الرئيسية » مقالات » انطلاقة الديمقراطية: أمل أخير بالوحدة

انطلاقة الديمقراطية: أمل أخير بالوحدة

القدس
… وكأن أعوام الفلسطينيين، غير تلك السنين التي تمر على الناس جميعاً، فهي تمضي طويلة وثقيلة، في الوقت الذي نكاد لا نشعر بها من زحمة الأحداث وتلاحقها، وذلك ارتباطاً بالقضية الفلسطينية نفسها، التي شغلت الناس عقوداً، وشاغلت أهلها كل الوقت، فلا تكاد تمر ثانية واحدة، دون أن يحبس الفلسطينيون أنفاسهم، وقد اعتادوا على وصف كل حدث، بأنه لحظة تاريخية! عام واحد وتكمل الجبهة الديمقراية لتحرير فلسطين الأربعين عاماً على انطلاقتها، فيما مناضلوها وبالذات مؤسسوها، انخرطوا في اتون العمل الوطني والسياسي، قبل ذلك بسنين طويلة، حين كانوا في صفوف القوميين العرب، ثم حين شاركوا رفاقهم في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
أما ظروف النشأة، قبل نحو اربعين عاماً، فكانت بالطبع ظروفاً مختلفة تماماً، عن الظروف الحالية التي نعيشها جميعاً، حيث كانت الأحلام عريضة، فيما تبقت لنا، هذه الايام، الآمال والتمنيات بتحقيق بعض هذه الاحلام، ولم تكن الظروف التي احاطت بتأسيس “الديمقراطية”، هي المختلفة، بل كان الظرف الفلسطيني والظروف الاقليمية والدولية المحيطة به، والمؤثرة فيه وعليه مختلفة تماماً، ولسنا هنا بصدد تعدادها او استعراضها، لكن ما يهمنا، هو ان انطلاقة الجبهة، رغم الظرف الذي احاط بها بخروجها من رحم القوميين العرب، إلا انها مثلت إضافة نوعية لظاهرة المقاومة الفلسطينية، ومن يوم اعلانها، شكلت مع حركة فتح والجبهة الشعبية ثالوثاً اساسياً، قاد العمل الوطني، وفق منطق وصيغة الجبهة الوطنية، التي لم توحد الشعب فقط، في إطار الكفاح الوطني فقط، بل وجعلت من المختلف السياسي والأيديولوجي عاملاً ايجابياً، يؤدي الى حراك داخلي، ويوفر ضمانة وصمام امان يحفظ النضال السياسي من مخاطر اخطاء الأفراد، مهما علا شأنهم في القيادة.
وجدت الجبهة الديمقراطية نفسها، ومنذ تشكيلها بين حركة فتح والجبهة الشعبية، المختلفين في كثير من المحددات السياسية، فمارست دوراً وحدوياً ساهم الى حدود بعيدة في الحفاظ على جوهر فكرة الجبهة الوطنية المتحدة، خاصة بعد دخول الفصائل في اطار م.ت.ف وتثويرها من الداخل وتحويلها بالتالي من “إطار فلسطيني” للنظام العربي، الى قوة وقيادة سياسية فلسطينية، وضعت فلسطين كمفردة فاعلة في النظام العربي، وبسبب حنكة الفصائل الرئيسية، وبسبب من تضامنها الوطني، تمت السيطرة على مظاهر وظواهر التدخل العربي المتعددة في الاطار الفلسطيني، ما منع ان تكون المنظمة “ملعباً” تمارس فيه الانظمة العربية وغيرها صراعاتها على حساب الفلسطينيين.
وتميزت الجبهة الديمقراطية، منذ تأسيسها، بوجود قيادة حزبية تتمتع بوعي سياسي ونظري متميز، ما اهلها لطرح المبادرات السياسية الواقعية، التي كان لها أبعد الاثر في تحقيق التقدم والحضور للقيادة الفلسطينية برمّتها، وخير دليل على ذلك مبادرة النقاط العشر، التي قدمتها “الديمقراطية” بشجاعة خاصة، وكافحت من أجلها، والتي فتحت بعد ذلك أبواب النظام العربي للاعتراف بالمنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ومن ثم أبواب النظام الدولي، بدخول فلسطين عضواً كامل العضوية والفاعلية في الجامعة العربية ثم عضواً مراقباً في الأمم المتحدة.
قدمت “الديمقراطية” إذاً نموذجاً ما زال ماثلاً وضرورياً حتى اللحظة، لكيفية الربط بين الكفاح الميداني والتوظيف السياسي، ففي الوقت الذي كانت فيه الذراع العسكرية للجبهة تنفذ عمليات عسكرية نوعية، كانت فاعلية قيادتها السياسية، مدعومة بجهازها الاعلامي الفعال، تقوم باستثمار تام لهذه العمليات، في تحقيق حضورها إن كان على الصعيد الوطني الداخلي، او لصالح الكل الوطني العام. وكان امين عام الجبهة الديمقراطية، الرفيق نايف حواتمة، يشكل مع ابو عمار والحكيم مثلثاً قيادياً، يعتبر بمثابة عقل راجح للجبهة الوطنية المتحدة، التي كانت تعرف كيف تسيطر على لحظة الخلاف، بحيث لا يتفجر الوضع الداخلي، وهكذا سارت أمور العمل الوطني، طوال عقود، من الناحية الداخلية – على الاقل- على خير ما يرام- ولولا الظروف الاقليمية، حيث كانت الخلافات والصراعات تكاد لا تهدأ في الاطار العربي، والحرب الباردة، سبباً أساسياً، في عدم تمكن الفلسطينيين، رغم كفاحهم الاسطوري، ورغم قيادتهم المحنكة، من تحقيق هدف الاستقلال الوطني، حتى اللحظة.
هذا الهدف، الذي وإن كان لم يتحقق بعد، إلا أن فصائل العمل الوطني، وفي المقدمة منها مثلث (فتح، ديمقراطية، الشعبية)، حققت وجوداً سياسياً اقليمياً ودولياً للفلسطينيين، حيث باتت المنظمة تمارس دورها ووظيفتها “كدولة في المنفى”، وبالتالي فإن الكفاح الوطني الذي مارسته هذه الفصائل، أقنع العالم بأسره بأحقية الفلسطينيين في الاستقلال، وفي إقامة دولتهم المستقلة.
وكان لـ “الديمقراطية” شرف المشاركة مع فصائل العمل الوطني، طوال اربعين عاماً وبفاعلية متميزة، في كافة محطات الكفاح الوطني، التي ستبقى راسخة في ذاكرة التاريخ، من معركة الكرامة، الى معارك الدفاع عن الثورة في لبنان، وليس انتهاء بالانتفاضتين، في داخل فلسطين الاولى والثانية، هذا فضلاً عن المعارك السياسية الباسلة في الدفاع عن منجزات الثورة وعن القرار الوطني المستقل.
ولأن أهم ما حققته “الديمقراطية” وشقيقتاها، “فتح” و”الشعبية”، هو التنظيم السياسي، جامع الارث الكفاحي، الذي يبقى ويستمر، بعد غياب القادة والمؤسسين، فإن “أبو النوف”، يبدو اليوم بعد رحيل رفيقيه أبو عمار والحكيم، كقمر في ليلة ظلماء، أو حكيم ثوري نحتاجه في اللحظة الفارقة الآن، عسى أن ينجح مع الكل الوطني المخلص في تجاوز عثرة الانفصال، هذه اللحظة التي تتوالى فيها فصول الانقلاب الداخلي، لتأخذ في طريقها مكامن الحكمة والتعقل، تأثراً ربما بما يجتاح منطقتنا من انفعالات، تعيدنا الى نقطة الصفر، التي كنا عليها، قبل نحو اربعين عاماً أو يزيد.