الرئيسية » مقالات » وراء الكلام- ديمقراطية الجمر والربيع – عيد الجبهة الديمقراطية عيد الشعب

وراء الكلام- ديمقراطية الجمر والربيع – عيد الجبهة الديمقراطية عيد الشعب

يحتفل الفلسطينيون هذه الأيام، مع مناضلي الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بعيد ميلاد جبهتهم التاسع والثلاثين، فإذا بهذا الربيع الحار، على امتداد اربعة عقود، لم يذهب سدى واذا بالطفل الذي رأى النور يوم انطلاقة الجبهة، يصبح اليوم رجلا في سن الحكمة والخبرة.
لقد اضافت الجبهة التي كانت مثيرة للجدل يوم انطلاقتها، نكهة جديدة الى العمل الوطني الفلسطيني، نكهة تجمع الحزم المبدئي الى المرونة في توسيع معنى الوحدة الوطنية. فليس قليلا ان يجهر شبان آتون من مواقع وطنية وقومية، بتحول فكري جذري يرفع شعارات بمنتهى الراديكالية، من غير ان يخدشوا الثقافة السائدة الا عندما لا يكون ثمة مناص من الموقف الصريح والاختيار المبدئي، ومما سهل المهمة الصعبة ان هؤلاء الشباب لم يولدوا في المكاتب، بل ترعرعوا في ساحة الميدان. ولم يذهبوا الى شركة مغفلة محدودة، بل انطلقوا من بيئة شعبية في لحظة وحدوية.. اذ لم يكد يستوي اسم الديمقراطية على ألسنة المواطنين، حتى كانت الجبهة احدى اربع قوى تؤسس لتنسيق وحدوي اسمه الكفاح المسلح، وكان مؤلفا من فتح والديمقراطية والصاعقة، وقوات التحرير الشعبية. وما زلت اذكر- ومن ينسى؟- لقاءنا الاول في مخيم البقعة، وكنا خمسة مثقفين يحلمون بملامسة الجمر من خلال معايشة فصائل منظومة الكفاح المسلح، فكانت الديمقراطية اول من استقبلنا، وكنا اتين من مواقع مختلفة وتجارب مرة، او تجارب تتشكل، او محاولات تستحق التأمل. فكان هناك الشاعر الكبير مظفر النواب الذي كانت شهرته مقتصرة يومذاك على الشعر العراقي الشعبي، ومعه المثقف العراقي ابراهيم الحريري، والمثقف السوري اسماعيل محفوض، والمشاغب الفلسطيني ذو الدم الحار عمر رشراش وكنت الوحيد بينهم من الملتزمين بحركة فتح.
وفي تلك البيئة الصعبة المتقشفة المحفوفة بالخطر، كنا نسمع وننتقد ونحاور ونحاول الوصول الى معنى فكرة الثورة، الى ان وصل ابو خالد- أي الرفيق نايف حواتمة، الذي أشهد انه صبر علينا كثيرا، وأفادنا كثيرا، شارحا معنى ولادة الحزب من رحم التجربة الوطنية، وتوازن الاداء بين البساطة الشعبية والايغال في الأفكار الجسورة التي لا يجوز للمثقف العضوي ان يتنكر لها او يهرب منها. وكيفية ادارة الصراع في ظل التناقضين الرئيس والثانوي، فضلا عما يتوقعه من مخاطر تهددنا وتهدد المنطقة باسرها، مفسرا بذلك انفتاح الجبهة على المثقفين العرب، والتوسع في مفهوم الجبهة العربية المساندة التي اقترحتها فتح، لتصبح جبهة مشاركة. واستقبال المثقفين الاوروبيين. وكنا في عام 1969، أي ان ثورة الطلبة الفرنسيين كانت قد انطلقت قبل عام، ووجد بعضهم في التجربة الفلسطينية عنوانا جديرا بالزيارة كان في اولئك الطلبة ماويون وتروتسكيون وهؤلاء لا يطيق بعضهم بعضا، وكان لحواتمة حوارات معمقة معهم في سبيل ان يلتقوا عند اللحظة الفلسطينية الملتهبة.
ستكبر الجبهة بعد ذلك، وتخوض معارك الثورة الفلسطينية كلها، من موقع طليعي، تختلف ولكن ليس الى حد القطيعة، وتتفق ولكن ليس الى حد امحاء الخصوصية، وتشجب أى اقتتال داخلي. وكان لها دور بارز في حماية البيت الوطني يوم كان الانشقاق لا يكتفي بتهديد فتح، بل بتقويض التجربة من اساسها. ولم تخضع الجبهة للابتزاز، بل أخذ دورها الوطني وضعا اقتحاميا وفر لها موقعا متقدما داخل المجلس الوطني واللجنة التنفيذية.. وحققت حضورا نوعيا في حماية المشروع الوطني العقلاني وتثبيت مفهوم المرحلية بما لا يقضي على المبادئ، بل يغذي بقاءها بواقعية مسؤولة. ولننتظر معها قدوم أمينها العام نايف حواتمة الى الجزء المتاح لنا من ارض الوطن.
ولا تزال الأجندة ملأى بالأفكار والخطوات الثورية، حتى تتحقق أحلام شعبنا بجعل ثوابته الوطنية حقائق ملموسة بعد هذا العمر من سنوات الجمر والربيع.