الرئيسية » مقالات » الى وزير التربية – إقرأ هذه السطور.. رجاء

الى وزير التربية – إقرأ هذه السطور.. رجاء

رسالة من معلم قديم تحمل طعم العلقم.. لكن –بما ان مراراتنا كثيرة- نذهب الى المهم فيها، وهو يتعلق بما يشبه المفارقة، التي لو حدثت في بلد آخر لجرى تصنيفها في خانة الفضائح الادارية. اما صاحب الرسالة فهو عفيف عن ذكر اسمه، وقد ترك في امانتي كامل الاسم وصورا عن وثائق قضيته، التي لااشك في سلامة وصحة حرف واحد منها، عدا عن اني اعرفه، كما اعرف نفسي.
خلاصة الرسالة، ان صاحبها معلم مدرسة (هناك وثيقة) يحمل خدمة تزيد الآن على الاربعين سنة، اُعتقل في عهد الدكتاتورية (لأسباب سياسية، مؤكدة) وعندما خرج تعرض لملاحقة الاجهزة القمعية، واضطر للهرب الى بلد مجاور حاملا هوية عراقي معارض (هناك وثائق) ثم سبيت عائلته ووضعت تحت الشبهة بجريرة ابنها الهارب (هناك شواهد) وعندما سقط النظام هرع في شهر ايلول 2003 الى مديرية تربية الكرخ. وقف في طابور طويل، وقدم طلبا بالعودة الى الوظيفة اسوة بالمفصولين، قيل له: عليك تأمين رسالة من احد الاحزاب لتأكيد ادعائك كمعارض للنظام السابق، ولما تردد في ذلك لكرامة شخصية همس باذنه احد الموظفين “يمعوّد التزكية بعشرين الف دينار.. روح اشتريهه” فلم يراجع حزبا ولم يشتر تزكية من احزاب صارت تبيعها لكثير ممن لا علاقة لهم بالسياسة، وتمسك بفرضية التغيير، والعراق الجديد، وعهد العدالة، وبالصبر ايضا، ونام على ثقة لا تتزعزع بان قرار اعادته للوظيفة سيصدر يوما، لكن الايام والشهور وقوائم العائدين الى وظائفهم توالت، فملّ الانتظار، واضطر، مرة ثانية، الى مراجعة دائرة التربية، فكان الجواب انْ لا اثر لطلبه السابق، وتحت الحاحه واستغرابه نصحه موظف متعاطف ان يكتب طلبا آخر”من نسختين” واحدة لمدير التربية واخرى يحملها الى وزير التربية، وان عليه السعي لدى الوزارة لكي تصدر امر اعادته الى الوظيفة.
وإذ اخذ بنصيحة الموظف المتعاطف، فانه هدر من عمر الانتظار شهورا اخرى من غير طائل، وقد عبر خلالها سن الوظيفة ودخل عمر الشيخوخة، وصار حائرا ما اذا سيعاد الى مهنة التعليم ام يحال على التقاعد، وكلاهما نأيا عن متناول يده، مع ان حقه فيهما لا شك فيه، فحمل نفسه وطلب لقاء مع مدير تربية الكرخ (آنذاك) ازاد محمد سعيد الذي كان يفيض بالود والتعاطف والتفهم، وبعد شرح مستفيض، ابلغه ان وثائق المديرية اتلفت ومن المستحيل ان يعثر الموظفون على اثر لخدمته، واختصارا للمراجعة والانتظار عليه ان يقدم طلبا مباشرا الى وزير التربية، آنذاك، سامي المظفر.
ولأن صاحبنا يعرف ان الوزير المظفر يحمل سمعة طيبة وصفحات نظيفة وانه سيقدر حاجة معلّم سابق للاستقواء مع عائلته على مصاعب المعيشة، فقد تواكل على ذلك الافتراض وقدم طلبا ثالثا وهذه المرة بالاعادة الى الوظيفة والاحالة على التقاعد، وحاول عبثا اللقاء بالوزير، او باي موظف تنفيذي، لشرح قضيته، وفيما هو ينافح ويسعى ويتدافع امام الوزارة قدم له شخص قال انه يعمل لدى احد المحامين عرضا بان يتبنى قضيته ويسعى لحلها، وهو سيهئ له التزكية من “اكبر الاحزاب” مقابل مبلغ من المال، فرفض صاحبنا، وعذره ان حقه بائن، وان الطلب سيكون في غضون يومين على طاولة الوزير، وان الراشي يتسخ بالرشوة مثلما المرتشي، وانه في هذه الرشوة يشطب على حلمه الجميل بعراق آخر جديد، غير ان الانتظار طال، بل ان المراجعات صارت محفوفة بالمخاطر، وصفوف المراجعين مغرية للسيارات المفخخة وغارات المليشيات، فلم يجد بدا من ان يستسلم للخيبة، لكن نسمة من الامل دغدغته يوما بان يقدم طلبا رابعا، فلجأ الى كاتب عرائض قرب بناية الوزارة، فهو يعرف اللغة المناسبة لمخاطبة الوزير، وإنشاء المظلومية، وعندما اتمّ الطلب واستلم اتعابه همس لصاحبنا قائلا: عمي، هذي العريضة متفيد.. راح تضيع مثل اللي قبلها.. شوف لك واسطة.
انذاك قرر صاحب الرسالة ان يغادر العراق الجديد، مرة اخرى الى المجهول، على امل ان تصل احدى طلباته النائمة- المفقودة الى.. معالي الوزير.
ــــــــــــــــ
.. وكلام مفيد
ــــــــــــــــ
“الصبر.. فن إخفاء نفاد الصبر”.