الرئيسية » مقالات » قلب العالم رأسا على عقب بناء نظام عالمي من القاعدة إلى الأعلى

قلب العالم رأسا على عقب بناء نظام عالمي من القاعدة إلى الأعلى

ترجمة : مازن كم الماز

23 أيار مايو 2006
ز نت
يقوم النظام العالمي الحالي على انعدام هائل في المساواة في الثروة و السلطة . في معارضة هذا النظام الراهن توجد عدة حركات شعبية – تتجه في القسم الأكبر منها إلى الالتقاء في تفكيرها و أهدافها .
إن القضية التي أمامنا في دورات موقع ز نت عن الرؤية و الإستراتيجية هو كيف سيبدو النظام العالمي و كيف سنبلغ هذا النظام , إذا كان المطلوب التعبير عن القيم التي تجمعنا نحن المجتمعون هنا معا في كل من أهدافنا و وسائلنا .
إن أبعاد الأزمة الكونية عديدة . هناك ثلاث أزمات إنسانية مهلكة تمثل معضلات بقاء الإنسانية : تحدي البقاء رغم الدمار البيئي الذي يحدثه الإنسان , تحدي النجاة من العسكريتاريا الانتحارية , و تحدي الفقر و الجوع الكونيين .
من السهل القول بأن الحالة النهائية التي نتطلع إليها هي عالم نتمتع فيه باقتصاد كوني مستدام , عالم من العلاقات السلمية بين مجتمعات متعاونة , عالم يختفي منه الجوع و الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
و ليس أقل سهولة أن نقول أن العقبة الأساسية في طريق تحقيق هذه الحالة النهائية المطلوبة هو نظام الشركات فوق القومية و الدول القوية التي تدافع عنها و تعمل على توسيع سيطرة هذه الشركات , و أنه بسبب ذلك يجب إلغاء هذه الشركات و تلك الدول .
بصيغة واحدة , يعني هذا أن المصادر المنتجة في كل مجتمع يجب أن تكون تحت السيطرة المباشرة لأولئك الذين يقومون بالعمل الإنتاجي . و أن العلاقات الاقتصادية و غيرها بين المجتمعات ستصبح , كما نتوقع , أقل عنفا و صدامية و أقل تهديدا لبقاء الجنس البشري .
سيشكل تحديا أكبر و ربما ذا أهمية إنسانية أكثر أن نحاول أن نحدد بعض المواقع الرئيسية المرحلية على الطريق إلى هذه اليوتوبيا .
باستخدام مصطلحات أخرى , سيكون أكثر صعوبة – و قد يكون أكثر فائدة في صياغة إستراتيجية – أن نحدد كيف يمكن أن يبدو المجتمع العالمي عند الأفق السياسي المنظور ( يقصد الكاتب المستقبل المنظور – المترجم ) و ليس فيما وراءه .
في مشاركة عميقة نوقشت على نطاق واسع لهذا النوع من النقاشات : ( عصر النضال ) , اقترح جورج مونبيوت أن القضية المفتاحية هي الديمقراطية ( بالمعنى السائد “للديمقراطية التمثيلية في المجال المدني و ليس الاقتصادي” ) . الهدف الرئيسي المرحلي كما اقترحه هو أنه علينا أن نسير باتجاه برلمان عالمي .
هذا سيكون ذا معنى بالفعل إذا كانت الدولة النهائية التي نريد هي عولمة النموذج الغربي من الديمقراطية الرأسمالية .
إذا كنا مقتنعين أن الشركات فوق القومية هي العائق الأساسي أمام التغييرات المطلوبة , و أن القضاء عليها ضروري لنكفل عالما عادلا و مستداما , عندها فإن أهدافا أخرى على المدى المتوسط ستكون أكثر فائدة لنا , و كذلك تعريفا آخرا لنوع “الديمقراطية العالمية” التي نسعى وراءها .
ما هي القيود التي يمكننا أن نتصورها و قد فرضت على الشركات فوق القومية في إطار البنية الحالية للسلطة ؟ و من أين يمكن أن تأتي هذه القيود ؟
في الأفق السياسي الحالي يبدو واضحا أن هناك ثلاثة مصادر محتملة فقط لهذه القيود : الحركات القاعدية , الدول القومية , و السلطات فوق القومية التي تستمد قوتها و سلطتها من كل من تلك الدول و الحركات القاعدية .
أعني بالحركات القاعدية هنا كل أشكال التجمعات الشعبية , النقابات و كل أشكال “المجتمع المدني” . من المحتمل أن النفوذ الذي تمارسه الدول القومية و السلطات العالمية التي تخلقها الدول القومية و الذي يمكن أن يؤدي لفرض هذه القيود سيتم إطلاقه من , و بشكل يتناسب مع القوة المشتركة لكلتا , هذه الحركات القاعدية و تلك الدول القومية التي إما أنها تتعرض للاضطهاد من النظام الحالي أو ترغب بتحديه لأسباب أخرى .
عن أية أنواع من القيود نتحدث ؟
إننا نتحدث عن قيود على الحروب , إرهاب الدولة , الأسلحة النووية و سائر أسلحة الدمار الشامل , الإنتاج و التصدير العسكريين .
إننا نتحدث عن قيود على استخدام العقوبات الاقتصادية , الديون الدولية , قوة الاحتكار للسيطرة على الأسواق الاقتصادية , المساعدة , قواعد التجارة غير المتكافئة , قوانين براءة الاختراع الحصرية , و بقية أشكال التخويف و الاستغلال .
إننا نتحدث عن قيود على حركة رأس المال المدمرة عبر الأسواق المالية و الصناعات الوطنية , و إلقاء الأعباء البيئية و الاجتماعية على الجماعات الضعيفة .
كيف يمكن ممارسة هذه الأنماط من القيود ؟ من قبل المؤسسات الدولية المدعومة من القوة الجماعية للدول الأكثر مسالمة و الأفقر و بالتعبئة القاعدية سواء من داخل و خارج “القوى العظمى” .
ما نحتاجه إليه هو منظمات دولية , على مستوى الدول و على مستوى الشعوب , ملتزمة بمحاربة الهيمنة سواء هيمنة المتنمرين الإقليميين , أو القوى العظمى المهيمنة , أو الشركات فوق القومية .
تحتاج هذه المنظمات الدولية إلى أن تكون ديمقراطية أكثر ما يمكن , و تتأسس ربما على شيء من تقاسم العبء الاقتصادي المالي العالمي حسب القدرة على الدفع , مع أقصى درجة ممكنة من التواصل الشعبي و المراقبة و المسؤولية فوق القومية .
هناك تقاليد قديمة قد تكون مفيدة هنا . انتخاب المندوبين الذين لا “يمثلون” , بل الذين يشكلون قنوات صادقة للمعلومات و الآراء بين ناخبيهم و اجتماعات النقاشات و اتخاذ القرارات التي يحضرونها نيابة عن جماعاتهم . الحق في إقالة المندوبين عند الرغبة , عدد مرات محددة ثابتة في الحكم , و مقتضيات تدوير الموظفين الحكوميين باستمرار و ما إلى ذلك .
إلى هذه يمكننا أن نضيف أفكارا جديدة , و التي هي غالبا توسعات للمبادئ الأقدم , مألوفة من الأدب الخاص “بالباراكون” ( اقتصاد المشاركة : شكل مقترح لاقتصاديات يؤسس على جهد جماعي ديمقراطي يقوم على اتحادات طوعية بين المنتجين – المترجم ) .
يمكن للمنظمات القاعدية العالمية أن تكون قوية و ديمقراطية فقط بقدر ما تكون كذلك المنظمات الوطنية و المحلية التي تبنى منها . ( أعني هنا شيئا فضفاضا إلى حد كبير – منظمات تتسع لجموع تعرف نفسها ذاتيا بحسب الجغرافيا , أو الانتماء الأثني , اللغة أو علامات أخرى ( ذاتية التعريف ) ذات أهمية خاصة ) .
لذلك فإن أحد الأهداف الأساسية في الأفق السياسي المنظور هي بناء منظمات قاعدية قوية و ديمقراطية داخليا ( متحررة من التمييز وفقا للجنس أو العنصرية أو رهاب – فوبيا التجانس أو الطبقية و بقية أشكال التقسيم ) , متحررة من “فكرة الطليعة” و من السيطرة التسلطية , قادرة على أن تنسق بفعالية عبر الحدود القومية و اللغات المختلفة , ملتزمة بالتحويل ( أو الإلغاء ) الراديكالي لمؤسسات مثل الشركات فوق القومية و الدولة الإمبريالية , و الاستعداد و القدرة على تقديم تضحيات في معركة كبح هذه الموجودات المدمرة و الممزقة .
على المستوى الدولي هناك شيء مثل هذا النموذج من التحالف الموصوف أعلاه فيما يتعلق بقضية عدالة التجارة الدولية ( رغم أنه ليس على نفس الدرجة عندما يتعلق الأمر بالحرب أو الأزمة البيئية , بقدر ما أعرف ) . حاليا كما أفهم فإن المنظمات غير الحكومية , و المؤسسات و النقابات جميعا تلعب دورا قائدا و هام حيويا في هذه التحالفات .
استنادا إلى التحليل السابق فإن الهدفين في المستقبل يجب أن يكونا , من جهة إصلاح هذه المؤسسات ( المنظمات غير الحكومية , المؤسسات و النقابات و سواها ) لجعلها أكثر شفافية و ديمقراطية و حاصلة على تفويض شعبي , و من جهة أخرى بناء منظمات قاعدية أخرى عالمية و وطنية مستقلة يمكن لها أن تتكامل معها و ربما في نهاية المطاف أن تحل مكانها أو أن تتحد معها .
أعتقد أنه من السليم أيضا اقتراح أن وجود جذور قوية في حركات العمال المنظمة , التي تتشكل من المنظمات العمالية الكفاحية التي تنبعث من جديد , سيكون مهما للغاية لنجاح حركاتنا للتغيير الاجتماعي الراديكالي .
أفترض أنه من الصحيح القول بأنه على الأقل من وجهة نظر حقوق العمال فإن قوة الشركات فوق القومية يمكن مواجهتها فقط بفعالية بالاتحادات العمالية العابرة للحدود القومية أو تحالفات من هذه الاتحادات .
هكذا فإن الصورة العريضة ستكون سلة من الإجراءات المقيدة المحددة التي يمكننا وصفها على أنها “إضافة للعهد القديم أو إضافة لصك الأمم المتحدة” يمكنها أن تقوم بدور مقيد على الشركات الكبرى و الدول التي تستخدم العنف , و المؤسسات الدولية التي يجب أن تخضع على نحو متزايد لنفوذ و سيطرة القواعد , الملتزمة بالعدالة و البقاء و بالتالي إصلاح ( وصولا إلى الاستبدال النهائي ) الشركات فوق القومية و الدولة الإمبريالية .
في غياب مساواة حقيقية سيبقى ممكنا للأغلبية العالمية أن تكبح الإفراط و التجاوزات من قبل الأقوياء , أن تمأسس هذه القيود , و تشكل مؤسسات للرصد و المراقبة تمتلك نفوذا معادلا لهم .
هذه المنظمات و المؤسسات الجديدة – سواء أكانت على مستوى الدول أو مستوى المنظمات غير الحكومية و النقابات أو مستوى القواعد يجب أن تجسد بشكل متزايد قيم المجتمع العالمي المستقبلي التي تبنيه .

ترجمة : مازن كم الماز
منشور في كلا من www.zmag.org و في www.j-n-v.org ( موقع عدالة لا انتقام )