الرئيسية » شخصيات كوردية » الشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي 1863-1936م

الشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي 1863-1936م

لا تذكر الدعوة الى النهضة الفكرية والادبية في تاريخ العراق الحديث الا ويتبادر الى الذهن اسم الشاعر الكوردي العراقي جميل صدقي الزهاوي فهو شاعر فيلسوف مجدد، نزع في شعره نحو تطوير وتجديد الاساليب والموضوعات الشعرية والادبية والفكرية، وجاء شعره وكذلك رسائله التي كتب فيها نظراته الفلسفية تعبيرا عما تجيش به الحياة وما تنشده النفوس نحو تحقيق الخير والحرية والعدل والمساواة والقضاء على التفرقة ومعالجة القضايا والمشكلات الاجتماعية، وابعاد البشرية عن مزالق الشرور والحروب والعداوات، ويمكن عده من رواد اليقظة الفكرية المجددة في العراق..
انه: جميل صدقي بن محمد فيضي بن احمد، ولد ونشأ وتوفي في بغداد، وقد ولد من ابوين كورديين سعيا الى تنشئته على التربية الصحيحة وزرع حب الخير والتعلم في شخصيته منذ نعومة اظفاره، وهو سليل بيت عريق في العلم والمركز الاجتماعي المرموق ووثق هو على نسبه بنسفه قائلا: ويرجع نسب ابي الى امراء بابان في السليمانية شمال العراق ثاني اكبر مدن كوردستان العراق وهي مدينة تتميز بكثرة المدارس وتعج بالعلماء والمثقفين، كما انها ذات موقع جغرافي متميز وعلى درجة ممتازة من الحركة الاقتصادية والعمرانية في كوردستان والعراق.. اما لماذا لحقه الزهاوي فذلك اتاه عن طريق جده الذي هاجر الى بلدة زهاو ومدينة حلوان التاريخية القديمة، سربيل زهاو حاليا تابعة الى ايران.
وكانت هذه المدينة من اعمال الجبل، شرقي العراق، وعاش فيها عدة سنين وتزوج بامرأة زهاوية فولدت له والد جميل صدقي، وبعد عودته الى السليمانية او (شهرزور)، طغى عليه لقب الزهاوي واستقر له هذا اللقب واصبح علامة على كل افراد العائلة فيما بعد..
نشأ الشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي في ظل والده مفتي بغداد، وتعلم عليه مبادئ اللغة والادب وفنون الشعر، وقد تفتحت قريحته الشعرية منذ مطلع حياته العلمية. وبالذات في اوائل شبابه، فنظم اولى قصائده وهو في العشرين من عمره، ومن ثم اخذ يتقلب في وظائف حكومية رسمية منها: عضوية مجلس المعارف ببغداد (ايام الحكم العثماني، ومدير مطبعة الولاية، ومحرر للقسم العربي في جريدة (الزوراء) الرسمية، ثم عضو في محكمة الاستئناف ببغداد، وعينته الدولة العثمانية واعظا عاما في اليمن وعضوا في الجمعية الاصلاحية حيث مكث هناك تسعة اشهر ثم عاد بعدها الى الاستانة فنظم فيها قصائده التي ندد فيها بالاستبداد ومصادرة الحريات المشروعة وفضح الاساليب التي يعانيها الشعب والتي تتنافى مع طموحاته، ولم تكن تلك القصائد المنشورة باسمه الصريح بل كان ينشرها في الجرائد العربية في مصر بتوقيع مستعار ونتيجة لمواقفه المناهضة للسلطان عبد الحميد امرت السلطات العثمانية باخراجه من الاستانة وابعاده الى العراق.. واكثر شعره لتلك الحقبة ضمه في ديوان (الكلم المنظوم) الذي صدر قبل اعلان الدستور العثماني (1908م)، وبعد اعلان الدستور عاد الى الاستانة ليعمل استاذا للفلسفة الاسلامية والاداب العربية في جامعة اسطنبول، ثم بعد ذلك عاد الى بغداد بسبب مرض الم به، ثم شفي منه، وما ان استقر به المقام في مدينة بغداد حتى تقدم بطلب ليعمل مدرسا للقانون المدني في مدرسة الحقوق، ولم يلبث قليلا حتى قامت ضجة مفتعلة ضده بسبب مقال نشره في جريدة المؤيد المصرية طالب فيه بمنح المرأة حقوقها وانتشالها مما تعانيه من ظلم الرجل لها وتهميشها.. فقد قاد هذه الحملة والي بغداد (حسين ناظم باشا1910م)، وحرض علماء بغداد لاصدار الفتاوى ضد الزهاوي، فكان في مقدمة اولئك العلماء الشيخ سعيد النقشبندي فكتب رسالته الموسومة بالسيف البارق في عنق المارق، وتصدى له كاتب اخر من مصر هو محمد حمدي النشار فالف له رسالة سماها: المرأة في الاحلام والسفور والحجاب، طبعها في مصر (سنة 1911م)، وقد هرب المترجم الى القاهرة نتيجة الاحتجاجات التي اثارها ضده خصومه من العلماء والشعراء والعامة، فمكث مدة قصيرة في الخارج، ولما جاء وال جديد مكان الوالي السابق عاد جميل صدقي الزهاوي الى بغداد ايام الوالي جمال باشا فاعاده الوالي الجديد الى وظيفته الاصلية في مدرسة الحقوق، وانتخب نائبا عن المنتفك (الناصرية) في مجلس المبعوثان في الاستانة ثم حل الملجس فعاد الى بغداد وانتخب ثانية نائبا عن بغداد هذه المرة ورحل الى الاستانة ثانية والقى خطابا دافع فيه عن ارائه التي اثار فيها ضجة لم يبال بها كما يقول هو عن نفسه وعند اعلان الحرب العالمية الاولى واحتلال الانكليز بغداد 1917 اتهمته السلطات المحتلة بانه في صف المناهضين لهم فارادوا نفيه الى الهند ولكنه ابرز ورقة يثبت فيها انه يعود لجريدة المكلم المصرية والتي كانت مواكبة للانكليز فافرجوا عنه ولم يمسوه باذى، وفي عهد الملك فيصل الاول عين عضوا في مجلس الاعيان مدة اربع سنوات وظل ينتقل في هذه المدة بين انحاء الاقطار العربية مثل لبنان وسوريا ومصر واقيمت له عدة حفلات تكريمية، وكان في هذه الاثناء ينشر قصائده في جرائد تلك الاقطار المذكورة كما كان يعمل في السابق، ولما اشتدت به الشيخوخة وامراضها قلل من حركته وتنقلاته فظل في بغداد الى ان وافاه الاجل، لقد اسهم الزهاوي في قصائده الشعرية وكتاباته النثرية في اغناء الفكر والادب بارائه وافكاره الفلسفية والاصلاحية وفي اثارة حفيظة خصومه وتحريك عواطفهم مما ولد له متاعب جمة، ولكنه لم يبال بها ولم يلتفت اليها.. وكثيرا ما كان يقول: (انا لا افرح بمدح المادحين ولا احزن لذم القادحين غير انني اكره المنافقين).
كان الزهاوي يعتمد على ذاكرته التي اعتبرها اهم مرجع له، وقد عرف بقوة الذاكرة حتى انها لم تضعف خلال شيخوخته، وكانت له متابعات فلسفية وفيزياوية، فكان معجبا بنظرة انشتاين الذي اعتبره بانه فتح بابا جديدا في الفلسفة جعل العلماء يفكرون فيها تعليلا لغوامض الكون، واعجب ايضا بطاغور شاعر الهند، ولما زار هذا الشاعر بغداد استقبله الزهاوي في مدينة خانقين واحتفى به في بغداد واعتبره شاعرا متصوفا له دقة الخيال وسعة الافق الفكري، وقال جميل صدقي الزهاوي عنه بانه استطاع ان يهز اوتار قارئيه، ومن مؤلفات الزهاوي في الفلسفة رسالته الاولى التي سماها (الكائنات) التي ابدى فيها اراءه الحرة في المكان والزمان والقوة والماءة والحياة والجاذبية..
طبعت هذه الرسالة سنة 1897 هجرية، ورسالة في سباق الخليل اودعها تجاربه الخاصة في ركض الخيل، وقد طبعت في مصر.. ورسالة في الخط العربي طبعها في مصر ايضا، وكل ذلك كان قبل الدخول في القرن العشرين، وبالتحديد في اواخر القرن التاسع عشر بقليل اما دواوينه فكان اولها (الكلم المنظوم) نشره متزامنا قبيل اعلان الدستور العثماني سنة 1908م، ثم ديوانه الذي طبعه في مصر،وسماه بديوان الزهاوي (طبعه سنة 1924م)، والاوشال (نشره سنة 1936م)، والثمالة وثورة في الجحيم ونزعات الشيطان وغيرها، وقد طبعت في بيروت المجموعة الكاملة لشعر الزهاوي…
وكتبت عنه دراسات عديدة في المجلات والصحف العربية والاجنبية..
وعموما فان الزهاوي احدث اكثر من ضجة في عالمي الادب والفكر في العصر الحديث واختلفت اراء النقاد فيه، قال عنه الاديب طه حسين: بانه لم يكن شاعر العراق فحسب بل هو شاعر العربية فقد كان مربيا لهذا الجيل الشعري اذ كان شاعر العقل، وكان معري هذا العصر.. وقال عنه امين الريحاني.. ان الزهاوي فيلسوف ينظم الشعر، وكان متطرفا ساخرا من التقاليد الاجتماعية، كثير الشكوك بالقيم المتوارثة.. وقد لخص الزهاوي حياته قائلا: كنت في صباي اسمى (المجنون) لحركاتي غير المالوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي في الطرب، وفي كهولتي الجريء لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بارائي الفلسفية.. ترجم المترجمون له كثيرا من شعره الى لغات حية شرقية وغربية، ووضع اسمه في اشهر قواميس الاعلام، وكان اسمه موضع اهتمام الدراسين فالفت في حقه كتب عديدة منها الزهاوي، فيلسوف بغداد (في القرن العشرين) لروفائيل بطي، ومحاضرات عن جميل صدقي الزهاوي لناصر الحاني، والزهاوي وثورته في الجحيم لجميل سعيد، وغيرها من الكتب والدراسات الجامعية، وقد ذاع صيته في جميع الاقطار العربية ودرس شعره في المدارس العربية، واطلق اسمه على واجهات المحلات والمقاهي والمكتبات كما سمي باسمه شارع فرعي من شارع الرشيد وهو شارع الزهاوي قرب مقهى الزهاوي..
كما اطلق اسمه على المدارس والقاعات العلمية في الجامعات…
رحم الله الزهاوي فقد كان انسانا طموحا قضى معظم ايام حياته في خدمة الشعر والادب والفلسفة فاصبح شخصية عملاقة ورمزا من رموز التحرر والدعوة الى النهضة والاصلاح والقضاء على الجهل والفقر والمرض، وقد ترك وراءه اثارا خالدة وخاصة في عالم السياسة والتأليف والتدريس فنفع كثيرا واسهم في تحريك عجلات الحركة الفكرية والاصلاحية ولعل في الزهاوي الشاعر العالم الفيلسوف مثلا رائعا، وعبرة حكيمة رائدة للاجيال الصاعدة من شبابنا وشاباتنا للسير على نهجه في تجديد الحياة الحضارية المستقرة التي قوامها السلم والعلم والوئام والاخاء المشترك..

التآخي