الرئيسية » مقالات » تركيا) ….. الى أين؟ (9) الأمن القومي التركي

تركيا) ….. الى أين؟ (9) الأمن القومي التركي

 2. مكامن ضعف الدولة (التركية)

ب. عوامل إقليمية

في البداية أعتذار للقراء الأعزاء عن التأخر في مواصلة كتابة هذه السلسة من المقالات. كما أعتذر لحصول خطأ فيما يتعلق بتسمية (بغستان)، حيث جاء في مقالتي المعنونة (الفيليون: أصالة و عراقة و آمال و هموم، القسم السادس عشر) بأن مدينة كرمنشاه كانت تُسمى قديماً بإسم (بغستان) و الصحيح هو (أنّ (بيستون) الواقعة قرب مدينة (كرمنشاه) كانت تُسمى ب(بغستان) في الأزمنة القديمة و التي مذكورة في مصادر عديدة. إسم (بيستون) قد حُذف من المقالة المذكورة عن طريق الخطأ.

يعاني الأتراك من عزلة إقليمية خطيرة و تحيط ب(تركيا) دول جارة لها، تتسم علاقاتها معها بالعداء. هذا العداء ناتج عن أسباب تأريخية و عنصرية و عنجهية الأتراك و روح التوسع و العدوان المغروسة في نفوسهم بالإضافة الى تضارب المصالح بين (تركيا) و جيرانها. بسبب الطبيعة البدوية و القبلية للأتراك، فأنهم يستعملون لغة القوة أسلوباً لحل القضايا السياسية و الإجتماعية، بدلاً من لغة الحوار. هذه الثقافة البدوية تدفعهم الى هيمنة روح التوسع و الغزو عليهم و اللجوء الى القوة أو التهديد بها لحل مشاكلهم مع جيرانهم. كما أنّ تأسيس الأتراك للإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، خلقت فيهم شخصية متغطرسة، تعيش على أطلال تلك الإمبراطورية و جعلتهم يعيشون مع أمجاد الماضي، يرفضون الإعتراف بواقعهم الحالي و حجمهم الحقيقي (كدولة) صغيرة و فقيرة و متخلفة، لها دور مرسوم في السياسة الإقليمية و تأثير يكاد يكون معدوماً على المستوى العالمي.


علاقات (تركيا) مع جيرانها و دول المنطقة

بالنسبة الى الشعوب المسيحية الجارة ل(تركيا)، فأنّ العداء التأريخي و الحضاري و الديني و التباين الثقافي بين الأتراك و هذه الشعوب من العوامل المهمة التي أدت إلى إستفحال حالة العداء المزمن بين الشعوب المذكورة و الأتراك. إنّ الأتراك قد إحتلوا العديد من البلدان الأوروبية في عهد الدولة العثمانية، و وصلت القوات التركية الى أسوار مدينة فيينا. كما قام العثمانيون بقتل الكثير من الأوربيين و إختطفوا عشرات الآلاف من الأطفال الأوروبيين و قاموا بعزلهم و تربيتهم و ترسيخ الأفكار الإسلاموية العدوانية المتزمتة في عقولهم و من ثم تشكيل الجيش الإنكشاري منهم و إستعمالهم وقوداً لحروب العثمانيين لإحتلال الدول الأخرى و إستعباد شعوبها. أما بالنسبة للعلاقات السيئة التي تربط (تركيا) بالشعوب المسلمة في منطقة الشرق الأوسط، فأنها ناتجة عن أسباب تأريخية و إثنية و مذهبية و إقتصادية و سياسية، تختلف من دولة الى أخرى تبعاً للظروف التي خلقت تلك العلاقات السلبية بين الأتراك و تلك الشعوب و التي سنتناولها خلال حديثنا عنها.

روسيا

ل(تركيا) علاقات عدائية مع روسيا منذ ظهور الدولة العثمانية، حيث دخلتا في حروب عديدة خلال تلك الفترة و أنّ روسيا القيصرية كانت إحدى الدول الرئيسة التي ساهمت في إضعاف الإمبراطورية العثمانية و إنهيارها. كما أنّ العامل الديني و الثقافي هما من الأسباب الأخرى لتردّي العلاقات بين البلدين. عضوية (تركيا) في حلف الناتو و تشكيلها الجناح الجنوبي لهذا الحلف و خاصة أثناء فترة الحرب الباردة، وضعت تركيا في الجبهة المعادية لروسيا. لا تزال (تركيا) عضوة في الحلف المذكور و تنتمي الى المعسكر الغربي تحت زعامة أمريكا، و هذه العضوية التركية تزيد من خطر التهديدات الغربية للمصالح الروسية في المنطقة و في العالم. بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي و حدوث فراغ للقوى في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز و إستقلال الشعوب الناطقة بالتركية عن روسيا، بدأت (تركيا) بالعمل على تقوية صلاتها مع الجمهوريات الجديدة الناشئة و الإستحواذ على النفوذ فيها و السعي لتشكيل إتحاد إقليمي مع الدول المذكورة. السياسة التركية هذه أقلقت الروس حيث تُشكّل تنافساً للروس على النفوذ بينها و بين (تركيا) في القفقاس و آسيا الوسطى و حول النفط في جمهورية أذربيجان. كما أنّ موقف روسيا من القضية الكوردية و التأييد التركي للقوميات الناطقة بالتركية، التي تعيش في روسيا، تعمل على زيادة التباعد الروسي – التركي.


أرمينيا

تُشكّل أرمينا الجارة الشرقية ل(تركيا). في عام 1514 م، إستولى العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول على أرمينيا الغربية بعد إلحاق الهزيمة بالصفويين في معركة (جالديران). في عام 1555 م، وبعد معارك عنيفة بين العثمانيين والصفويين، تم تقسيم أرمينيا بين الدولة العثمانية و الصفوية، حيث أصبحت الأجزاء الشرقية منها تابعة للدولة الصفوية. أُعيد تقسيم أرمينيا بين الطرفين في عام 1639 م، فأُطلقت إسم (أرمينيا الشرقية) على الجزء الشرقي التابع للصفويين و إسم (أرمينيا الغربية) على الجزء الغربي منها.

في ظل الدولة العثمانية، عاش الأرمن أوضاعاً مأساوية، حيث تم إغتصاب حقوقهم القومية والدينية والإجتماعية، ويعيشون في ظل الفقر وظروف فقدان الأمن على الحياة والممتلكات، وكانوا معرضين للمجازر و النهب و للسلب و إجبارهم على دفع ضرائب باهظة.

بعد انتهاء الحرب الروسية – الفارسية التي إستمرت من سنة 1826 الى 1828، أصبحت أرمينيا الشرقية جزءاً من روسيا القيصرية. نتيجة وقوع أرمينيا الغربية في الأناضول الشرقية الواقعة في قلب الإمبراطورية العثمانية، فأنّ الشعب الأرمني عانى بشكل كبير من سياسة الإضطهاد والمذابح العثمانية. بلغت نفوس الأرمن القاطنين في الدولة العثمانية، قبل مذابح السلطان عبد الحميد الثاني، من 2,5 الى 3 ملايين نسمة، حسب المصادر الأوروبية والأرمنية، بينما كان الأتراك آنذاك، يشكلون حوالى6 ملايين نسمة من المجموع الكلي لسكان الإمبراطورية العثمانية الذي كان يبلغ حوالي 30 مليون نسمة، حسب المصادر التأريخية. في عام 1915، تمت إبادة مليون ونصف المليون مواطن أرمني من قِبل الأتراك العثمانيين في مذابح وحشية قل نظيرها. هذه المذابح أدت أيضاً إلى فقدان الأرمن للجزء الأكبر من وطنهم التأيخي الذي عاشوا فيه منذ الألف الثالث من الميلاد و تكبدوا من جرّاء تلك المذابح خسائر هائلة بالأموال والممتلكات التي لم يتم تعويضها لحتى الآن، بالإضافة الى تعرض الأرث الثقافي والحضاري والآثاري الأرمني الى تدمير و خراب و إعاقة نموهم السكاني الطبيعي.هذه الأحداث التأريخية المؤلمة و المطالبة الأرمنية ل(تركيا) بالإعتراف بإقترافها لتلك المجازر و دفع التعويض لعوائل ضحايا تلك الإبادة و المتضررين منها و إحتلال تركيا لأجزاء كبيرة من أرمينيا و مشكلة مقاطعة قره باغ بين أرمينيا و أذربيجان، بالإضافة الى العامل الديني، كلها يخلق شرخاً عميقاً في العلاقات الأرمنية – التركية التي لا يمكن ترميمه إلا بالإعتراف التركي بحقوق الأرمن و هذا تستحيل تلبيته من قِبل الأتراك و بذلك لا يمكن تحقيقه.


اليونان

تقع اليونان غرب تركيا. إحتل العثمانيون اليونان في عام 1453 م، و شكّلت مع مقدونيا وأجزاء من بلغاريا و كوسوفو و ألبانيا، الإقليم العثماني المعروف ب”الروملي الشرقي”. تم إستقلال اليونان عن الدولة العثمانية في عام 1832 م. خلال الفترة الطويلة التي بقي اليونان محتلاً من قِبل العثمانيين، تعرض الشعب اليوناني لمجازر رهيبة و أعمال قتل جماعية، التي لا تزال آثارها تنعكس على العلاقات اليونانية – التركية و تُلقي بظلالها عليها. من جهة أخرى، فأنّ اليونان تعتبر كلاً من مدينة إستانبول و إزمير و الجزء الأوروبي من (تركيا) و بعض المناطق الآسيوية من (الأراضي التركية) هي أراضي يونانية محتلة. كما أن هناك خلافات بين اليونان و (تركيا) حول بحر إيجه و المجال الجوي و المياه الإقليمية والجرف القاري للبلدين و حول قبرص التي تحتل (تركيا) القسم الشمالي منها و كذلك الإدعاء التركي بتعرض الأتراك اليونانيين، الذين يعيشون في “تراقيا الغربية” الواقعة في شمال شرق اليونان، للإضطهاد من قِبل اليونانيين.


بلغاريا

بلغاريا هي الجارة الشمالية الغربية ل(تركيا). إحتل العثمانيون بلغاريا عام 1396 م و بقيت تحت سيطرتهم أربعمائة سنة. حصلت بلغاريا على الاستقلال إسمياً عام 1878 م، حسب إتفاقية “سان ستيفانو” التي بموجبها إنتهت الحرب الروسية -التركية، إلا أنّ بلغاريا بقيت فعلياً تحت سيطرة حكم العثمانيين الأتراك. تم إستقلال بلغاريا في عام 1908 م و أُقيمت مملكة بلغاريا و تم تنصيب (فرديناند الأول) ملكاً لها. لذلك فأنّ العلاقات التركية البلغارية تتسم بالعداء التأريخي بسبب الإحتلال العثماني لبلغاريا و الذي تعرض خلاله الشعب البلغاري لمجازر رهيبة على أيدي الأتراك. كا أنّ الإختلاف الديني و مشكلة الأقلية التركية في بلغاريا و شكوك البلغاريين حول تجديد الدور العثماني في البلقان هي أسباب أخرى لسوء العلاقات البلغارية – التركية. (تركيا) دعمت الأقلية التركية في بلغاريا و سبّبت للبلغار مشاكل إثنية كبيرة لهم.


إسرائيل

كانت علاقات (تركيا) مع إسرائيل في السابق مبنية على إستخدامها كوسيلة للتأثير على الإدارة الأمركية عن طريق اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الظروف الدولية و الإقليمية قد تغيّرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول و طرح واشنطن لمشروع الشرق الأوسط الكبير و التي خلقت تباعداً بين الجانبين الإسرائيلي و التركي. الانتقادات التي توجهها الحكومة التركية للسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة هي عامل آخر في تضارب المصالح الإسرائيلية و التركية. قلق (تركيا) المتزايد من أنباء تقديم مساعدات إسرائيلية لحكومة إقليم جنوب كوردستان و تأييد إسرائيل للشعب الكوردستاني من إقامة دولة كوردستان، تُعمق التنافر في العلاقة بين البلدين و تتعرض لمزيد من الضبابية و الشكوك. فيما يتعلق بهذه المسألة، فأنّ وسائل الإعلام التركية قامت بنشر حديث لوكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية السابق “ألون ليل”، والذي أشار فيه الى أنّ إقامة دولة كوردية مستقلة أمر لا يزعج إسرائيل. كما أنّ الرئيس الإسرائيلي السابق، عازر وايزمن، خلال زيارته (تركيا) في عام 1994، سُئل حول موقف إسرائيل من تأسيس دولة كوردية في الشرق الأوسط، فتهرّب من الإجابة على السؤال المذكور و قال: (لدينا من المشاكل ما يكفي، لينشغل رأسنا بتأسيس دولة فلسطين).

إسرائيل بدورها تتخوف من مساعي (تركيا) لتصبح عضوة في الاتحاد الأوربي، والتي ستؤدي الى تراجع الإهتمام التركي بعلاقاتها مع إسرائيل. من ناحية أخرى نجحت إسرائيل، من خلال تقنيتها المتطورة في الزراعة و الصناعة و في المجالات العسكرية، في فرض حضور نشط لها في الجمهوريات الحديثة الإستقلال عن الإتحاد السوفيتي الناطقة باللغة التركية و إسهامها في الأنشطة السياسية والاقتصادية و العسكرية لتلك الدول و التي تعجز (تركيا) منافسة إسرائيل فيها. كما أنّ نجاح إسرائيل في عقد معاهدة سلام مع الفلسطينيين و السوريين و اللبنانيين و تطبيع العلاقات معهم و نجاح مشروع الشرق الأوسط الكبير و الإطاحة بالنظام التوليتاري الإيراني ستؤدي الى إضعاف حاجة إسرائيل لتواصل علاقاتها مع (تركيا). يعطي السيد شمعون بيريز، الرئيس الإسرائيلي الحالي في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) دوراً هامشياً ل(تركيا) في مشروعه الشرق الأوسطي الجديد، حيث أنه يُبعد (تركيا) من أن تكون جزءً من الهياكل الإقتصادية و السياسية الإقليمية، و يشير في كتابه المذكور بأنّ الإستفادة الوحيدة من (تركيا) قد تكون على صعيد المياه، إلا أنه يُشكّك بالجدوى الإقتصادية من مشروع “مياه السلام” الذي سبق أن إقترحه الرئيس التركي الراحل (طورغوت أوزال)، مفضلاً عليه محطات تحلية المياه المالحة.


إيران

إيران هي الجارة الجنوبية الشرقية ل(تركيا). تتسم العلاقات الإيرانية – التركية بعداء تأريخي طويل، حيث كانتا في حروب دموية مستمرة أثناء فترة الإمبراطورية الصفوية و العثمانية. كما أنّ هناك عداء تأريخي ظهر منذ زمن الخلفاء الراشدين بين السُنّة و الشيعة، حيث ينتمي الأتراك للمذهب الأول و الفرس للمذهب الثاني. الأزريون و التركمان يُشكلون نسبة كبيرة من الشعب الإيراني و هؤلاء ينتمون الى العنصر التركي، و لذلك يدّعي النظام التركي بأنّ له الحق في الدفاع عن الآزريين و التركمان الإيرانيين، تماماً كما في إدعائه لحقه في الدفاع عن التركمان المتواجدين في إقليم جنوب كوردستان، و ذلك لتحقيق أجندته السياسية. عضوية تركيا في الحلف الأطلسي و علاقاتها الحميمة مع الغرب و إسرائيل هي أحد الأسباب الأخرى الذي يُعمّق الخلافات الإيرانية – التركية، حيث أنّ النظام الإيراني هو نظام مذهبي مُعادٍ للغرب و إسرائيل. بعد إختفاء الإتحاد السوفييتي، تزايدت حدة المنافسة بين تركيا وإيران على إستقطاب النفوذ في الجمهوريات الآسيوية المستقلة عن الإتحاد السوفييتي السابق، و حول القضايا المتعلقة بمصادر الطاقة في بحر قزوين. الطموح الإيراني النووي يُشكّل كابوساً مُرعباً للأتراك، حيث أنّ نجاح الإيرانيين في جعل إيران دولة نووية ستقلب موازين القوى في الشرق الأوسط و ستؤثر على تدفق البترول من المنطقة و تُهدد المصالح التركية الحيوية. يمكن القول بأنّ الحكومتين الإيرانية و التركية تكادان أن تكونا متفقتين فقط على محاربة الشعب الكوردستاني و الوقوف بوجه طموحاته في الحرية و الإستقلال و على تبادل بعض المصالح الإقتصادية، مثل تزوّد (تركيا) بالغاز الإيراني.


العرب

وقوف العرب في صفوف الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى و إعلان الثورة العربية ضد الدولة العثمانية، التي أعلنها الشريف حسين عام 1916، شكلت إنتكاسة و تراجعاً للعلاقات التركية – العربية. عانى العرب من الإضطهاد و القتل و الدمار و أُرغموا على دفع ضرائب مجحفة لأكثر من خمسة قرون، التي قضوها تحت الحكم العثماني، بالرغم من إدّعاء الأتراك بأنّ حكمهم كان إمتداداً للخلافة الإسلامية. توجّه النظام العلماني، الذي أسّسه مصطفى كمال أتاتورك نحو الغرب، أدى الى إنقطاع تواصل الأتراك مع شعوب منطقة الشرق الأوسط، و خاصة الشعوب العربية و المسلمة، حيث قام أتاتورك بتغيير حروف الكتابة التركية من الألفباء العربية الى اللاتينية و تبنى الثقافة و التقاليد الغربية و أخذ ينظر الى العرب المسلمين كشعوب تُمثّل التخلف و الرجعية و التي يجب التخلص منها. كل هذا زاد من التباعد التركي مع الحكومات العربية الإسلامية التقليدية. كما أنّ إعتراف تركيا بإسرائيل و إقامة علاقات حميمة مع الإسرائيليين و عقد إتفاقيات عسكرية معهم، ساهمت بشكل أكثر في فتور و تدهور العلاقات العربية – التركية، حيث أنّ تركيا كانت أول دولة ذات أكثرية مسلمة إعترفت بإسرائيل عام 1949. كما أنّ الأتراك يرون في المد القومي العربي في المنطقة خطراً على (تركيا). بالنسبة الى العلاقات التركية – السعودية، لمساهمة الرأسمال السعودي في الإستثمارات في تركيا و بناء علاقات جيدة بين البلدين، فأنّ الحكومة السعودية تشترط على (تركيا) السماح لها بنشر الفكر الوهابي الإرهابي المتخلف في (تركيا) و ذلك عن طريق فتح المساجد السعودية هناك و (تصدير) رجال الدين الوهابيين لتسميم عقلية الأتراك و كذلك فأنّ السعوديين يريدون تكوين حلف مذهبي سُنّي مع الأتراك ضد الشيعة في إيران و المنطقة، بينما يميل الأتراك الى علاقات مبنية على المصالح الإقتصادية و السياسية المتبادلة. نستخلص من ذلك بأنّ هناك بَون شاسع في تركيبة و بُنية النظام التركي و الأنظمة العربية الذي يدفع كلاً من الأتراك والعرب السير في مسارات متباعدة.


سوريا

سوريا هي الجارة الجنوبية ل(تركيا). تعيش العلاقات السوية – التركية فترة شهر العسل في الوقت الحاضر بسبب القلق الشديد للدولتين من مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يخطط لتحقيقه كل من إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية و بسبب إنطلاق المارد الكوردي من قمقمه و الذي تحتل الدولتان أجزاء من وطنه. سوريا تعاني من عزلة دولية شديدة و ضغط أمريكي – إسرائيلي كبير، بحاجة الى حليف إقليمي مثل (تركيا) و الأتراك بدورهم يعيشون في كابوس و رعب ظهور دولة كوردستان في المنطقة. كما أنّ سوريا تعتبر لواء الإسكندرون جزء من أراضيها و أنه محتل من قِبل (تركيا)، حيث لا زالت السلطات السورية تُدخل اللواء المذكور ضمن خارطة سوريا الجغرافية. مسألة المياه مشكلة أخرى تبرز بينهما، حيث تقوم (تركيا) بالإستثمار الجائر لمياه نهري دجلة و الفرات لأغراض الري و توليد الطاقة الكهربائية و أنّ الإجراءات التركية هذه تهدد الأمن الوطني السوري و تعرقل تطور سوريا و تمنعها من حصتها من مياه النهرين المذكورين. إنّ المياه في منطقة الشرق الأوسط تلعب دوراً حيوياً في رسم العلاقات بين دول المنطقة و سيزداد هذا الدور في المستقبل نظراً للحاجة المتزايدة للمياه من قِبل شعوب المنطقة بسبب إرتفاع مستوى المعيشة و زيادة السكان و إرتفاع درجات حرارة الأرض نتيجة الإنحباس الحراري و تخلف الوسائل المستخدمة لحفظ المياه السطحية و إستعمال المياه كسلاح سياسي من جانب حكومات امنطقة لفرض شروطها على الدول الأخرى. هناك خلافات أيديولوجية و مذهبية تبرز بين الحكومة التركية و السورية، حيث تتبنى الحكومة السورية خطاً عروبياً (إشتراكياً) و تسيطر الطائفة العلوية على مقاليد الحكم فيها، بينما تلتزم (تركيا) سياسة علمانية – إسلامية سُنّية و تحمل فكراً طورانياً عنصرياً.


العراق

العراق هو أيضاً الجار الجنوبي ل(تركيا). لا تزال (تركيا) تطمع في إحتلال لواء الموصل (إقليم جنوب كوردستان) و ضمه إليها. تبعية هذا الإقليم بشكل رسمي للعراق، تخلق علاقات متوترة بين البلدين. مشكلة توزيع المياه بين البلدين تساهم في تباعد مسارات العلاقة بين العراقيين و الأتراك و ستتفاقم هذه المشكلة بين الجانبين مع مرور الوقت، كما نوهتُ اليه في حديثي عن العلاقات السورية – التركية. كما أنّ نقل نفط كركوك عبر الأراضي التركية يخلق المشاكل بين الجاب العراقي و التركي و كلا الجانبين يستطيعان إستعمال نقل البترول كضغط سياسي على بعضهما البعض لما يدّره النفط عليهما من أموال، حيث يقوم العراق ببيع بتروله عبر الأراضي التركية و (تركيا) بدورها تحصل على مبالغ كبيرة لقاء مرور نفط كركوك عبر أراضيها.

سقوط النظام البعثي المقبور و بدء مشاركة الشيعة و الكورد في حكم العراق، بعد حرمان دام لقرون طويلة، أديا الى تدهور العلاقات العراقية – التركية نظراً للحساسية المذهبية و الإثنية للأتراك تجاه الشيعة و الكورد على التوالي، حيث أن منطقة الشرق الأوسط تعاني من إنقسام طائفي خطير بين المذهب الشيعي و السُنّي منذ أكثر من 1400 سنة، بالإضافة الى الحساسية التركية الشديدة تجاه القضية الكوردية و التي تُحدد مصير (تركيا) ككيان سياسي يحتل أجزاء واسعة من كوردستان.


كوردستان

كوردستان هي جارة (تركيا) الجنوبية. الأتراك يحتلون القسم الشمالي من كوردستان، الذي يُشكّل الجزء الأكبر من كوردستان. يقوم الأتراك بتتريك الشعب الكوردي في هذا الجزء الكوردستاني و ينكرون وجوده و هويته و حقوقه القومية. لا أطيل الحديث هنا حول هذا الموضوع، حيث أنني سأتناوله بشئ من التفصيل في كتابات قادمة ضمن هذه السلسلة من المقالات.

المستجدات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تحرير العراق و المساهمة الفعالة للكورد و الشيعة في حكم العراق و قيام شبه دولة مستقلة في إقليم جنوب كوردستان و الوجود الأمريكي في العراق و المشروع الإسرائيلي – الأمريكي لدمقرطة دول المنطقة و توقع سقوط النظام الإيراني على أيدي الأمريكيين و بروز الدور الكوردي في إيران حينذاك و حكم الكورد لإقليم شرق كوردستان و نجاح السلام الإسرائيلي – العربي، كل هذه التطورات تُهدد الأمن القومي التركي و يبدو أنّ الأتراك يسبحون ضد التيار و يدفعهم هذا الواقع المُرعب الى فقدان توازنهم و محاولة عرض عضلاتهم لتخويف أعداءهم، إلا أنهم مهما حاولوا إصطناع القوة و الجبروت، فأنهم نمور من ورق و حكامهم سيقودون الشعب التركي الى حيث الدمار و الإنهيار و الهلاك و سيكشف المستقبل مدى غباء الحكام الأتراك و مدى إستهتارهم بأرواح أبناء شعبهم.

هكذا نرى أنّ الأتراك قد خلقوا لأنفسهم أعداء يحيطون بهم من كل الجوانب و جعلوا أنفسهم يعيشون في عزلة خانقة و يعيشون حياة قلقة و ينتظرهم مستقبل مظلم. كل الشعوب الجارة ل(تركيا) تنتظر فرصة مؤاتية للإنقضاض على (تركيا) لإسترجاع حقوقها المغتصبة. بالإضافة الى رجحان كفة المتغيرات الشرق الأوسطية لصالح أعداء (تركيا) و بذلك على الأتراك أن يستعدوا لدفع الإستحقاقات التي عليهم و لا مفر منها الا القبول بها.