الرئيسية » مقالات » حكام طهران يلعبون بالنار

حكام طهران يلعبون بالنار

السحب السوداء القاتمة كما يبدو لكل متتبع لمسيرة وتطورات الأحداث في عالم اليوم بدأت تغطي منطقة الشرق الأوسط برمتها، وباتت نذر الشر المستطير تتصاعد يوماً بعد يوم، مبشرة بحرب شاملة في هذه المنطقة الحساسة والبالغة الأهمية لدول العالم أجمع كونها المصدر الأكبر للطاقة التي لا غنى عنها لتسيير وإدامة عجلة الاقتصاد العالمي.

ومن المعلوم والثابت للجميع أن السياسة هي دائماً وأبدا في خدمة الاقتصاد، هذا أولا
وأن الحرب كما هو معروف كذلك يمثل السياسة، ولكن بأسلوب عنيف ، فهو إذا يعتبر أعلى مراحل العنف السياسي، وعادة تلجأ إليها الدول، وبوجه خاص الدول الكبرى التي تمتلك القوة والثروة والتنكلوجيا المتطورة، والتي هي على استعداد دائم لاستخدام سائر إمكانياتها العسكرية والمادية عندما تعجز الأساليب السياسية الهادئة في تحقيق والحفاظ على مصالحهم الاستراتيجية في أي منطقة من العالم.

وبطبيعة الحال فإن عصب الحياة، هو الطاقة التي يعتبر مصدرها الأكبر منطقة الشرق الأوسط، بالنسبة لسائر دول العالم بوجه عام، وللدول الكبرى، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة على وجه الخصوص، هو في المقام الأول من اهتماماتها وحرصها الشديد على استمرار تدفق النفط بكل حرية وانسيابية ودون عوائق، وهم على كامل الاستعداد دائماً وأبداً لحماية مصالحهم متى ما شعروا بأي تهديد مباشر كان أم غير مباشر ، ولا يتوانون عن استخدام أقصى القوة وبكل ما يمتلكونه من أسلحة متطورة لتحقيق أهدافهم في المنطقة. ولنا من تجارب التاريخ القريبة والبعيدة ما يؤكد ذلك .

فقد حاولت المانيا للوصول إلى منابع النفط دون توقف، وخاصة عندما أفلحت حركة رشيد عالي الكيلاني بالاستيلاء على السلطة في 2 مايس 1941، عندما كانت الحرب العالمية الثانية مستعرة، وانحياز حكومة [ الكيلاني ]إلى جانب ألمانيا، وإعلانها الحرب على بريطانيا، وتقدمها بطلب المساعدة العسكرية من [هتلر]، لكن هتلر لم يستطع إرسال قواته إلى العراق، مكتفياً بإرسال عدد من أسراب طائراته الحربية لحماية الانقلابيين من القوات البريطانية التي راعها هذا الانقلاب المفاجئ في العراق، وخطورة وصول ألمانيا إلى منطقة الخليج والسيطرة على منابع النفط فيها، وصممت على إسقاط الحكومة الكيلانية بأسرع ما يمكن، وإعادة الوصي عبد الإله إلى الحكم من جديد. وهكذا عادت بريطانيا العظمى آنذاك إلى احتلال العراق عسكرياً من جديد.

وفي عهد الرئيس [روزفلت ] جرى ضغط شديد على رئيس الوزراء البريطاني [ونستن تشرشل] من أجل حصول الولايات المتحدة على نصيب أكبر في نفط الخليج، وكان تشرشل يقاوم الضغط الأمريكي، إلا أنه كان عاجزاً عن إيقاف ذلك الضغط، بسبب ضعف موقف بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي أنهكتها، فقد كتب تشرشل إلى اللورد [بيفر بروك] العضو في وزارة الحرب البريطانية يقول فيها رداً على مذكرته حول محاولات الولايات المتحدة لانتزاع ما يمكن انتزاعه من حصة بريطانيا في نفط الشرق الأوسط قائلاً:
{إنني أفهمك جيداً ولكني أخشى أن عالم ما بعد الحرب قد ينهار إذا دخلناه ونحن في معركة مع الولايات المتحدة حول البترول }.
أما الرئيس الأمريكي روزفلت في حديثة مع وزير خارجيته جيمس بيرنز قائلاً:
{ إن بترول الشرق الأوسط هو أعظم كنز تركته الطبيعة للتاريخ، وأن التأثير الاقتصادي والسياسي لهذا الكنز سوف يكون فادحاً }.
وعندما سأل الوزير جيمس بيرنز الرئيس روزفلت ما هي الحصة يا سيادة الرئيس التي ينبغي أن نسيطر عليها من بترول الشرق الأوسط ؟
سكت الرئيس روزفلت برهة ثم أجابه قائلاً : [ لا أقل من 100%]
أما رئيس شركة نفط [سكسوني فاكوم] وهي أكبر إمبراطورية نفطية أمريكية فقد صرح قائلاً :
{ إن إدارة شؤون البترول تختلف عن إدارة شؤون أية سلعة أخرى، ذلك أن شؤون البترول في 90 % منها سياسية ، و10 % منها فقط بترول ،ثم زاد قائلاً:إذا كان محتَّماً على الولايات المتحدة أن تدير شؤون البترول في العالم، فإن عليها أن تدرك طوال الوقت بأنها مطالبة بأن تفعل ذلك حتى خارج حدود سياستها الإقليمية، وخارج قيود القانون الدولي إذا دعا الأمر ذلك }.
وعندما فاز حزب الدكتور محمد مصدق في الانتخابات البرلمانية في إيران، وتولى رئاسة الوزارة ، وأقدم على تأميم النفط الإيراني سارعت الولايات المتحدة إلى تدبير انقلاب عسكري دموي ضد حكومة الدكتور [محمد مصدق ]، ومزيحة الهيمنة البريطانية المطلقة على نفط الخليج، وتمكن الإمبرياليون الأمريكان الجدد من السيطرة على 54% من نفط الخليج حتى عام 1953 بعد أن كانت حصتها عام 1946 لا تتجاوز 35,3%، في حين هبطت حصة بريطانيا من 49,9 % إلى 28,4% .
أما الرئيس الأمريكي [ جيمي كارتر ] فقد أعلن أمام الكونجرس في 23 كانون الثاني 1980 ما عرف آنذاك [بمبدأ كارتر ] حيث قال:
{ إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز سيطرة في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية } .
في العهد القريب شهدنا كيف كان رد الولايات المتحدة وحلفائها على غزو صدام حسين للكويت واستئثاره بموارده النفطية حيث سارعت إلى شن تلك الحرب المعروفة للجميع عام 1991، وفرضت الحصار الجائر على شعب العراق منذ ذلك التاريخ حتى انتهاء حرب الخليج الثالثة بسقوط نظام صدام، والكل يدرك ما سببته تلك الحرب، وذلك الحصار الذي يعد بحق أشنع أنواع الحروب وأقساها على شعب العراق المسلوب الإرادة من قبل ذلك النظام القمعي الاستبدادي.
وهكذا إذاً كان الصراع محتدماً ليس فقط بين الامبرياليين ودول المنطقة، بل بين الإمبرياليين أنفسهم كذلك، ومنذُ أمد بعيد على المنطقة، وثرواتها النفطية، وبطبيعة الحال فإن العراق، بموقعه الجغرافي، وبما يملكه من ثروة نفطية هائلة، كان وما يزال وسيبقى في لب هذا الصراع للهيمنة عليه.
إن حكام طهران كما يبدو من تصرفاتهم الطائشة لم يتعلموا أي درس من دروس التاريخ
وهم ماضون في سياسة التسلح بأسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي.
كما أنهم ماضون في التدخل الفظ والمكشوف والعميق في شؤون العراق، تحدوهم الرغبة الجامحة في الهيمنة على مصير العراق بانتظار اللحظة المناسبة مدعومين من قبل أحزاب قوى الإسلام السياسي الشيعي النابعة والممولة والمسلحة من قبل نظام ملالي طهران، وهم ينتظرون بفارغ الصبر خروج المحتلين الأمريكان والبريطانيين وحلفائهم لينشبوا أنيابهم في تمزيق العراق واقتطاع القسم الجنوبي والفرات الأوسط ، إذا لم يكن العراق كله من أقصى جنوبه وحتى أقصى شماله.
ومن أجل تنفيذ أجندتها في العراق تحاول اليوم إشعال نيران الحرب الأهلية في لبنان على أيدي حزب الله الذي سلحته ومولته وما تزال ليغدو أقوى من الجيش اللبناني عددا وعدة ، والذي أصبح اليوم هو الذي يمتلك القرار في لبنان بقوة صواريخ ملالي طهران وأسلحتها وأموال نفطها التي حرم منها الشعب الإيراني الذي يأكله الفقر.
ولم تكتف بكل ذلك بل التفتت إلى حركة حماس في غزة ومدتها بالأموال والأسلحة بدعوى مقاومة الاحتلال على الرغم من خروج الجيش الإسرائيلي وتهديم مستعمراتها في القطاع مما تسببوا في هذه المحنة القاسية التي يعاني منها اليوم الشعب الفلسطيني المظلوم في غزا.
وبالأمس وقف السيد حسن نصر الله يهدد إسرائيل وأمريكا والعالم الغربي بالحرب المفتوحة ليزج لبنان بالحرب من جديد، حربٌ ستكون بتقدير كل المتتبعين أقسى وأشد بما لا يمكن تقدير مداها، حرب يمكن أن يمتد لهيبها ليشمل سوريا التي ارتبط حكامها بتحالف وثيق مع نظام ملالي طهران ويمارسون التدخل الفض في الشأن اللبناني.
إن نذر الحرب بدأت تقترب من لبنان، وهي إذا اشتعلت فسوف لن تكن محصورة بين لبنان وإسرائيل، بل سيمتد لهيبها لتحرق منطقة الشرق الأوسط برمته، وسيكون واقعاً في أنونها العراق وسائر دول الخليج بالإضافة إلى سوريا وفلسطين، وسوف يكون مصير نظام طهران كمصير نظام صدام إذا ما استمر هذا النظام على نهجه الحالي ولكن بعد خراب البصرة كما يقول المثل العراقي.