الرئيسية » مقالات » الثابت والمتغير في الشخصية القيادية بعد احتلال بغداد

الثابت والمتغير في الشخصية القيادية بعد احتلال بغداد

برزت على الساحة السياسية في العراق بعد احتلاله شخصيات سياسية عديدة بعضها خاض تجربة القيادة وتبوأ مناصب سيادية وبعضها ينتظر دوره من خلال الدورة الانتخابية الجديدة أو التسلسل الإداري الطبيعي.

ولا شك أن من يخوض تجربة القيادة في العراق لا سيما في مثل هذه الظروف المريرة لا شك أنه سيخرج منها بحصيلة كبيرة من فنون السياسة والقيادة والإدارة والتحرك في أطر قانونية وغير ذلك كثير، غير أن حجم تلك التجارب تختلف من شخصية إلى أخرى ويخضع ذلك بالتأكيد إلى طبيعة وحجم تحركات أولئك القادة ونسبة استغلالهم للوقت وبالتالي المدة التي قضوها في مناصبهم.

وتأسيسا على ما تقدم فإن بعضهم لم تضف تلك التجربة لرصيده الشيء الكثير بينما خرج بعضهم بحصيلة كبيرة وقيمة مضافة إلى تجارب حياتهم.

إن الأهم في الموضوع أن هناك ثوابت ومتغيرات في أية شخصية وهي خاضعة بدورها إلى ما تؤمن به الشخصية القيادية وإلى انتماءاتها، لكن في المقابل توجد ثوابت عامة يُفترض أن تكون مشتركة بين الجميع كحب الوطن، واحترام الإنسان واعتباره قيمة عليا، والإيمان بالرأي والرأي الآخر…الخ.

وباعتماد الثوابت المشتركة كمعيار لتصنيف الشخصية القيادية في العراق بعد الاحتلال نجد أن الذين شاركوا في قيادة العراق بعد الاحتلال والذين تسنموا مناصب سيادية ظهر بينهم ثلاثة أصناف وهي:

أولا: الثابت الذي التزم على طول الخط بالثوابت المشتركة.

ثانيا: المتغير وهو الذي لم يلتزم بتلك الثوابت.

ثالثا: المتذبذب وهو حالة وسط بين الأمرين يثبت مرة ويتغير أخرى.

وسنخضع في هذا المقال نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي للقياس وفق معايير الثبات في إطار مفهوم الثابت والمتغير آنف الذكر باعتباره من الشخصيات البارزة التي قادت العراق فيما بعد احتلال بغداد.

في أول ظهور له كنائب رئيس جمهورية أظهر الهاشمي مرونة كبيرة على الحركة والتأقلم مع الوضع الجديد ومن المؤكد أن منصب الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي (معتدل) جعله يمر بمرحلة تمهيدية اكتسب خلالها تجارب كثيرة في فنون القيادة، ويبدو أن الرجل خرج من شرنقة الطائفية قبل تسلمه لمنصبه الحالي مما جعله جاهزا لتسنم مثل هذا المنصب، بخلاف رأي الذين يرون أن سطوع نجمه كان بسبب عدم موافقته على أداء الحكومة وملاحظاته التي يضعها على كل شيء يقع أمام أنظاره على طريقة (خالف تعرف).

إن الثبات هو السمة الغالبة على السيد طارق الهاشمي فإن جميع الانتقادات التي وجهت إليه بخصوص اعتراضاته وعدم قبوله لهذا الشيء أو ذاك لم يزده الا اصرارا ولم يبدِ الرجل أمام تلك الانتقادات الا قناعة تامة، وتنبع تلك القناعة من مقدار الثقة العالية بما يقوله وبالفعل عندما قام أحد القانونيين بدراسة اعتراضات طارق الهاشمي على القوانين باعتبار اعتراضاته تمثل النسبة الأكبر بين اعتراضات بقية أعضاء مجلس الرئاسة، وجد أن تلك الاعتراضات قانونية فعلا وما تثبته من مخالفة لهذه المادة القانونية أو تلك أو قصور هذا المشروع عن تحقيق الفائدة واضح ولا يقبل الشك، وأنه لم يُرد من تلك الاعتراضات الا فائدة مضافة. وقد كتب في هذه القضية كتاب معروفون أمثال حامد نصار ومحمد عبد الجبار الشبوط وغيرهم .

وظل الهاشمي يدافع عن حقوق الإنسان وقد تبنى ملف المعتقلين ونادى باحترام الإنسان وصون كرامته رغم كل الضغوط التي واجهها، كما أن هذا الملف لم يدخل ضمن ملفاته التي تخضع للمصالح السياسية، حيث أن أي سياسي يحتفظ ببعض الأوراق لإظهارها في وقت مناسب، وكذلك ملف الخدمات، ومشروع المصالحة الوطنية كل تلك الملفات ظلت ملازمة لتحركاته لكنها خارج إطار اللعبة السياسية ( طبعا بنسبة معينة وليس على الاطلاق) وبعيدة عن التجاذبات السياسية التي يمليها أحيانا الانتماء السياسي.

إذن ما نستنبطه من شخصية هذا الرجل أن المرونة في التعاطي لا تعني مرونة في الثوابت المشتركة التي تخص الوطن والإنسان، فالتعاطي يكون بقضايا أخرى مرنة قابلة للشد والإرخاء، للأخذ والعطاء، للتمسك والتنازل.

وعموما فالذين خاضوا تجربة القيادة والسياسة في العراق لم تذهب تجربتهم سدى غير إن هناك أمر هام بل هو الأدهى والأمر الا وهو الذين تسببوا خلال تجربتهم في الدولة بسفك دم حرام.