاصيل التي تخص البعض !

أما أكثر مواد الدستور العراقي إشكاليةً فيما يخص العلاقة بين الدين والدولة فهي المادة (12) من الباب الأول التي تنص على إن ” للمرجعية الدينية إحترامها لدورها الروحي.. وهي رمز ديني رفيع على الصعيدين الوطني والإسلامي.. ولا تتدخل الدولة في شؤونها الخاصة “.. إذ من غير المناسب ومن الخطأ أساساً وضع هذه المادة في الدستور.. فالجزء الأول منها مبهم وغير واضح كونه لايوضح مالذي يقصده بالمرجعية الدينية أهي مرجعية المسلمين أم المسيحيين أم الصابئة أم الإيزيديين ؟.. وإذا كان المقصود منها مرجعية المسلمين وهو الأرجح فهذا سينقلنا الى سؤال آخر هو أيهما ؟.. مرجعية السنة أم الشيعة ؟.. وهذا سيوصلنا بالنتيجة الى حقيقة أن في العراق العديد من المرجعيات التي لايختلف إثنان على ضرورة إحترامها حالها كحال أي عراقي من دون زيادة أو نقصان أو تمييز مادامت لا تضر بمصلحة الوطن ولا تتدخل فيما لايعينها.. أما الجزء الثاني من الجملة والذي نصه (وهي رمز ديني رفيع على الصعيدين الوطني والإسلامي) فهو يحوي عبارة هائمة لاعلاقة لها بما سبقها إطلاقاً بل أقحمت في سياق الجملة إقحاماً إذ هل تُحترم المرجعية لدورها الديني أم لأنها رمز وطني فالفرق واضح بين المعنيين والحالتين ؟.. فالرمز الوطني يختلف عن الرمز الديني كون الأول أي الرمز الوطني يرمز لكل أبناء الوطن كدجلة والفرات ونخيل العراق أما الرمز الديني فهو رمز لأبناء ديانته أو طائفته فحسب وللمتدينين منهم بالذات وبالتالي لايمكن أن تكون أي مرجعية دينية في العراق مرجعية وطنية فماذنب المسيحي أو الإيزيدي أو الصابئي مثلاً لنجبره على أعتبار المرجعية الإسلامية رمزاً وطنياً له ؟.. أما الجزء الأخير والأخطر من بين الأجزاء الثلاثة لهذه المادة فينص على(ولا تتدخل الدولة في شؤونها الخاصة) أي في شؤون المرجعية الخاصة في الوقت الذي كان من المفترض فيه أن تكون العبارة بالمقلوب أي أن تكون بالشكل التالي (ولا تتدخل المرجعية في شؤون الدولة أو السياسة) أو (ولا يحق للمرجعية التدخل في شؤون الدولة أو السياسة).. فمن الذي يجب أن لايتدخل في شؤون الأخر الدولة أم المرجعية الدينية ؟

ولم تقتصر حُمّى الأسلمة وإستغلال الدين لأغراض سياسية والتي أصبحت موضة العصر على الأحزاب والتيارات العراقية التي تشارك في العملية السياسية الحالية فقط بل تعدتها الى تلك التي تعارضها وتصفها بالطائفية والتي تتبنى وتطرح هي الأخرى شعارات إسلامية ضيقة بدلاً من الشعارات الوطنية العامة هذا بالإضافة الى إختيارها لتسميات دينية بدلاً من التسميات الوطنية الأكثر عمومية والأكثر قبولاً.. فالعراقيين لن يستبدلوا نخبة حاكمة ذات توجهات ورؤى ومشاريع إسلامية وطائفية ضيقة لا ولن تصلح للعراق والعراقيين كالنخبة الحالية بأخرى على شاكلتها .

هل يمكن أن تكون تجربة الحزب الديموقراطي المسيحي الألماني نموذجاً لتيارات الإسلام السياسي في العراق :

إن ما لايمكن التنبؤ به ومانتمناه على المؤسسات الدينية وأحزاب الإسلام السياسي في العراق ومعهم عوام الشعب العراقي هو أن يقرؤا التأريخ ويتعظوا ويتعلموا منه الدروس والعبر خصوصاً من التجربة المريرة التي عاشوها بعد 9 نيسان 2003 نتيجة إقحام الدين في السياسة وشؤون الدولة كما إتعظ الألمان خصوصاً والأوروبيين عموماً من الحروب الدينية التي عاشتها أوروبا لعقود إذ لازال الألمان مثلاً يتذكرون حرب الثلاثين عاماً ذات الدوافع الدينية التي أدت لفناء العباد وخراب البلاد والتي أقروا بعد إنتهائها بضرورة نبذ الحرب لدوافع دينية وأدى هذا بدوره لإقرار مباديء الحرية الدينية والتسامح والفصل بين الدين والدولة.. لذا لو بقيت المؤسسات الدينية وأحزاب الإسلام السياسي في العراق على نفس سياساتها الحالية فستكون نهايتها إن عاجلاً أو آجلاً كنهاية مثيلاتها الأوروبية قبل مئتي عام وبالتالي لاداعي لتكرار نفس المأساة التي مرت بها قبلنا الكثير من الشعوب والأمم للوصول الى نفس النتيجة التي وصلوا إليها وياحبذا لو إنسحبت هذه المؤسسات والأحزاب من الحياة السياسية في العراق برمتها بهدوء وبكرامتها لتنصرف الى أمورها الدينية بدلاً من أن تُجبَر على الخروج منها بالقوة وبإرادة الشعب العراقي الذي لابد أنه سيصل في يوم من الأيام الى الحقيقة التي وصلت إليها شعوب أوربا قبل قرون وهي أن السياسة والدين نقيضان لا يلتقيان ويجب الفصل بينهما لهذا يعيش في أوروبا اليوم أناس على إختلاف معتقداتهم ومذاهبهم وأعراقهم بشكل سلمي إلى حد كبير..فللسياسة رجالها وللدين رجاله وكما إن مكان السياسيين هو البرلمانات ومراكز السلطة وصنع القرارات الدولية والعمل على توفير حياة أفضل لشعوبهم فمكان رجال الدين هو الجوامع والحسينيات ودور العبادة وجلسات الوعظ الديني وشرح أصول العبادات.. إن تجربة الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني تطرح تساؤلاً مهماً حول إمكانية الاقتداء به من قبل تيارات وأحزاب الإسلام السياسي في العراق خصوصاً المعتدلة منها أو التي بدأت تميل الى الإعتدال بعد أن تكونت لدى بعضها من خلال التجربة تصورات عقلانية واقعية تقر بأن الديمقراطية البرلمانية وإحترام حقوق الإنسان الأساسية هما الطريق الأفضل لبقائها ولتفعيلها كقوة ناشطة في المجتمع .

يقول الشاعر :

قالوا وفي الدين بون دون وحدتنا

الى متى بإسم هذا الدين نقتسم

لإن أصروا على أهواء أنفسهم

لا الدين يبقى ولا الدنيا ولا الشيم


لنختصر المسافات ونتفرغ لبناء بلدنا ففي هذا خير الجميع والله يهدي من يشاء .