الرئيسية » مقالات » في الذاكرة.. من الذاكرة .. بيت الشيوعيين.. وعرس فاضل

في الذاكرة.. من الذاكرة .. بيت الشيوعيين.. وعرس فاضل

أواخر عام 1990
دائماً ما تحتفظ الذاكرة بالأحداث الأولى وبالأشياء الأولى. القبلة الأولى، الحب الأول، المعلم الأول وكذلك الموت الأول. وكل ذلك كانت ذاكرة الطفل شاهدها المبكر.
ولأن أبناء جيلي، كانت تقاويم الفاشية سِجِلَ أعمارهم منذ الطفولة حتى اليوم، فقد كان الموت (الجميل) هو فاتحة الذاكرة، قبل أن تدخل صفحتها البيضاء كلمات “دار، دور، نوري، رازي”، وكرات القراءة الخلدونية. ففي الذاكرة هناك:
صبايا وعرائس غادرن بعد أول حياة دفعن بها إلى النور.
– وشيوعيون ألفاء.
لذلك بقي في نفسي خوف طفولي رافقني ثلاثين عاماً، هو خوفي على الصبايا والعرائس والشيوعيين.
في مدينة الوشاش، بين ساقية تحفل بجيوش من الأسماك الصغيرة. تعبرها قنطرة مقامة من جذوع النخل، وبين بستان خلفي، كان يرعبنا لأنه محفل ملائكة أطهار وجن أشرار، كان بيت الأشباح الذي بقي فترة طويلة وقفاً، يخشى الأطفال من مجرد النظر إليه. حيث مازالت ممراته تعبق برائحة الدم الشيوعي الأول –بالنسبة لي على الأقل- دم لرفيقة مندائية أذكرها جيداً. قيل إن زوار الفجر استخدموا البستان وسطوح المنازل المجاورة للنزول إلى ذلك البيت الفقير لاغتيال صاحبه. إلا أن طيش السكاكين واستماتة الزوجة لدفع الموت عن زوجها، وجبن القتلة وخستهم وتوقهم إلى إنهاء المهمة القذرة والهرب بسرعة خاطفة، خلّف قتيلة وجريحاً ورضيعاً وبركة دم أول.
في البداية حسبت والدي قاسياً حين أصرّ على استئجار بيت الأشباح وحملنا على الانتقال إليه، ليقطع الشك باليقين، أن لا أشباح في بيت الشيوعيين، وأصرّ على أن لا تمسّ بركة دم المرأة رغم يباسها. حتى كان يوماً زارتنا فيه نسوة ومعهن رجال من ذوي الشهيدة لغسل دمها. حينها بكت أمي وبكى أبي واختنقنا نحن الصغار بعبرة بكاء صغيرة. ثم جرى الجدول الجليل ماء ودماً صابئيين باتجاه الحديقة نحو نخلة وارفة، قَبِلَتْ ذلك الدم المندائي الطاهر.
منذ ذلك الوقت وحتى كتابة هذه الذكرى يدور في رأسي سؤال مرير:
هل بقي شيء من ذلك الدم العزيز، أم هو في الذاكرة فقط؟
بعد سنوات أجابني الرفيق عادل حبة على سؤالي هذا بسؤال آخر:
كيف تتذكر دم تلك الشهيدة التي استشهدت وأنت في الرابعة من العمر؟ نعم إنها شهيدة شيوعية وزوجة لرفيق شيوعي كان قد خرج من الاعتقال تواً.

حكاية أخرى.
أتذكر أيضاً الحلاقة الأولى، قبيل الخطوة الأولى إلى المدرسة الابتدائية. أذكر الحلاق الأول فاضل. كان شاباً عشرينياً طلعته كنبي. الجميع يحبونه ويقسمون برأسه. عنفوان فريد. ملامحه لا تُنسى، صورته يانعة تختزنها الذاكرة الطفلة. أرسلني والدي إلى دكانه بدرهم ووصية أن يهتم برأسي الصغير. أذكر ما دار من حوار بيننا حينها.
– الثلام عليكم (السلام عليكم).
– وعليكم السلام.. أهلاً.. تفضل يا أستاذ.
– أريد بروث مدرثي.
– ممنون وبعيني.. بروص مدرسي.. قالها بفرح عظيم.
مقدماً ناولته الدرهم. وضعه أمامي على الطاولة. انعكست صورته على المرآة. قال ضاحكاً:
– أنظر.. صار درهمين.
ما أن انتهى من الحلاقة، ونفض الفوطة البيضاء وبودرا الرقبة ورشّ ماء الكولونيا. حتى تحوّل الدرهم إلى قلم رصاص أول، ودفتر أول وممحاة ومبراة وحلوى، وكلمة نعيماً، وقبلة وسلام. لقد ثرثر الفرح ثرثرته الأولى.
قبل أن يُبرى قلم الرصاص، وتمتلئ الصفحات الأولى بالكلمات الأولى، صُعقت بيوت الوشاش بالنبأ الفاجع. لقد اغتيل فاضل الحلاق. وسرعان ما ثرثر البكاء والصراخ ثرثرته المأساوية. نساء ومعلمون وعمال وأناس عاديون وطلبة صغار كانوا يصرخون أمام الدكان والواجهة الزجاجية الممزقة التي شهدت جريمة آخر الليل، حيث داهم زوار الفجر الحلاق بأسلحة غريبة “انابيب، سكول سبانة، مفكات وعدد أخرى” لتغتال شيوعي آخر.
لقد خرج الجميع خلف العرس الفجائعي لفاضل الحلاق. أجمعت آلاف المشيعين والمشيعات أن يكون الموكب موكب زفاف. عُزفت الموسيقى، وطارت هوسات الزفاف إلى السماء في تظاهرة سياسية أولى. هتافات اختلطت ببكاء الشارع ببكاء السطوح.
منذ سنوات وأنا أبحث عن اسم فاضل الحلاق في دفاتر شهداء الحزب، وبي هاجس يؤكد بأنني سأجده مسجلاً هناك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفحة الغلاف الأخير من رسالة العراق العدد 103 أواخر شباط 1990.