الرئيسية » مقالات » الدولة التركية والعدوان على العراق

الدولة التركية والعدوان على العراق

لم تتوقف العمليات العسكرية العدوانية التي بدأت بها القوات البرية والجوية التركية منذ أربعة أيام على الأراضي العراقية. فقد بدأت هذه القوات بالزحف البري المسند بطيران جوي كثيف شاركت فيه أكثر من عشرين طائرة عسكرية مقاتلة. وتشير المعلومات إلى أن التوغل التركي بلغ حتى الآن حوالي 15 كيلومتراً في العمق العراقي وفي المناطق الجبلية التابعة لمحافظة دهوك وفي المثلث العراقي – التركي – الإيراني. وهي لم تعد بعيدة عن المواقع التي تتمركز فيها قوات الپيشمرگة الكُردستانية العراقية المسئولة عن حماية الحدود العراقية في إقليم كُردستان. وفي العمليات العسكرية الجارية قصفت القوات البرية التركية المناطق الجبلية والكثير من القرى والأرياف الكردية , إضافة إلى إطلاق الكثير من الصواريخ الموجهة ضد ذات المناطق. وتشير المعلومات الواردة من وكالات الأنباء العالمية إلى سقوط عدد غير قليل من الجنود الترك , إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى لا يعرف الإنسان حتى الآن عددهم أو إن كانوا مواطنين كرد عراقيين أم بعض أفراد حزب العمال الكردستاني التي تدعي الحكومة والقوات التركية وجودهم في الأراضي العراقية.
والغريب أن القوات التركية في عملياتها العسكرية تؤكد أنها تريد أن تبقى هناك حتى تتحقق الأهداف التي بدأت بسببها هذه العمليات , وهي بهذا تترك الباب مفتوحاً أمام الوقت الذي تريد أن تبقى فيه هناك , إذ أن أهدافها غير واضحة رغم تذرعها بوجود مسلحين كرد من حزب العمال الكردستاني في المناطق الجبلية النائية والوعرة في كُردستان العراق. إن هذا العدوان الغادر يعتبر تدخلاً فظاً في الشئون العراقية وتجاوزاً على سيادة العراق واستقلاله وخرقاً خطيراً للقانون الدولي والعلاقات بين الدول. ويبدو أن الحكومة والقوات العسكرية في تركيا قد وقتت هذا العدوان مع إعلان برلمان كوسوفو استقلال البلاد عن صربيا وتكوين دولته الوطنية المستقلة , بما يعتبر بمثابة التهديد للشعب الكردي وقيادته السياسية في أن يبتعدوا عن التفكير بمثل هذه الخطوة بالنسبة إلى كُردستان العراق , إذ أن الجيش التركي سيكون مستعداً لإحباط أي خطوة من هذا النوع , رغم أن الشعب الكردي والقيادة الكردستانية قد أكدت مراراً وتكراراً بأنها لا تفكر بالانفصال عن العراق , بل أكد مسئولون كرد , كما جاء في تصريحات قادة التحالف الكُردستاني , وكذلك تصريحات السيد رئيس وزراء إقليم كُردستان نيجرفان بارزاني , بأن الإقليم يعمل من أجل أن يكون العراق قوياً , إذ أن قوة العراق هي قوة لإقليم كُردستان أيضاً.
ولكن الغريب في الأمر أيضاً هو أن احتجاج الحكومة العراقية ضد العمليات العسكرية التركية في العمق العراقي جاء ضعيفاً ومتأخراً , مما يستدعي القلق باحتمال وجود اتفاق عراقي – تركي عام يسمح لها بمثل هذا التوغل. إذ أن مثل هذا العدوان الواسع وبعد مرور عدة أيام على وقوعه واستمراره حتى الآن كان يتطلب من الحكومة العراقية تقديم احتجاج رسمي تحريري إلى الحكومة التركية ضد هذه العمليات العدوانية , كما كان ولا يزال يفترض أن تقوم الحكومة العراقية بتقديم احتجاج رسمي إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي للمطالبة بمناقشة الخروقات التركية واتخاذ قرار يدين هذه العمليات العسكرية ويطالب بإيقافها فوراً ويفرض على تركيا الانسحاب الفوري من الأراضي العراقية.
أن التوغل العسكري الواسع النطاق في الأراضي العراقية يؤكد بوجود اتفاق مسبق بين الإدارة الأمريكية والحكومة التركية , إذ لا يمكن تصور حصول مثل هذا الأمر دون تنسيق مسبق معها. إلا أن التصريح الأخير الصادر عن الجهات الأمريكية والقائل بأن القوة لن تعالج المشكلة الكردية في تركيا شيء جديد ومهم في آن واحد , ولكنه غير كاف لإيقاف العدوان التركي ما لم يقترن بمطالبتها بالانسحاب الفوري والكف عن التدخل في الشأن العراقي ومنع تكراره.
إن الحكومة التركية تستثمر الوضع الشاذ الذي يعيش الشعب العراقي في ظله بسبب تمزق الوحدة الوطنية وعجز الأحزاب السياسية عن تشكيل تحالف سياسي قوى ومتماسك من جهة , وبسبب ضعف الحكومة العراقية في مواجهة المشكلات الداخلية والخارجية من جهة ثانية , ثم عجز القوات العراقية بوضعها الراهن عن مواجهة العدو الداخلي , دعْ عنك العدوان الخارجي التركي. ومن هنا تنشأ الحاجة الماسة والجادة إلى حل المشكلات السياسية الداخلية وبلورة فرص جديدة للتحالف السياسي الديمقراطي البعيد عن الطائفية والمحاصصة الطائفية باعتباره الطريق الوحيد والكفيل الفعلي في مواجهة الأوضاع الجديدة والتغلب عليها لصالح إقامة عراق اتحادي ديمقراطي موحد ومتين.
25/2/2008 كاظم حبيب