الرئيسية » مقالات » دولة الجنوب القادمة .. المقدس الثابت

دولة الجنوب القادمة .. المقدس الثابت

قبل أيام معدودة تنتصر الإرادة الإنسانية الفذة بأعظم أنجاز تاريخي إنساني يمثل الأمل والتطلع والمستقبل الأروع ويختزل الآلام والقهر والسحق والهزائم الماحقة المتتالية منذ عهد الرومان الأول إلى حدود ساعات الأسبوع الماضي ، ينتزع أبناء كوسوفو وجودهم واستقلالهم ليحققوا إنسانيتهم وتحديد لون وشكل مصيرهم وإتجاهات حياتهم ، ولم تغفل هذه الأمة الرائعة وهي في زحمة فرحتها الكبرى وانشغالها بيوم احتفالاتها أن ترفع لافتات الشكر والإمتنان والعرفان لمن ساندها ودعمها وساعدها من الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة وكل من ساهم في إنجازهم الأعظم هذا ، وبالتأكيد والجزم لم يكن بين من ساهم في إستقلالهم أحد من أمة العرب والمسلمين !! ، بل حدث العكس تماما وقدموا الدعم لخصومهم وأعدائهم من الصرب ..
وقطعا لم يأتي إنتصار الكوسوفيين هذا على العنصريين والإرهابيين والسفاحين والطائفيين والقتلة مجانا ، بل بدماء آلاف الضحايا وأنين الأرامل والأيتام ، وبجهد قادتهم وسياسييهم ووجع مفكريهم ، ومرارة وأصالة مثقفيهم وضمائرهم النابضة ، أؤلاءك الذين توحدوا في الرؤى والنهج والإتجاه والفهم والطروحات ..
هكذا أنتزع أبناء كوسوفو كرامتهم ووجودهم ، ولحقوا بالبوسنيين والكروات والمقدونيين والسلوفينيين وأبناء تيمور الشرقية والخمسة عشرة دولة التي ودعت الأتحاد السوفييتي إلى الأبد بعد معاناة إنسانية مدمرة ..
أن هذه الإستقلالات المتوالية والمتتالية والتي سوف لن تتوقف إلى حين ، والتي حصلت منذ عام 1991 إلى يوم استقلال الكوسوفيين هذا ، لم تأتي عبثا أو مصادفة سياسية محضة ، أو تلبية لرغبات أمم ومجتمعات بالإنفصال والإستقلال ، بل نتيجة إرادة إجتماعية حية خلاقة ، امتزجت بوعي عميق ومفاهيم سياسية دولية حديثة ..
فلنتأمل سريعا في هذا الإتجاه ونستدعي التاريخ ونستحضر بعض مفردات الثقافة والسياسية المعاصرة ..
الكوسوفيين قومية ألبانية مسلمة وذات إنسجام عرقي وأثني واحد ، وهذه المفردات العرقية والقومية والدينية المنسجمة هي التي شكلت الأسس العملية والواقعية في إنجاز دولتهم واستقلالهم ، وكذلك هم البوسنيين والكروات والسلوفينيين والمقدونيين والتيموريين وباقي الدول المستقلة حديثا ، وكذلك هو طموح أقليم كيوبك الفرنسي في كندا ـ وإقليم الباسك في اسبانيا ـ والشماليين الإيطالييين ـ والآيرلنديين ـ والأبخازيين في جورجيا ـ والبربر في الجزائر والمغرب ـ والجنوبيين السودانيين ـ والكورد في تركيا والعراق وإيران وسوريا ـ وأقليم الإحساء والقطيف في السعودية ـ والعراقيين الجنوبيين الخ ..
إن إتجاهات السياسة العالمية تتبنى اليوم صيغة قيام الدول والمجتمعات ذات الإنسجام الثقافي العرقي والقومي والديني والمذهبي الواحد للخلاص من الآلام والمشاكل والقتل والإستبداد والحروب الداخلية اللامتناهية ، والعراق والسودان وتركيا ودول أفريقية وأندنوسيا ويوغسلافيا والإتحاد السوفييتي سابقا والآيرلنديين والباسكيين وبؤر توتر عالمية كثيرة أخرى لهي أمثلة حية ماثلة أمامنا على هذا الألم والموت والدمار اللامنتهي للمجتمعات اللامنسجمة ثقافيا وعرقيا ودينيا وقوميا ومذهبيا ..
إن توجه السياسة العالمية الجديد هذا لبناء ونشوء الدول الحديثة على هذه الأسس ، والإتجاه بها نحو البناء والتنمية الأقتصادية بكل عناوينها وأشكالها وترسيخ القيم الليبرالية والديمقراطية في وسط مجتمعات هذه الدول الناشئة حديثة الولادة ، لهي الخطوة الإنسانية الأهم والأرقى في تاريخ مسيرة الألم الإنساني والخلاص منه إلى الأبد ، والحل الأنجع للإنتاج الإقتصادي والرفاهية والأمن وللتعايش والإستقرار بين الشعوب والمجتمعات ..
إن جميع دول العالم المستقرة إجتماعيا وسياسيا ، قائمة على هذه الأسس والقيم الثقافية المنسجمة ، والإستثناء من هذا الولايات المتحدة الأمريكية فهي خليط ثقافي إثني وعرقي في تجمع غرائبي للأجناس البشرية ، والأكثر غرائبية أن يشكل ذلك القاعدة الثقافية والإرتكاز السياسي لأمة هي القوة الأعظم في تاريخ البشرية سياسيا وعسكريا وأمنيا وتكنلوجيا واقتصاديا وعلميا وفنيا وثقافيا ، وهذا الشذوذ والأستثناء في استقرار المجتمع الأمريكي لم يأتي عبثا أو مصادفة عابرة أو لجمالية الجغرافيا الأمريكية ، أو نتيجة لتلاقح الثقافات المتمايزة ، بل هو نتيجة راقية لقيم أنسانية ليبرالية وديمقراطية مترسخة ، ولنتاج أقتصادي أرقى وانتاج علمي وتطورات تكنلوجية أعظم ، هذه النتائج العلمية والرفاه الاقتصادي والتكنلوجي هي المعادل العملي والبديل النفسي للهوية التاريخية لإنسجام المجتمع الأمريكي واستقراره وبلورة هويته الوطنية الواحدة رغم تلون وتعدد وتمايز ثقافاته الفرعية ، وهناك سياسات عملية وعلمية مساندة وفاعلة في توحيد وانسجام المجتمع الأمريكي ـ تحديد المخاطر المستقبلية واثارة المخاوف الدائمة ـ أي وضع المجتمع في حالة تحدي خارجي دائم ومتواصل ، وهذا يفرض عليه التوحد النفسي الجماعي و يدفعه باستمرار إلى الأصطفاف خلف حكوماته وقياداته السياسية المتعاقبة ، وقد رأينا بعض من تلك المخاطر والتحديات المتمثلة بوجود الخصوم والأعداء كما هو الحال في الخصم السابق الإتحاد السوفييتي ، أو خلقهم وتوهمهم وتضخيمهم كيما يتماسك المجتمع أكثر ، وإن كانوا لا يمثلون خطرا حقيقيا على الأمن والمستقبل الأمريكي ، ، كما هو الحال مع بن لادن وإرهابه والذي يشكل خطرا تاما على نفسه وانتماءه قبل أن يشكل خطرا جادا على مستقبل أمن الولايات المتحدة ..
وما يشكل صميم أهتمامنا من كل ذلك هو واقعنا العراقي الجنوبي ، فالعراق بجغرافيته الحالية التي فرضت قسرا وقهرا واستبدادا والتي رسمت وتحددت تلبية لرغبات ومصالح السياسة البريطانية قبل أكثر من ثمانين عام ، والتي أعترف بها رئيس وزراء بريطانية ـ توني بلير ـ قبل عامين عندما قال ( أرتكبنا خطأ قبل ثمانين عام وعلينا تصحيحه )!! والإعتراف المتأخر بهذا الخطأ لهو الذي نزف بسببه مجتمعنا ووطننا الجنوبي الآلام والدمار والتردي والتخلف بكل مستوياته وألوانه لعقود طويلة ، وما زلنا ندفع ضرائبه الباهضة والمكلفة جدا من دماء وموت ووجع وجوع وفقر ومرض إنساننا الجنوبي ..
إنه لتجمع عشوائي خطر ومميت لقوميات وطوائف ومذاهب وأقليات عرقية وأثنية لارابط قيمي أو مفاهيمي أو عقدي أو انسجام ثقافي أو تاريخي بينها سوى المصالح السياسية ، بل إن هذه الصورة العشوائية هي اليوم أشد وضوحا وتعبيرا عن ذاتها وطبيعة التنافر بين عناصرها المتخاصمة حتى الموت ، فالشيعي مكفر ومرتد وخائن وعميل ورافضي وصفوي وهندي وبلوشي ومتخلف وفقير وذيل للمحتل الأمريكي والإيراني ، وممنوع السماح له بالحياة ، وبناء عليه صدرت بحقه الفتوى بإخراجه من الملة والدين والقومية ، وتحولت هذه الفتوى إلى مصاديق عملية وحية ومباشرة بالقتل والذبح والحرق والتفجير والتهجير ونسف المقدسات والبغض والكره المؤبد ، والسنًي ناصبي وهابي مخالف في التدين والإعتقاد ويبغض آل البيت وموالي لمعاوية ويزيد ويستهدف تخريب الوحدة الوطنية ويتبنى القومية العربية الشوفينية ولاتنسجم متبنياته الدينية والقبلية مع النهج الديمقراطي ، وعليه لابد من أن يقتل ويهجر ويدمر ، والعربي يفرض على الكوردي أن يردد شعار أمة عربية واحدة ، وهو أمة كردية واحدة ، ولن يسمح له بالتحدث بلغته وممارسة ثقافته القومية ويمنع تدريسها في مدنه وقراه ، والعربي يصاب بالهستيرية وتتملكه الشوفينية وتسيطر على حواسه وتخرجه من طوره الإنساني إذا ما طالب الكوردي بحقه في تقرير مصيره وحقه بالحياة التي يريد ، وعليه يدفع الكوردي ثمن هذه الحساسية العربية المجيدة ، مئات الآلاف من الضحايا والمقابر الجماعية والأنفال وينعت بالعصيان والعمالة لإسرائيل وتخون قياداته التاريخية ، وأن كركوك هي قدس أقداس العرب والكورد والتركمان والكلدان ، ليس لأن أسمها كركوك ، بل لأنها ـ كاكنفط ـ ، والكوردي لايفهم الفرد العربي إلا قاتل غشوم يساند الأنظمة التي قتلت الكورد في جبالهم ، والتركماني يجد نفسه محاصر بين نارين أو ثلاث فهو بين عنصرية الكورد وشوفينية العرب السنة وبين تخلي الأكثرية الشيعية عن الشيعة التركمان وأن حقوقهم التاريخية بالعراق بإعتبارهم القومية الثالثة مغتصبة ، وأن الكلدوآثوريين مسحوقين مهمشين لاحقوق تذكر لهم ، وهم العراقيين الأصلاء ، وأن المسلمين صادروا بلدهم وانتهكوا وجودهم وفجر كنائسهم وهجرو الآلاف منهم الى خارج العراق ، وهكذا الصابئة والإيزيديين والشركس ، إنه التعايش العراقي التاريخي الإجتماعي المثال !!! .
البعض يعبر عنها بـــ (مكونات الشعب العراقي) أو (ألوان الطيف العراقي) أو (الفسيفساء العراقية) وهي تعابير عاطفية ساذجة وسياسية مجاملة مخادعة للذات وخادعة الآخر ، وهي لن تحل إشكالية تعايش واحدة أو تحقن قطرة دم بريئة ، ولقد شاهد العالم وشاهدنا وعايشنا كيف تفجرت وأنهارت كل عناوين التعايش الهش بعد غياب الاستبداد في لحظاته الأولى وانفلات القبضة الحديدية ـ للدولة القهرية ـ عن المجتمع ، وإذا كان التعايش والإستقرار الأجتماعي الظاهري وعلى إمتداد فترات زمنية محددة ، فإنه لم يأتي نتيجة لما مر ذكره من أسباب أقتصادية أو تطورات تكنلوجية أو علمية لدى بعض المجتمعات ، أو هوية وطنية واحدة ، بل كان نتيجة تعسف وقهر واستبداد بني على أكوام الجماجم وملايين الأشلاء والضحايا ، ولا ننسى 750 ألف رجل أمن في بغداد وحدها ، و13 جهاز أمنيا مروعا ومرعبا في العراق ، وعشرات الفرق والتشكيلات العسكرية التي وصل عديدها وتعدادها الأربعة ملايين فرد ، هذه هي أدوات وآليات الوحدة الإجتماعية والتعايش والإستقرار الإجتماعي التاريخي الملغوم ؟! والتي تفجرت مباشرة بعد إنهيار تلك الأدوات والآليات الضاغطة لمكونات الشعب العراقي وفسيفساءه وطيفه بالألوان الزاهية ! المريحة جدا لضمير السياسي عندما يتلفظها بعاطفة ساذجة أو بخبث متمكن فائق ..
لذلك لن تشفع لهذا التجميع البشري القسري المخالف للطبيعة وقوانينها ، والفطرة الإنسانية وسننها ، والجغرافيا وتضاريسها الأمنية ، عمليات الترقيع السياسي والطروحات الثقافية الحالمة بالتعايش ومؤتمرات الوحدة والمصالحة الوطنية والتزاوج العشائري والمشتركات الدينية ..
من هنا ياتي فهمنا للحالة العراقية المعلولة عرقيا وقوميا ودينيا ومذهبيا وعقم الحلول السياسية المطروحة ..
إن الجنوب يتوفر على كل الأسس والمعايير والهوية التاريخية والإنسجام القومي والديني والمذهبي والثقافي الواحد لولادة الدولة القادمة ، فالقبائل الجنوبية الأم ، ثلاث ـ زبيد ـ ربيعة ـ طي ـ ومنها تتفرع جميع العشائر العراقية دون استثناء وبحكم ذلك فالإنسجام القومي واحد ، ودين الأغلبية المطلقة هو الإسلام ، والمذهب الغالب جغرافيا هو التشيع ، الإتساق والنسق والإنتاج الثقافي والمعرفي العراقي الحضاري والتاريخي والإسلامي هو في الجنوب ومنه ، إذن فالهوية الثقافية والوطنية المتبلورة واحدة ، كل هذه المكونات والعناصر وأخرى غيرها تشكل القاعدة الأهم في نشوء وتكوين الدولة الجديد ..
إذن فالجنوب قادم لإستعادة وجوده وصفته العراقية التاريخية كدولة منتجة للحضارات والقيم الإنسانية الخلاقة ، والجغرافية العراقية الحالية هي ليست العراق التاريخي كما تصورها لنا العواطف المسيسة ، وهي ليست مقدس لا يمس كما يتوهم البعض ويستهدف البعض الآخر ، فقط دولة الإنسان الجنوبي القادمة مقدس ثابت ، والمرء لا يضحي إلا لمقدساته ..
كما أن واقع الاتجاه الجديد للسياسات العالمية في نشوء الدول واستقلالها لايعتني بالعواطف ، ويستهزء بهذا التقديس الجغرافي المستبد ، ويسخر من الوحدة الوطنية على حساب آلام الناس وفقرهم ، ولا ينتمي إلى لغة الخيالات الثقافية والشعرية الحالمة بالتعايش الوهمي ، إنه الصادم الأخطر الآتي لإنتاج الوعي بحقوق الحياة وانتزاعها ، إنه يحترم الحلول العلمية السياسية العملية ، ويقدس الإرادات المنتصرة في صراعاتها من أجل إستعادة حقها ووجودها ..
عندما أرى الإنسان الجنوبي وهو مرفه كريم في بيت حديث راقي ، ومعافى صحيا ومتقدم تربويا ويسيطر على ثرواته ومستقبله ووجوده ، فلتذهب كل المخاوف والإحتجاجات إلى أعماق الجحيم ونهاياته .