الرئيسية » مقالات » المدرسة الشيوعية..المعلم الأول لشهاب التميمي

المدرسة الشيوعية..المعلم الأول لشهاب التميمي

قد يعتبرني البعض مغاليا أو متعصبا،عندما اجزم أن لا وطنية دون الشيوعية،وأنها المعلم الأول لعشرات الآلاف من المفكرين والشعراء والمتأدبين،وأن أغلبية الماثلين على الساحة الفكرية هم نتاج غرسها ومن تعلموا في مدرستها،والقطار الشيوعي الذي يغذ السير في بطاح الجنوب وروابي الجبال،لا زال يسير نحو هدفه،وأن تكاثرت محطات النزول،فلا زال الركاب يتسلقون عربات القطار ليقينهم أنه الوحيد القادر على الوصول إلى المحطة الأخيرة،رغم أنه لا يزال يستعمل الأحطاب وقودا لتحركه في هذا المسير،وأن القطارات الأخرى بما خلفها من دافعات كهربائية ونووية،قد تسبقه في المسير،ألا أنها تبقى قطارات القلة من المترفين والهواة،وليس القطار الشيوعي الذي يركبه الغر النجب المؤمنين بخير الإنسان ومحبة الوطن،ولابد لهذا القطار أن يصل في نهاية المطاف لتحقيق حلم البشرية الموعود،لبناء المجتمع الخالي من الاستبداد والاستعباد والتمايز الطبقي.
وهذه المقدمة بداية للكتابة عن شهيد الصحافة العراقية شهاب التميمي الذي لن يكون آخر الشهداء في المسيرة الطويلة،ولا يكون آخر شهداء الكلمة الحرة المقاتلة،فالعصابات الإجرامية الواقفة خلف اغتياله لا زالت تشحذ سكاكينها لآخرين،رغم أن معالم الاغتيال توحي بأن ورائها أجندات بعيدة تهدف لأخفات أي صوت وطني شريف،حتى لا تبقى غير الإمعات التي تكبر للحاكمين.
ولد الشهيد الفقيد عام 1933 في مدينة الشطرة الباسلة،التي أنجبت خيرة الوطنيين العراقيين،كما هو ديدن الجنوب العراقي،أم ولود لكوادر الحركة الوطنية ورجال العمل العراقي،وشارك في الأحداث العامة في سن مبكرة،ويقال أنه قاد إضرابا في السادس الابتدائي،وبعد أكماله الدراسة الابتدائية عام 1947 أنتقل إلى الناصرية مدينة الخالد فهد لإكمال دراسته فكانت البداية للصراع المرير،وشارك بفاعلية في وثبة كانون الخالدة لإلغاء معاهدة بورتسموث الخيانية،وكان من الموقعين على بيان استنكار تقسيم فلسطين،واهتدى من خلالها إلى الفكر الماركسي الخلاق،ليصل إلى الحقيقة الخالدة في حياة الإنسان،فتأخذ حياته مسارا آخر حافل بالنضال والتصدي،وتبدأ مسيرة الآلام والعذاب والسجون والمعتقلات،ونشط في اتحاد الطلبة العام،وشارك في الوفد الجماهيري لتشييع شهداء الوثبة،وبدأ مشواره الصحفي بمقال في جريدة الوطن،وأوصلته مشاركته في الوثبة إلى السجن ليكون أصغر سجين سياسي في تلك الأيام،فقد حكمت عليه المحكمة (النعسانية) أربعة سنوات سجن وسنتين تحت المراقبة،آخذة بنظر الاعتبار صغر سنه،وقد حول الشباب الشيوعي قاعة المحكمة إلى منصة للخطابة المنددة بالحكم العميل،دون أن تخيفهم العنجهية المتسلطة،وأرسل إلى سجن الموصل ومنه إلى سجن الكوت حيث يقبع فيه قادة الحزب الخالدين والمئات غيرهم من خيرة الكوادر الشيوعية،الذين حولوا سجنهم الى مدرسة خرجت آلاف المناضلين الذين لا زالوا يمارسون دورهم النضالي على أحسن ما يكون الأداء،ولا زالوا موضع تقدير واعتزاز الشعب العراقي وحزبه المجيد،ولنشاطه في الحفلات السجنية التي تقام في المناسبات الوطنية والأممية حكمت عليه المحكمة بعقوبة إضافية لمدة سنة،وتعرض لضرب شديد لأهانته المحكمة ودفاعه عن حزبه الشيوعي،ونقل إلى نكرة السلمان مع مجموعة من السجناء لتصطدم المجموعة الجديدة مع حراس السجن،فيحيله المجرم عبد الجبار أيوب مدير السجن آنذاك إلى محكمة النعساني بتهمة الاعتداء على الشرطة لتضاف سنة جديدة لمحكومتيه السابقة وتصبح ستة سنوات مع سنتي مراقبة.
وبما أن السجن مدرسة للمناضلين،والبوتقة التي تصهرهم لتخرجهم أشد صلابة وقوة،فقد شارك في عدة إضرابات عن الطعام بسبب تعنت سلطة السجن القمعية،،واستفاد منه لتنمية مداركه الثقافية ومعرفه النظرية،فدرس الفلسفة الماركسية،والاقتصاد السياسي ،وتاريخ الحزب الشيوعي ،ومؤلفات الخالد فهد وما تردهم من أدبيات من خارج السجن،وعندما أنهى محكومتيه عام 1953 أطلق سراحه ليمضي سنتين تحت المراقبة في شطرته الباسلة،فاستقبلت المدينة أبنها البار بالأفراح والزغاريد والتجمعات وأقيمت له احتفاليات متعددة،مما أثار السلطة الملكية المجرمة فنقلته إلى مدينة عانه ومنها إلى بدرة،وعندما حاول الهروب القي عليه القبض في مدينة مندلي وصدر عليه الحكم ثلاثة أشهر قضاها في زنزانة في سجن الكوت،فأضرب عن الطعام جراء المعاملة اللا إنسانية ،مما دفع سلطات السجن لربطه إلى عمود في ساحة مكشوفة في زمهرير الشتاء لعدة أيام،وبعد انتهاء محكوميته نقل إلى بدرة لإكمال فترة المراقبة،وبعد انتهاء فترة الأبعاد أنتقل إلى بغداد للمشاركة في النضال مع رفاق دربه الميامين،فالقي القبض عليه وأرسل إلى البصرة لأداء الخدمة الإلزامية في معسكر الشعبية الذي أفرد جزء منه ليكون محجرا للشيوعيين لأبعادهم عن سوح النضال،ولكنه هرب من الحجز ليلتحق بالحزب ويساهم في نضالاته الجماهيرية التي كانت تثير الشارع العراقي وتحفر قبر الملكية البغيضة.
وقد اعتقل عام 1957 من قبل التحقيقات الجنائية،وتعرض لتعذيب بشع أشرف عليه المقبور بهجت العطية والمهان نائل عيسى وأرسل إلى معتقل السعدية في ديالى ومنه إلى سجن البصرة،وأطلق سراحه بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة،فشارك الشعب نشاطاته الهادفة لصيانة الجمهورية الفتية ومحاربة أعدائها المارقين من أبناء النكرات وحثالات العهد الملكي المقبور،وقام بنشر مقالاته في اتحاد الشعب جريدة الحزب المركزية،ومارس نشاطه السياسي في مدينته الشطرة والغراف والناصرية،وبعد انحراف الثورة وهيمنة القوى الرجعية من جديد أعتقل أسوة بغيره من الشيوعيين في سجن بغداد المركزي والموقف العام،وبعد أطلاق سراحه عمل في تنظيمات الناصرية،واعتقل بعد شهور ليطلق سراحه بعد أن أعطى تعهدا بالجلاء عن الناصرية،فانتقل إلى بغداد ليمارس دوره النضالي والصحفي وعمل في جريدة اتحاد الشعب.
وبعد انقلاب البعث الأسود أعتقله الحرس القومي وأرسل إلى قصر النهاية حيث تعرض لتعذيب بشع وحكمت عليه المحكمة الفاشية بالسجن أربعة سنوات مع المراقبة سنتين لأنه حول المحكمة إلى محاكمة للنظام مما دفعهم لإخراجه من القاعة ليتعرض لتعذيب وحشي من جلاوزة البعث العميل،ونقل إلى سجن الرمادي ومنه إلى سجن الحلة ثم نقرة السلمان،وبعد انتهاء محكوميته عاد لمدينته الشطرة لإكمال فترة المراقبة،وبعدها عمل في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية حتى سقوط النظام البائد حيث سعى بكل جهده لإعادة الحياة لنقابة الصحفيين وأصبح عضو مجلس النقابة،ليكون نقيبا لها عام2005.
وقد تركز نضاله الجديد من خلال النقابة،وبذل جهودا جبارة للم شتات الصحفيين والدفاع عن حقوقهم،والمطالبة بتوفير الحماية والدعم لهم،ورغم تقدمه في السن والإجهاد والمعانات كان دائب الحركة في متابعة شؤون النقابة،والأشراف على انتخابات المحافظات وإرساء دعائم النقابة على أسس متينة،رغم الإهمال والامبالات التي عومل بها منتسبي الصحافة والأعلام،وتعرضهم لأبشع هجمة شرسة من العصابات الإجرامية التي عاثت فسادا في العراق،فكان جم النشاط وافر الحيوية،مما جعله هدفا لهذه العصابات التي تمكنت بعد لأي من تنفيذ فعلتها الجبانة في محاولة اغتياله الأخيرة التي أودت بحياته،حيث توفي متأثرا بجراحه الثلاثاء الماضي ليدخل في سجل شهداء الكلمة الحرة الصادقة،لك المجد والخلود أيها الراحل الكريم،فقد بذلت الجهد وأديت الأمانة،ولابد أن يقول الشعب كلمته لينتقم من المجرمين العتاة الذين أحالوا العراق الى حمام دم لتمرير أجنداتهم الإجرامية الخبيثة.