الرئيسية » مقالات » نداء إلى المرجعيات الدينية المحترمة في النجف وكربلاء والكاظمية

نداء إلى المرجعيات الدينية المحترمة في النجف وكربلاء والكاظمية

اعتادت جماعات بشرية واسعة من أتباع المذهب الشيعي في العراق على ممارسة بعض الطقوس الدينية التي تنطلق من عقائد وقناعات خاصة بهم , سواء اتفق بشأنها شيوخ الدين الشيعة أم رفضوها وسولء قبلت بها كثرة من الناس الشيعة أنفسهم أم رفضوها. وخلال القرن العشرين حتى الوقت الحاضر لم تحاول المؤسسات الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية إبداء الرأي الواضح بها بل تركت الناس تمارس تلك الطقوس بالغرم من قناعة البعض الكثير من العاملين في تلك المؤسسات ومن المرجعيات الدينية بخطأ بعضها وتضادها مع الإيمان الصادق بالدين الإسلامي. وينطلق هذا الموقف الحذر من خشية فعلية من أن يخسر هؤلاء الشيوخ مكانتهم الدينية وموقعهم بين المؤمنين , وبالتالي ما يمكن أن يخلق لهم مصاعب جدية , بما فيها الجانب الاقتصادي. إلا إن الخشية من قول الحقيقة تتناقض مع الإيمان بمقولات الدين ذاته , كما يعرضها للناس بعض شيوخ الدين الأكثر حكمة من غيرهم , كما قرأنا ذلك في آخر تصريحات للشيخ محمد حسين فضل الله وقبل ذاك الشيخ الوائلي وعشرات آخرين. والشيخ محمد حسين فضل الله مرجع ديني شيعي لبناني معروف بمواقفه الواضحة والجريئة في هذا الصدد. وبالتالي فهؤلاء الشيوخ الذين يصرحون بما هو صائب يمارسون موقفاً تنويرياً مهماً وضرورياً , في حين أن الغالبية لا تزال تمارس موقفاً مناهضاً للتنوير الديني الضروري , وبالتالي يتركون الناس يمارسون طقوساً لا تتفق مع الدين الإسلامي , بل بالضد منه , بما في ذلك ضرورة عدم إيذاء النفس البشرية وحماية حياة الإنسان. هناك قائمة مهمة باسماء من رفضوا الموافقة على تلك الطقوس وطالبوا الناس بتركها. ومنهم من تحدث بصوت مسموع وبعضهم تحدث بصوت خافت , ولكنهم قالوا ذلك صراحة , في حين أن المرجعيات الدينية الرسمية , بما فيها مؤسسة السيد علي السيستاني وبقية المرجعيات في النجف لم تتحدث عن ذلك حتى الآن. وهو أمر يحتاج من مؤسسة السيد السيستاني توضيحه.
وفي فترة عاشوراء وذكرى الأربعينية الحزبية لمقتل الأمام الحسين وصحبه الكرام وكذلك بالنسبة إلى بعض الأحداث الأخرى بشأن أئمة الشيعة وأهل البيت تتحرك جماعات بشرية كبيرة من أتباع المذهب الشيعي قاصدة كربلاء لأداء زيارة مرقدي الأمام الحسين وأخيه أبا الفضل العباس , وفي فترات أخرى يتوجه الزوار إلى زيارة مرقد الأمام علي بن أبي طالب في النجف أو زيارة مرقد الجوادين في الكاظمة أو زيارة مرقد الأمام المهدي. وكان هذا التقليد يخف ويقوى بالارتباط مع مجموعة من العوامل السياسية والدينية. ولكنها لم تنقطع حتى في أكثر سنوات العنف الحكومي في مواجهة هذه الطقوس. وكان منعها من قبل الحكام يدفع بالناس إلى تحدي قرارات الحكومة وإرهابها , ويخضع للقاعدة التي تقول “أن الإنسان حريص على ما مُنع”.
ومنذ سقوط النظام ألصدامي وسقوط قرارات المنع أو المحاربة , لم تخف تلك الزيارات وممارسة الطقوس بل تنامت كثيراً. ولم يكن هذا التنامي والاتساع ناتجاً عن رغبات ذاتية لدى الناس التي منعت منها بحدود معينة قبل ذاك , بل جاء بسبب نشاط وتحريض الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية الطائفية التي حاولت أن تعبئ الناس حولها وتستقطب أتباع المذهب الشيعي في مواجهة غير عقلانية ضد الأحزاب السياسية السنية أو المدنية وضد أتباع المذهب السني لتحقق نجاحات في الانتخابات. وكان لهذا الاتجاه آثاره السلبية على وحدة العراق الوطنية والاجتماعية والصراعات السياسية. وأصبحت الزيارات لا تتم عبر النقل بالسيارات بل السير على الأقدام بحجة أن ذلك يزيد من الثواب , في حين أن الناس تركب الطائرات لتذهب إلى مكة للحج ولم يجر أي حديث عن زيادة أو رفع مقدار الثواب إن سار الناس من العراق إلى مكة على أقدامهم أو من مكة إلى المدينة. فهدف مثل هذه التحرك ليس دينياً بل سياسياً طائفياً وهو يصب في مجرى الاستقطاب الطائفي وينشط العداء الطائفي , كما يراد له أن ينسي الناس مصائبهم الحقيقية المباشرة.
وبدأت القوى الإرهابية الدموية , سواء أكانت تلك التي تكفر أتباع بقية المذاهب الإسلامية , مثل تنظيم القاعدة وأنصار الإسلام السنة …الخ , أم من أتباع قوى البعث الصدامية التي تريد إشاعة الفوضى في البلاد , إلى توجيه ضربات إرهابية قاسية ومدمرة راح ضحيتها حتى عشرات ألوف البشر من أتباع المذهب الشيعي الذين كانوا في طريقهم إلى زيارة كربلاء أو النجف أو الكاظمية. وكانت آخر الضربات تلك التي وقعت في الإسكندرية وفي بغداد الجديدة. فهل يحق للمرجعيات الدينية السكوت على هذه الحالة أم يفترض فيها أن تتحرك لتمنع حصول مثل هذه التجمعات البشرية الكبيرة التي تقود إلى موت محقق للكثير من الناس الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى الرغبة في الزيارة , ولكن تحت تأثير الإعلام السياسي الشيعي الحزبي الضيق. إن من واجب المرجعيات العلمية أن تلقن الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية درساً مناسباً في هذا الصدد حين تطالب المؤمنين بالكف عن القيام بهذه الزيارات وبالطريقة الجارية حالياً إلى حين يمكن السيطرة على أمن البلاد واستقراره وتوفير مستلزمات حماية الناس من الموت المحقق. إن دم هؤلاء الناس ليس في ذمة الإرهابيين فحسب , بل في ذمة من يدفع بهم إلى القيام بتلك الزيارات الجماعية والمشي على الأقدام وبذمة من يمكنه منعهم ولكن لا يمارس ذلك.
أيها السادة والشيوخ الكرام في المرجعيات الدينية أصدروا فتاواكم للناس في هذا الصدد ليستمعوا إليكم ويصونوا حياتهم لكي لا يتكرر سقوط ضحايا عاشوراء في كل سنة عدة مرات وبأعداد تفوق عدد الذين سقطوا شهداء في معركة كربلاء. فهذا هو واجبكم المباشر لحماية أرواح الناس , فأنتم وليس غيركم مسئول عن حياة الناس لأنكم مسئولون عن عملية تنويرهم ورفع الغشاوة التي يضعها الحزبيون الشيعة على عيون الناس ويدفعون بهم دفعاً إلى التجمع والزيارة بهذه الطريقة المهلكة ليستفيدوا من ذلك في صراعاتهم السياسية والحزبية مع بعضهم ومع غيرهم.
هذا الموت ليس قضاءً وقدر , بل أن الناس يرمون بأنفسهم على التهلكة , في حين يفترض تجنب ذلك , إذ أن الناس يعرفون بأن الإرهابيين يتربصون لهم وأن الموت يمكن أن يختطفهم في كل لحظة حين يمارسون تلك الطقوس بهذه الطريقة وفي تلك الأوقات التي يستعد فيها الإرهابيون لقتل الناس الأبرياء.
أوجه ندائي أيها السادة الكرام إلى ضمائركم الحية , إلى أيمانكم الديني , إلى التفكير في أن هؤلاء الناس لا يختلفون عن عائلاتكم التي تستقر في بيوتها في مثل هذه الأيام وهي بعيدة عن مثل هذه المخاطر , أوجه ندائي أليكم لكي تتحركوا وتمنعوا احتمال وقوع مثل هذه المجازر البشرية بحق النساء والأطفال والرجال دون ذنب من خلال الدعوة إلى الكف المؤقت عن مثل هذه التجمعات البشرية في زيارات يحتمل فيها الموت لجمهرة كبيرة من البشر. استحلفكم بكل ما هو مقدس لديكم في أن تفكروا بهذا الأمر , فالموت يخطف أهلنا في كل مكان , فلنوقف تقديم هذه الهدايا البشرية إلى القتلة المجرمين لكي ينهوا حياتهم بهذه الطريقة الهمجية. أوقفوا تكرار ما حصل في عاشوراء الأول سنوياً ولعدة مرات في العراق.

26/2/2008 كاظم حبيب