الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة ـ كتاب في حلقات – الحلقة الرابعة

حرب الخليج الثالثة ـ كتاب في حلقات – الحلقة الرابعة

في اليوم الثامن عشر من آذار 2003 ألقى الرئيس الأمريكي خطاباً ذو طابع تهديدي أمهل فيه رئيس النظام العراقي صدام حسين 48 ساعة لمغادرة العراق وإلا واجه حرباً لنزع أسلحته، وفيما يلي النص الحرفي للخطاب: .
{وصلت الأحداث في العراق إلى آخر أيام القرار. لأكثر من عقد من الزمن بذلت الولايات المتحدة ودول أخرى خلالها جهودا صبورة ومشرفة لنزع أسلحة النظام العراقي من دون حرب، وتعهد هذا النظام بالكشف عن كل أسلحة الدمار الشامل التي يملكها، وتدميرها كشرط لوقف حرب الخليج العام 1991.
ومنذ ذلك التاريخ باشر العالم اثنا عشرعاما من الدبلوماسية، واعتمدنا أكثر من 12 قرارا في مجلس الأمن الدولي، وأرسلنا مئات المفتشين للإشراف على نزع أسلحة العراق.
لكن نيتنا الحسنة لم تقابل بالشيء نفسه، فقد استغل النظام العراقي الدبلوماسية كحجة لكسب الوقت، وقد تحدى قرارات مجلس الأمن التي تطالب بنزع أسلحته بالكامل. .
وعِبر السنين تعرض مفتشو الأمم المتحدة لتهديدات من المسؤولين العراقيين، وتم التنصت عليهم ألكترونيا، وخداعهم بشكل منهجي. وفشلت الجهود السلمية لنزع أسلحة العراق مرة بعد أخرى لأننا لا نتعامل مع رجل مسالم.
إن المعلومات التي جمعتها حكومتنا وحكومات أخرى لا تترك أي مجال للشك بأن النظام العراقي لا يزال يملك ويخفي بعضا من أفتك الأسلحة، وقد سبق لهذا النظام أن استخدم أسلحة دمار شامل ضد جيران العراق وضد الشعب العراقي.
فالنظام له تاريخ من العدوان الأخرق في الشرق الأوسط، وهو يضمر حقدا عميقا لأميركا وأصدقائنا، وساعد ودرب وآوى إرهابيين بينهم عناصر من القاعدة. إن الخطر واضح فعبر استخدام أسلحة كيميائية وبيولوجية، وربما يوما ما أسلحة نووية يحصلون عليها بمساعدة العراق، يمكن للإرهابيين تحقيق طموحاتهم المعلنة، وقتل آلاف أو حتى مئات الآلاف من الأشخاص الأبرياء في بلادنا وفي دول أخرى.
إن الولايات المتحدة والدول الأخرى لم تفعل شيئا لتستحق هذا التهديد، لكننا سنبذل قصارى جهدنا لهزمه بدلا من الانجرار إلى المأساة، وسنسلك الطريق نحو بر الأمان قبل أن تحل الفظاعة، وقبل أن يفوت الأوان للتحرك، وستتم إزالة هذا الخطر، فالولايات المتحدة تتمتع بالصلاحية السيادية لاستخدام القوة لحماية أمنها القومي، وهذا الواجب يقع على عاتقي بصفتي القائد الأعلى من خلال القسم الذي أديته، هذا القسم الذي سأحترمه.
والكونغرس وعى بالتهديد الذي يحدق ببلادنا فصوت بغالبية كبرى العام الماضي لتأييد استخدام القوة ضد العراق. لقد حاولت أميركا العمل مع الأمم المتحدة لمواجهة هذا التهديد لأنها أرادت حل هذه المسألة سلميا، ونحن نؤمن بمهمة الأمم المتحدة. .
إن أحد الأسباب التي أدت إلى تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كان لمواجهة الطغاة العدوانيين بنشاط مبكر قبل أن يتمكنوا من مهاجمة الأبرياء وتدمير السلام، وفيما يتعلق بالعراق تحرك مجلس الأمن الدولي في بداية التسعينيات، وبموجب القرارين 678 و687 اللذين لا يزالان ساريين يسمح للولايات المتحدة وحلفائنا باستخدام القوة لنزع أسلحة الدمار الشامل العراقية.
إن الأمر لا يتعلق بالصلاحية بل يتعلق بالإرادة، ففي سبتمبر الماضي أيلول ذهبت إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعوت أمم العالم إلى الاتحاد ووضع حد لهذا الخطر. وفي الثامن من نوفمبر[تشرين الثاني] اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 1441 الذي نص على أن العراق ينتهك بشكل واضح التزاماته، وسيتعرض لعواقب وخيمة في حال لم ينزع العراق أسلحته فورا وبالكامل.
واليوم لا يمكن لأي دولة أن تدّعي أن العراق نزع أسلحته، ولن ينزع أسلحته طالما أن صدام حسين يتمسك بالسلطة. فخلال الأشهر الأربعة ونصف الشهر الأخيرة عملت الولايات المتحدة وحلفائها داخل مجلس الأمن للدفع إلى تطبيق مطالب المجلس.
إن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أعلنت أنها ستستخدم الفيتو على مشروع عزمنا على تقديمه لنزع أسلحة العراق، هذه الدول تشاطرنا تقييمنا للخطر، لكنها لا تشاطرنا عزمنا على مواجهته.
الكثير من الدول رغم ذلك تمتلك العزم والقوة المعنوية للتحرك ضد التهديد الذي يحدق بالسلام، ويتشكل الآن تحالف واسع للعمل على تنفيذ مطالب العالم العادلة، ولم يرتق مجلس الأمن الدولي إلى مستوى مسؤولياته، لذا سنرتقي إلى مستوى مسؤولياتنا. .
في الأيام الأخيرة كانت بعض حكومات الشرق الأوسط تقوم بالجزء العائد إليها، فقد وجهت رسائل علنية وشخصية تحض الديكتاتور على مغادرة العراق حتى يفسح المجال أمام عملية نزع أسلحته سلمياً، بيد أنه رفض ذلك.
وصلت كل عقود المخادعة والشراسة إلى نهايتها، وعلى صدام حسين وأبنائه أن يغادروا العراق في غضون 48 ساعة، وسيؤدي رفضهم إلى بدء نزاع عسكري في الوقت الذي نختاره، وبغية المحافظة على سلامتهم, على كل الرعايا بمن فيهم الصحفيون والمفتشون مغادرة العراق فورا.
الكثير من العراقيين يستطيعون سماعي هذا المساء من خلال بث إذاعي مترجم ولدي رسالة أوجهها إليهم: إذا بدأنا حملة عسكرية فإنها ستكون موجهة ضد الرجال الخارجين على القانون الذين يحكمون بلادكم وليست ضدكم. وما أن يسحب التحالف السلطة منهم سنوفر الأدوية والأغذية التي تحتاجونها، وسنقضي على آلة الترهيب، وسنساعدكم على بناء عراق مزدهر وحر، ولن يشهد العراق الحر حروبا عدوانية على جيرانكم، ولا مصانع للسموم، ولا عمليات إعدام للمنشقين، ولا غرف تعذيب، ولا غرف اغتصاب، سيرحل الطاغية قريبا، ويوم تحرركم قد إقترب، لقد فات الأوان لبقاء صدام حسين في السلطة، لكن الوقت لم يفت لكي يتصرف العسكريون العراقيون بشرف لحماية بلادكم عبر السماح بدخول قوات التحالف سلميا للقضاء على أسلحة الدمار الشامل.
قواتنا ستعطي الوحدات العسكرية العراقية تعليمات واضحة حول التحركات التي يجب أن تقوم بها لتجنب تعرضها للهجوم والتدمير. أحض كل عنصر في القوات العسكرية العراقية وفي أجهزة الاستخبارات:
في حال وقوع الحرب لا تقاتلوا في سبيل نظام يحتضر لا يستحق أن تضحوا بحياتكم من أجله، وعلى كل العسكريين العراقيين والموظفين المدنيين أن يصغوا جيدا إلى هذا التحذير:
في حال وقوع أي نزاع فإن مصيركم رهن بتصرفاتكم، لا تدمروا آبار النفط، وهي ثروة يملكها الشعب العراقي، ولا تذعنوا لأي أوامر باستخدام أسلحة دمار شامل ضد أي كان، بمن فيهم الشعب العراقي، وستتم محاكمات بتهمة ارتكاب جرائم حرب، ستتم معاقبة مجرمي الحرب، ولن ينفع القول لقد كنت أتبع الأوامر لا أكثر.
في حال اختار صدام حسين المواجهة يجب أن يعرف الشعب الأمريكي أن كل الإجراءات اتخذت لتجنب الحرب، وستتخذ كل الإجراءات للانتصار فيها، ويعي الأمريكيون كلفة النزاعات لأننا دفعنا الثمن في السابق، لا شيء أكيدا في الحرب سوى التضحية. لكن الطريق الوحيد لخفض الضرر ومدة الحرب هو في استخدام القوة المطلقة لقواتنا وعظمتها ونحن مستعدون لذلك.
في حال حاول صدام حسين التمسك بالسلطة سيبقى خصما مميتا حتى النهاية، ففي حالة اليأس قد يحاول هو ومجموعات إرهابية شن عمليات إرهابية ضد الشعب الأمريكي وأصدقائنا. هذه الهجمات ليست حتمية لكنها ممكنة. وهذا الواقع يعزز سبب عدم تمكننا من العيش في ظل تهديد الابتزاز. التهديد الإرهابي لأميركا والعالم سيتراجع عندما تُنزع أسلحة صدام حسين.
حكومتنا في حالة يقظة عالية ضد هذه المخاطر، ومع استعدادنا لضمان النصر في العراق، فإننا نتخذ إجراءات إضافية لحماية بلادنا، في الأيام الأخيرة طردت السلطات الأميركية من البلاد بعض الأفراد الذين لهم روابط مع أجهزة الاستخبارات العراقية، ومن الإجراءات الأخرى أمرتُ بإجراءات أمنية إضافية في مطاراتنا وزيادة الدوريات لخفر السواحل في المرافئ الرئيسية. وتعمل وزارة الأمن الداخلي بشكل وثيق مع حكام الولايات لزيادة الأمن في مرافق حساسة في كل أنحاء الولايات المتحدة.
في حال ضرب الأعداء بلادنا فإنهم بذلك يحاولون تحويل انتباهنا من خلال زرع الذعر، وسيحاولون إضعاف معنوياتنا بالخوف، لكنهم سيفشلون في ذلك. فما من عمل يقومون به سيؤثر على عزم هذا البلد. نحن شعب مسالم لكننا لسنا شعباً هشاً. ولن تخفينا الوحوش والقتلة. في حال تجرأ أعداؤنا على ضربنا سيواجهون وكل من ساعدهم عواقب وخيمة، ونحن نتحرك الآن لأن مخاطر عدم التحرك ستكون أكبر بكثير. فبعد سنة أو خمس سنوات ستتضاعف قدرة العراق على إلحاق الضرر على كل الأمم الحرة مرات كثيرة.
ومع هذه القدرات يمكن لصدام حسين وحلفائه أن يختاروا متى يشنون نزاعا قاتلا عندما يكونون في موقع أقوى. ونحن نختار أن نواجه هذا التهديد الآن في مكان ظهوره قبل أن يظهر فجأة في سمائنا ومدننا. .
قضية السلام تقتضي من كل دول العالم الحرة أن تعترف بالوقائع الجديدة التي لا تُدحض. في القرن العشرين البعض قرر تهدئة طغاة قتلة، مما سمح لتهديداتهم بالتحول إلى مجازر إبادة وإلى حرب شاملة. .
وفي القرن الحالي في وقت يخطط فيه الرجال الأشرار لإرهاب كيميائي وبيولوجي ونووي، فإن سياسة التهدئة قد تخلف دمارا لم تعرف الأرض بحجمه قبل الآن، والإرهابيون والدول الإرهابية لا يكشفون عن هذه التهديدات مسبقا، وفي تصريحات رسمية، والرد على هؤلاء الأعداء فقط بعد توجيههم الضربات لا يعتبر دفاعا عن النفس إنه انتحار. إن أمن العالم يتطلب نزع أسلحة صدام حسين الآن، وفي سعينا إلى تحقيق مطالب العالم المحقة فإننا سنحقق أيضا التزامات بلادنا العميقة}. (14)
نظرة في إنذار بوش :
بقراءة متأنية لإنذار بوش نستطيع تحديد الحقائق التالية التي تتناقض مع ما جاء في الإنذار الموجه لصدام ونظامه والوعود التي قطعها للشعب العراقي:
1 ـ إن ما ادعاه الرئيس بوش عن كون العراق ما يزال يمتلك أسلحة الدمار الشامل قد ثبت للعلم عدم صحتها، وذلك من خلال تقرير رئيس المفتشين الدوليين [هانس بليكس] قبل وقوع الحرب، ومن خلال عمليات التفتيش التي قامت بها الفرق الأمريكية بعد إسقاط نظام صدام واحتلال العراق، حيث لم تستطع تلك الفرق التي لم تترك زاوية في الأرض العراقية إلا وفتشتها دون أن تجد أي أثر لأسلحة الدمار الشامل التي اتخذها بوش مبرر للحرب.
2 ـ إن ادعاء الرئيس بوش بأن صدام كان يضمر الحقد العميق للولايات المتحدة يتناقض مع الواقع، فالخدمات الجلى التي قدمها نظام صدام لأمريكا من خلال انقلاب 8 شباط 1863، وانقلاب 17 و30 تموز 1968 الذي جرى الإعداد لهما في دهاليز البيت الأبيض، ووزارة الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية، والتي كان في مقدمة أهدافها تصفية القوى الوطنية على الساحة العراقية، وفي المقدمة منها القوى اليسارية، وشن الحرب على إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، تلك الحرب الدامية التي سعت الإدارة الأمريكية إلى استمرارها 8 سنوات قاسية ذهب ضحيتها أكثر من نصف مليون جندي وضابط عراقي، ناهيك عن مليون معوق حرب ومثلها من الأيتام والأرامل ، هذا بالإضافة إلى تحطيم البنية الاقتصادية والاجتماعية العراقية.

3 ـ إن ادعاء الرئيس بوش بمواجهة الحكام الطغاة في العالم يكذبه واقع الحال هو الآخر حيث تحتضن الولايات المتحدة وتحتفظ بأقوى العلاقات وأمتنها مع أعتا الدول الدكتاتورية والاولكارية القمعية والشمولية في العالم العربي، والتي تحكم شعوبها بالحديد والنار.

4 ـ ذكر الرئيس بوش في إنذاره إن بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن أعلنت أنها ستستخدم حق النقض [الفيتو] على أي مشروع قرار يلزم العراق بنزع أسلحته، قائلا:
{ إن هذه الدول تشاطرنا تقييمنا للخطر، لكنها لا تشاطرنا عزمنا على مواجهته}!!.
وهنا يخالف بوش الحقيقة مرة أخرى حيث أن الدول المعنية، وهي فرنسا وروسيا والصين والمانيا، لو كانت حقاً تشاطر الرئيس بوش، لما أعلنت صراحة أنها ستستخدم حق النقض ضد القرار الذي كان يزمع بوش تقديمه لمجلس الأمن، والذي كان من المقرر أن يتضمن الإنذار الأمريكي، ولو كانت تلك الدول لا تشاطر الولايات المتحدة عزمها على شن الحرب على العراق، على الرغم من أنها تشاطرها تقييمها كما قال بوش، فإن هذا يعني توجيه اتهام خطير لهذه الدول بتقاعسها عن إقرار الأمن والسلام في العالم والتهرب من مسؤولياتها الدولية.
5 ـ وجه الرئيس بوش خطاباً للشعب العراقي من خلال إنذاره مبشراً إياه بالحرية والعيش الرغيد قائلاً :
{إن الحملة العسكرية ستكون موجهة ضد الرجال الخارجين على القانون الذين يحكمون بلادكم وليست ضدكم. وما أن يسحب التحالف السلطة من النظام العراقي إذا بدأنا حملة عسكرية فإنها ستكون موجهة ضد الرجال الخارجين على القانون الذين يحكمون بلادكم وليست ضدكم.
وما أن يسحب التحالف السلطة منهم فسنوفر الأدوية والأغذية التي تحتاجونها، وسنقضي على آلة الترهيب، وسنساعدكم على بناء عراق مزدهر وحر، ولن يشهد العراق الحر حروبا عدوانية على جيرانكم، ولا مصانع للسموم، ولا عمليات إعدام للمنشقين، ولا غرف تعذيب، ولا غرف اغتصاب، سيرحل الطاغية قريبا، ويوم تحرركم قد إقترب.

لكن الوقائع على الأرض تصرخ بأعلى صوت أنظروا أيها العراقيون ماذا حل بكم !!، وماذا حل بوطنكم ؟ الاحتلال جاثم على صدوركم ، والأمن والسلام أصبح بعيد المنال، والسيارات المفخخة، والعبوات والأحزمة الناسفة لعناصر النظام الصدامي وحلفائه عصابات القاعدة من جهة، وعصابات المليشيات التابعة لأحزاب الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني تفتك كل يوم بالعشرات، بل بالمئات من المواطنين الأبرياء، وخطف المواطنين وابتزاز ذويهم، واغتصاب النساء والفتيات، وفتح الحدود السورية والإيرانية على مصراعيها أمام العناصر الإرهابية من أعوان بن لادن[ القاعدة] ، وزاد في الطين بله النظام الطائفي المتخلف الذي أقامته الولايات المتحدة في العراق بعد إسقاط نظام صدام والذي قاد الشعب العراقي إلى حرب طائفية وحشية بشعة، حيث القتل يجري كل يوم على الهوية بين الشيعة والسنة، والتهجير القسري لملايين المواطنين في الداخل والخارج الذي جاوزت أرقامه أربعة ملايين مواطن، وغزو المخدرات القادم من إيران، هذا بالإضافة إلى البطالة الواسعة والفقر المدقع، بل والجوع الذي المَّ بشعب العراق، فقد ذكرت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة إن ثلث الشعب العراقي بات تحت خط الفقر[أي ما يعادل 9ملايين مواطن]، وأن 5% من العراقيين في عداد الجوعى [ إي ما يعادل مليون و1350000 ] مواطن عراقي جائع. ناهيك عن الفساد المستشري في سائر أجهزة الدولة الجديدة من القمة إلى القاعدة، وفقدان الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ووقود وخدمات صحية واجتماعية، أما الثقافة والأجهزة التربوية فقد تولى أمرها العناصر الطائفية التي أعادت العملية التربوية إلى الوراء مئات السنين من خلال ربطها بالمرجعية الدينية حيث باتت ميليشيات الأحزاب الدينية الطائفية تتحكم بحياة المواطنين وتعتدي على حريات الشخصية وسائر الحريات العامة بقوة السلاح.
هذا هو الوجه الحقيقي للعراق اليوم بعد مرور خمسة أعوام على سقوط نظام الدكتاتور صدام القمعي وحزبه الفاشي الشمولي، لقد انحدرت أحول الشعب العراقي نحو الحضيض وهو الذي كان يتمنى التخلص من نظام صدام لينعم بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم، فإذا به اليوم قد تلاشت كل أحلامه، بل لقد وصل به اليأس من البقاء على قيد الحياة، والعيش بأمان وحرية وكرامة تليق بالإنسان.