الرئيسية » مقالات » جدلية الفكر الثوري بين المشرق والمغرب العربي اليسار الجديد في المغرب واليسار الفلسطيني …

جدلية الفكر الثوري بين المشرق والمغرب العربي اليسار الجديد في المغرب واليسار الفلسطيني …

أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس/ الرباط

الجيل السياسي المغربي الذي سينهض بمهمة تأسيس منظمة يسارية في نهاية الستينيات ومطالع السبعينيات؛ والذي التأمت مجموعته تحت عنوان مميز وممايز للآخرين هو الاشتراكية، كان أمامه أن ينهل هذه الاشتراكية من مصدرين:
• من مصدر متوفر في البلد ومثّله تاريخياً الحزب الشيوعي، وقسم من اليسار كان منضوياً في إطار الحزب الشيوعي ـ «حزب التحرر والاشتراكية» فيما بعد ـ لكنه لم يعد يجد في أدبيات الحزب ما يجيب مطالب ثقافية وسياسية تشكلت لديه في صلته بقضايا المجتمع وقضايا العالم.
• أو من مصدر ثاني لم تكن مادته وطنية، وهذا المصدر هو حركة التحرر الوطني العربية أو الفكر اليساري، الفكر الاشتراكي العالمي.
في هذه النقطة بالذات ربما كان لليسار العربي دور مهم، ولا أقول فقط الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، كانت الجبهة الديمقراطية وكانت تنظيمات أخرى مثل المنظمات الاشتراكية في سوريا ولبنان واليمن، ومثقفي هذه التنظيمات الذين كانوا يسهبون كتابة في كبرى الدوريات العربية ومنها «الحرية».
وها هنا فقط نستطيع أن نلحظ التأثير الذي مارسته أدبيات حركة التحرر الوطني وخاصة «الجبهة الديمقراطية» في وعي هذا الجيل من المناضلين الذي سيشكل تنظيمات اليسار.
للأمانة علينا أن نعترف بأن مجلة «الحرية» لم تكن تقل في تأثيراتها الفكرية والسياسية عن أية مجلة أخرى كان اليسار المغربي مهتماً بالإطلاع عليها، ولعلها لم تكن أقل تأثيراً من الكتب المرجعية التي كان يرجع إليها ككتابات ماركس أو لينين أو ماو تسي تونغ.
وثمة جيل هو الثاني بعد جيل التأسيس تهجأ مفردات الاشتراكية والثورة وكذا، من خلال مجلة «الحرية» والمقالات التي كانت تنشر فيها. وأستطيع بتجربة شخصية أن أشهد بأن كثيرين ما تعرفوا على الفكر الاشتراكي في كتب ماركس وإنجلز ولينين، وإنما في كتابات يساريين عرب، خاصة في مجلة «الحرية». ولذلك فحينما نتحدث عن صلة اليسار المغربي بالجبهة الديمقراطية علينا ابتداء أن نسجل التأثيرات الواسعة التي مارستها مجلة «الحرية» بالنسبة لوعي هذا الجيل.
بقي السؤال الأساس، أشرت في البداية إلى أن ثمة تنظيمات عديدة في الوطن العربي تشترك مع الجبهة الديمقراطية في نفس النسب الثقافي والفكري والسياسي، ولا تقل مساهمتها في هذا الباب عن مساهمة الجبهة الديمقراطية، لكن الجبهة الديمقراطية انفردت من دون سواها من التنظيمات بممارسة أبلغ تأثير على اليسار المغربي. السبب في ذلك في تقديري يعود إلى جملة أمور لعلي أذكر منها هنا ثلاثة:
• أولها أن الجبهة الديمقراطية تضم فلسطين، وفلسطين كانت تعني الكثير في الوجدان الجمعي لدى المغاربة وخاصةً لدى هذا الجيل من المناضلين. وطبعاً فلسطين كانت مختبراً لقياس درجة حرارة مصداقية الأفكار التي يمكن أن يعبر عنها كأفكار جديدة، أي كأفكار قابلة للتطبيق وقابلة لأن يستوثق من نجاعتها في مجال الممارسة. فإذن لأن الجبهة الديمقراطية تضم فلسطين، كان لها الإشعاع الأكبر قياساً لغيرها من تنظيمات اليسار التي خرج الأعم والأغلب منها من جوف حركة القوميين العرب عقب هزيمة 67، بعد الحقبة الناصرية لحركة القوميين العرب، وهي الحقبة التي بدأت في مطالع الستينيات وقادها الرموز أنفسهم الذين سوف يؤسسون تنظيمات اليسار (نايف حواتمة، عبد الفتاح إسماعيل، محسن إبراهيم، جورج حبش وآخرون).
• السبب الثاني في هذه الجاذبية والإغراء اللذين كانا للجبهة الديمقراطية في تفردها كتنظيم يساري عربي في تقديم رؤية برنامجية متكاملة بالترابط بين المسألتين الاجتماعية والوطنية، وكان أيضاً لفلسطين دور في هذا المجال، التقليد الدارج لدى الشيوعيين العرب كان ممارسة العزل بين المسألتين، وحسبان المسألة الوطنية على جدول أعمال طبقات أخرى وقوى أخرى. وهذا كان هو السبب في أنهم أخطأوا إدراك مركزية القضية الفلسطينية في تقرير المصير العربي، فقبلوا بمبدأ التقسيم ليس فقط بسبب اتباعيتهم السياسية للمركز الموسكوفي، ولكن نتيجة تحليل خاطئ يقول: «إن هذه القضية ليست قضية تحرير وطني، هي قضية صراع طبقي ما بين طبقتين، طبقة بروليتارية عربية ويهودية وطبقة برجوازية عربية ويهودية، لأن الجوهر في القضية الفلسطينية هي المسألة الاجتماعية وليست المسألة الوطنية. ولذلك جنحوا نحو موقف تأييد التقسيم، ونقد القيادتين: العربية الممثلة بالحاج أمين الحسيني، والصهيونية الممثلة بالحركة الصهيونية».
الجبهة الديمقراطية قدمت هذه الرؤية البرنامجية التي تستند إلى رؤية الترابط الماهوي بين المسألة الاجتماعية والمسألة الوطنية، مقتربة أكثر من غيرها من القضايا التي تطرح نفسها على جدول أعمال مجتمعاتنا، لأن مجتمعاتنا فعلاً أنجزت استقلالاً وطنياً، ولكنه لم يكن استقلالاً كاملاً، ناهيك بأن المسألة الوطنية هنا بمعناها الأوسع هي المسألة القومية، ما تزال مطروحة على جدول أعمال حركة التحرر العربي وإقامة عوازل جغرافية بين مناطقه. هذه الرؤية كانت لها فائدة عظيمة في تنبيه جمهور كبير من المناضلين العرب ومنهم مناضلو اليسار، تنبيهه إلى إعمال تفكير جدلي في العلاقة بين المسألتين. والمسألة الوطنية هنا بالنسبة إلينا كانت مزدوجة: المسألة الوطنية في الداخل حيث كان الشعار آنذاك أن المغرب لم يستكمل استقلاله، والمسألة الوطنية في المحيط العربي حيث كان الشعار هو الوحدة العربية كطموح نهضوي بالنسبة إلى الحركة الوطنية وإلى اليسار الجديد على نحو خاص.
فإذن نقد تلك الرؤية الشيوعية التبسيطية القائمة على أساس اجتزاء المسائل واحتساب المسألة الاجتماعية هي أم المسائل بالنسبة إلى الماركسيين، وبلورة منظور يأخذ بهذا الترابط، كان واحداً من الأسباب التي جعلت صورة الجبهة الديمقراطية تبهر أكثر من غيرها من تنظيمات اليسار العربي، حتى اليسار المصري.. بل لعلها، هذه الرؤية، كانت مدماكاً قام عليه صرح فكري تنظيري في الساحة العربية، ولأن القضية ترتبط بفلسطين، كان للجبهة الديمقراطية إشعاع تقديم مساهمة رائدة، بالنظر إلى الترابط بين المسألة الاجتماعية والقومية.
• لكن الإغراء الثالث بالنسبة للجبهة الديمقراطية هو كونها خاطبت وجداناً يسارياً جماعياً، راودته فكرة الثورة، من أحزاب رأت فيها أحزاباً إصلاحية، أو أحزاباً برجوازية صغيرة أفلست، ولم تستطع أن تنتقل انتقالتها النوعية نحو فكرة الثورة. الجبهة الديمقراطية كانت جزءاً من نسيج ثورة موجودة على الأرض حتى قبل قيامها. والأهم في ذلك أن الجبهة الديمقراطية قدمت تجربة في تحقيق مبدأ العنف الثوري كما أشرت، قياساً لباقي التنظيمات، أستثني من ذلك الجبهة الشعبية لتحرير ظفار والخليج العربي، أو الجبهة القومية في اليمن. سائر التنظيمات غير هاته التي ذكرت كانت تتحدث عن العنف الثوري لكن حديث نظري، واليسار في المغرب أحد تلك التنظيمات.
الجبهة الديمقراطية إذن قدمت مثالاً مرجعياً، في ما معنى أن تمارس منظمة سياسية مبدأ العنف الثوري عبر انخراطها في الكفاح المسلح. هذا أيضاً كان موطن إغراء في تجربة الجبهة الديمقراطية.
طبعاً الحديث عن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين هو حديث عن مراحل، ليست هناك جبهة منذ أن تشكلت ما تزال مواقفها هي نفسها، كأي تنظيم آخر.
وبالتركيز على الأدوار التي نهضت بها الجبهة الديمقراطية بالنسبة إلى اليسار في مرحلتها الثانية.
• مرحلتها الأولى تبدأ منذ تأسيسها في العام 1968 بعد الاستقلال عن الجبهة الشعبية. والمرحلة الأولى هذه هي المرحلة التي لم تكن هي فقط من تبنى صيغة الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل فلسطين، وإنما هذا كان برنامجاً وطنياً فلسطينياً نص عليه نصاً مباشراً في الميثاق الوطني، بعد أن آلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى فصائل المقاومة عام 1968، واستقالة المرحوم أحمد الشقيري، وبعد صعود الشهيد ياسر عرفات رئيساً للمنظمة عام 1969، كان الميثاق الوطني الفلسطيني ينص على هذا الحل الديمقراطي.
• المرحلة الثانية تبدأ عند الجبهة الديمقراطية بعد هزيمة الثورة في عمان ومعارك أحراش جرش وعجلون في الأردن. وفي المرحلة الثانية تبين أن الجبهة الديمقراطية نجحت في الاستيعاب السريع واليقظ، لهذا المتغير الكبير في تاريخ الثورة الفلسطينية، وهو اقتلاعها من موقع أمامي متقدم على تخوم أرض فلسطين. وانطلاقاً من هذه الضربة القاسمة التي تلقتها الثورة في عمان، وفي الأردن، بدأت تنضج فكرة المرحلية في فكر الجبهة الديمقراطية، وكانت مبادرة وصولاً إلى ما أطلق عليه برنامج النقاط العشر الذي طرحته الجبهة الديمقراطية في صيف عام 1973 وطرحته لنقاش داخلي ثم لنقاش عمومي كانت نتيجته أن تبني المجلس الوطني الفلسطيني رسمياً برنامج النقاط العشر، فصار اسمه البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي يقضي بمرحلة النضال الوطني الفلسطيني وصولاً إلى الهدف الاستراتيجي الذي رسمه الميثاق. وحينها لم يكن الحديث عن دولة فلسطين مستقلة في أراضي الضفة والقطاع، في أراضي 1967، وإنما كان الحديث يجري عن بناء سلطة وطنية تكون مقدمة للتحرير الشامل. ولم يكن حتى وارداً في 1979 أن يقال دولة فلسطينية مستقلة كانت ترفض القرار الأممي 242 لأن منظمة التحرير الفلسطينية كانت ترفض القرار 242 فكانت الصيغة هي دولة فلسطينية مستقلة، أما حدودها فهذا موضوع ثاني. أما الاعتراف رسمياً فقد جرى في المجلس الوطني التاسع عشر في تشرين الأول (أكتوبر) 1988 في الجزائر، والاعتراف رسمياً بالقرار 242.
أستطيع هنا أن أتحدث عن ثلاث مساهمات قدمتها الجبهة الديمقراطية بالنسبة إلى الساحة الفلسطينية، إلى اليسار العربي وإلى اليسار الجديد في المغرب.
• المساهمة الأولى كما قلت هو فكرة المرحلية ورديفها الواقعية السياسية وقراءة موازين القوى وحساب الربح والخسارة حساباً استراتيجياً دقيقاً، والتخفف من عبء الجملة الثورية وإعادة بناء السياسة على قاعدة المصلحة والممكن وليس على قاعدة الواجب، لان الواجب إذا لم ترفده ممكنات وموازين قوى فإنه يظل واجباً نظرياً وانتهى الأمر، لكنه على الأرض لا يتحقق منه شيء. فكرة المرحلية أعطت الجبهة الديمقراطية موقعاً مركزياً داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. ليس تفصيلاً أن البرنامج الذي تعيش عليه الحركة الوطنية الفلسطينية منذ ثلاثة عقود صاغه تنظيم ناهض بالقياس على عمره حينها، متحولاً وبتسارع قياسي إلى تيار جماهيري، في جسم هذه الحركة اسمه «الجبهة الديمقراطية». وفي المفاصل الكبرى حيث كانت القضية الفلسطينية تعيش منعطفات خطيرة، كان موقف الجبهة الديمقراطية موقفاً حاسماً. ولعل حركة فتح وقائدها الراحل أبو عمار كان يدرك ذلك، وكان موقف الجبهة الديمقراطية بالنسبة إليه بمثابة «الترمومتر» أو البوصلة لقياس الاتجاهات. وعادةً ما كانت مواقف الجبهة الديمقراطية لا تجد لها تصريفاً من خلال قواها الذاتية فقط كتنظيم، لكن تجد لنفسها تصريفاً من خلال الحركة الوطنية لأنها لم تكن تفكر بمنطق التنظيم، كانت تفكر بمنطق حركة شعب.
فإذن نحن ربما على الأقل، وأتحدث عن المرحلة التي عشتها في السبعينيات، نحن تعلمنا مفردات المرحلية من تجربة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. كان منا من رأى في ذلك تراجعاً استراتيجياً فادحاً عن برنامج الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل فلسطين، ثم راجع رأيه. وكان منا من التقط مبكراً أهمية هذه الانعطافة التي مثلتها فكرة المرحلية فأدرك بأن هذا هو الأفق الوحيد المفتوح أمام الحركة الوطنية في ظل مرحلة تميّزت بالتحلل العربي التدريجي من قضية فلسطين. خاصةَ بعد نهاية الناصرية بعد وفاة عبد الناصر وصولاً إلى «كامب ديفيد» وإخراج مصر من الصراع العربي الصهيوني، وحصار قضية فلسطين في أضيق حدود ممكنة، وطبعاً وصولاً إلى اقتلاعها بعزم صهيوني من لبنان. الأمر الذي كانت تضمر معه الهوامش المتاحة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية في الحركة، وكانت تبعات ذلك انضمامها التدريجي إلى محطة الوضع العربي الرسمي، وهذا هو السبب في اضطرارها إلى القبول بالكثير من القرارات والمواقف الموجعة وانصراف كثير من جمهورها عن تنظيماته، وصولاً إلى انصراف كبير نحو تنظيمات الحركة الإسلامية. هذه التراجعات لا ينبغي أن نحسبها على خط انحداري في عقل الثورة وبرامجها، ولكن في إطار محيط كان يضيق الخناق على الثورة، انضاف إليه طبعاً المحيط الدولي.
فإذا تعلمنا من الجبهة الديمقراطية مفردات المرحلية، كيف تمارس هذه المرحلية في السياسة، ورديفها كما قلت هو الواقعية السياسية.
• ما قدمته الجبهة الديمقراطية لليسار ثانياً هو مصالحته مع المعسكر الاشتراكي ومع الاتحاد السوفييتي. كان قسم من اليسار لا يشكك فقط في وفاء الاتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية المساندة له إلى الماركسية اللينينية، وإنما يشكك في الماركسية اللينينية أو قل في اللينينية، في كون اللينينية تمثل هذه الماركسية في كون الاتحاد السوفييتي يمثل هذه اللينينية. وكان الإغراء الشعبوي كبيراً وقدمته التجربة الآسيوية في الصين وفيتنام بالنسبة إلى اليساريين، وكنا نستطيع أن ندحض الرأسمال المعنوي الكبير لدى هؤلاء الذين يقفون على يسار اليسار. يعني أنه إذا كان اللينينيون يقفون على يسار الشيوعيين فقد أصبح الماويون والتروتسكيون يقفون على يسار اللينينيين وكان لهم اعتبار خاص كمناضلين جذريين راديكاليين.
الجبهة الديمقراطية في بداية نشوئها لم تكن تسلم من وجود كثيرين من المناضلين الآتين إلى رحابها من ضفاف فكرية غيفارية وماوية وتروتسكية..الخ، لكن الجبهة الديمقراطية حسمت أمرها العام 1970. أدركت بأن هذه الطوباوية الفكرية لا تناظر إمكانية سياسية على الأرض، لا تستطيع أن تؤسس في ذلك الوقت سياسة على فرضية دعم صيني أو دعم فيتنامي لها. لذلك حسمت أمرها وتبنت العلاقة التحالفية الإستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، فأنصفت عبد الناصر الذي كانت تهمته بأنه كان يراهن على السوفييت ولا يدرك الأفق المحدود للموقف السوفييتي حيال قضايا الصراع العربي الصهيوني، فإذن تصالحت مع المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، وصالحت الساحة الفلسطينية مع هذا المعسكر، وأستطيع أن أقول بأنها صالحت قسماً كبيراً من اليسار العربي مع الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي.
هذه المسألة ثانية قدمتها الجبهة الديمقراطية إلى اليسار العربي إجمالاً ومنه اليسار المغربي.
• ثالثاً، ثالث ما قدمته الجبهة من مساهمة لنا جميعاً هو مصالحة هذا اليسار مع الحركة الوطنية الفلسطينية. كنا نتصارع في المغرب وكانت فلسطين موضوع صراع داخلي، وكان الواحد منا ينتظم في هذا الصراع مع رديفه أو نظيره في الساحة الفلسطينية.
لم تكن صورة فتح طيبة لدى اليسار، ربما لأنها كانت كذلك لدى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أو لدى الاتحاد الاشتراكي. لكن مع الانعطاف الذي دخلت فيه الجبهة الديمقراطية حيال العلاقة بفتح والحركة الفلسطينية عموماً. بدأت هذه المصالحة مع فتح. أدركنا بالتدريج بأن الجبهة الديمقراطية على حق لان العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية هي فتح، كما سندرك فيما بعد بان العمود الفقري للحركة التقدمية المغربية هو الاتحاد الاشتراكي، قد يتأخر إدراك مثل هذه الحقائق، لكن حينما نذكر بها آخرين علينا أن نشهد لهم بقدرتهم على التقاط الأمور في اللحظة وفي الوقت المناسبين.
الجبهة الديمقراطية بهذا المعنى كانت إذن مدرسة تعلمنا نحن المغاربة، نحن اليسار المغربي الجديد، مفردات الفكر الجديد في أدبياتها، في مواقفها وتمرنا على تصحيح عقائدنا على إيقاع عملية النقد الذاتي والمراجعة والتقييم التي دأبت الجبهة الديمقراطية في كل المحطات على ممارستها. بهذا المعنى شكلت الجبهة الديمقراطية مدرسة بالنسبة إلى اليسار طبعاً، من الصعب الحديث عن اليسار بالجمع، موقف منظمة «إلى الأمام» غير موقف منظمة «23 مارس» وصلة منظمة «23 مارس» بالمسألة القومية وبالقضية الفلسطينية كانت لأسباب تاريخية، حتى نفذ هذا التنظيم، كانت أعمق بكثير.
ولكن لكي أوزع المسؤوليات بشكل عادل، لا بأس من أن نتحدث عما قدمه اليسار المغربي للجبهة الديمقراطية، وإن بشكل متواضع.
• أول ما قدمه أنه كرس قضية فلسطين قضية وطنية، علماً بأن هذه القضية كانت حاضرة في نسيج التجربة الوطنية منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، في حزب الاستقلال أولاً ثم في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في حزب الشورى والاستقلال وسائر القوى، لكن المحتوى القومي لقضية فلسطين والصراع العربي الصهيوني، هذه من بصمات اليسار الجديد في المغرب. وليس تفصيلا أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كان الحاضنة الاجتماعية لليسار المغربي، وكان حاسماً في هذا الموضوع في كل مؤتمراته حين كرس قضية فلسطين قضية وطنية للشعب المغربي.
فإذا كانت الجبهة الديمقراطية قد خرجت إلى الوجود لكي تحتج على الوطنية الفلسطينية الضيقة التي مثلتها حركة التحرر الوطني الفلسطيني «فتح»، ولكي تقول بأن القضية الفلسطينية غير قابلة للعزل عن محيطها العربي، وأن المعركة من أجل فلسطين هي معركة تحرر وطني وتحرير قومي، فإن اليسار المغربي يقدم لها شهادة على أننا نحن في هذا البرنامج وفي هذا الاختبار وفي هذا الخط، إننا نساهم في ربط المغاربة وفي ربط المغرب بقضية فلسطين. ولا شك أن الجبهة الديمقراطية تدرك جيداً أن المسيرات الشعبية الحاشدة والعارمة التي تخرج دعماً لقضية الشعب الفلسطيني، لعلها ما خرجت يوماً من أجل الخبز ولا من أجل الديمقراطية في هذا البلد، وكفى بذلك شاهداً.
هذا أول ما أقدر أن اليسار قدمه للجبهة الديمقراطية والساحة الفلسطينية والحركة الوطنية الفلسطينية عموماً.
• المسألة الثانية التي قدمها اليسار بتواضع للحركة الوطنية الفلسطينية، ولليسار فيها على نحو خاص، هو نجاعة النضال الديمقراطي الطويل الأمد. لا أخفيكم، من قراءاتي لأدبيات الجبهة الديمقراطية في نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات لم أكن أستشعر ارتياحاً في أدبيات الجبهة حيال المنعطف الذي تبدى لها وكأنه منعطف سلبي لدى الحركة التقدمية المغربية في التعاطي مع النظام وفي الدخول في البرلمان، الخ. حتى رفاقنا في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي. ربما بسبب قراءة خاطئة لدى الجبهة مفادها أن التغيير ممتنع مع وجود نظام متكلس ملكي مثل النظام في المغرب. لكن الرفيق حواتمة صار في وسعه أن يأتي على المغرب وأن يطلب مقابلة الملك، وهذا متغير كبير بالنسبة إليه، أدركه فقط حينما أدرك بأن المعركة الديمقراطية طويلة النفس، قد تتأخر نتائجها ولكن لابد آتية لا ريب فيها.
وهم اليوم يتحدثون بافتخار، وأنا أعرف أصدقاءً ورفاقاً عديدين في قيادة الجبهة الديمقراطية يتحدثون بافتخار عن هذه الإستراتيجية الناجعة والناجحة التي سلكتها الحركة التقدمية منذ منتصف السبعينيات في المغرب.
ذلك ما يمكن أن يكون قد قدمه اليسار المغربي للجبهة الديمقراطية تحديداً للجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية هو تصحيح موقف الديمقراطية والشعبية من المسألة الوطنية في المغرب «الصحراء» هذا التصحيح ربما تطلب وقتاً طويلاً لكنه في النهاية حصل، وإلى حدود الثمانينيات لم يكن من الممكن للجبهتين، خاصة الجبهة الديمقراطية أن تتفاعل أو أن تتفهم حتى لماذا اتخذ اليسار والتقدميون المغاربة هذا الموقف.
بالنسبة إلى الجبهة الديمقراطية فكرة حق تقرير المصير كانت تحول دون رؤيتها سلامة النهج الذي سلكته الحركة التقدمية (المغربية) في المسألة الوطنية. اليوم موقف الجبهة الديمقراطية أوضح ما يكون في انحيازه إلى اختيار التقدميين وضمنهم اليسار في المسألة الوطنية.
هذه بعض من لا أقول الدروس ولكن التقديمات التي قدمها اليسار المغربي للحركة الوطنية الفلسطينية ولليسار الفلسطيني على نحو خاص •