الرئيسية » مقالات » المطلوب ليس إعادة هيكلة وتمديد تجميد جيش المهدي، بل حلّه وتسليم أسلحته إلى الدولة!!

المطلوب ليس إعادة هيكلة وتمديد تجميد جيش المهدي، بل حلّه وتسليم أسلحته إلى الدولة!!

الوضع في العراق بالغ الخطورة والتعقيد، ويحتاج العراقيون إلى الحكمة وتهدئة الخواطر كي ينعموا بأجواء السلام والأمن وتعود الحياة الطبيعية إلى مجاريها في العراق. إن كل حديث عن المصالحة وتطبيق بنود الدستور واحترام القوانين ونجاح العملية الديمقراطية هو ضرب من الأوهام والأحلام التي يستحيل تحقيقها من دون جمع الأسلحة المنهوبة وغير المنهوبة من شوارع المدن العراقية ومعالجة ثقافة العنف والسيف والتطرف التي استشرت في البلاد منذ عقود، وحل كل التنظيمات المسلحة الخارجة على القانون والتي شكلتها أطراف متعددة، ومنها من يشارك في العملية السياسية. إن وجود السلاح والفرق المسلحة الخارجة على القانون هما العامل الأساس في عدم الاستقرار في بلادنا وطغيان الفوضى والعصيان والتمرد فيه. ومهما بذلت قواتنا المسلحة من جهود مشكورة في السعي لضمان الأمن للمواطن العراقي، إلاّ أنها لا تستطيع فرض هذا الأمن من دون تقليم مخالب العنف والفوضى المتمثلة في الأسلحة المنتشرة والفرق المسلحة اللاشرعية، وللأسف بواجهات دينية ومذهبية، التي تهدر الدم العراقي وتسمم الأجواء في البلاد وتعرقل اعماره.
إن من بين التنظيمات التي تهدد بالسلاح وتلوح به وتستخدمه بين فترة وأخرى هو جيش المهدي، الذراع المسلح لتيار مقتدى الصدر. ومن المفيد الإشارة في هذا الصدد إلى أن التيار الصدري شارك وناقش وصوّت على الدستور العراقي الجديد، وأقسم ممثلوا هذا التيار في مجلس النواب على التمسك والدفاع عن مضامين هذا الدستور الذي ينص في أحد مواده على ما يلي:
المادة (9):
ب ـ يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة.

وهنا سنصطدم بالازدواجية في موقف التيار الصدري، الذي صوّت زعيمه على الدستور وأقسم نوابه على احترام الدستور العراقي الجديد والمقر من قبل الشعب في الاستفتاء من جهة، ومن جهة أخرى يناقض نفسه ويعلن صراحة وعلى الملأ عن تشكيل هذا الجيش وقيادته له قبل سنوات ثم تجميد نشاطه، وليس حلّه، قبل ستة أشهر، ثم إعادة تمديد تجميد نشاطه أخيراً؟؟. كل ذلك يجري بذريعة إعادة هيكلته وتطهير صفوفه وليس حلّه كما ينص عليه الدستور العراقي. أين هو الصحيح الوفاء بالقسم في مجلس النواب أم الاحتفاظ بقوة مسلحة خارج القانون؟ وأين الصدق أمام الرأي العام العراقي الذي انتخب هؤلاء النواب الذين يقسمون بشئ ويعملون بشئ آخر؟ ولماذا هذا الانعدام في المصداقية حتى أمام أنصار هذا التيار نفسه، وتوريطهم في مواجهات ساخنة مع جهات رسمية عراقية أو أية جهات مسلحة أخرى غير رسمية أيضاً وتوقع بهم خسائر جسيمة لا مبرر لها؟ إننا أمام اشكالية خطيرة تمس أخطر قضية تواجه البلاد؛ أي الأمن. فموقف التيار الصدري المتناقض والمتهالك على حمل السلاح لا يؤدي في النهاية إلاّ ألى استمرار هشاشة الوضع الأمني في البلاد. ومن اللافت أن من يقف على رأس هذا الجيش غير القانوني وغير الرسمي حسب ما نص عليه الدستور، هي شخصية دينية يدعو دينها إلى مبدأ “إدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، وليس بالكلاشنكوف. إن مهمة رجال الدين والمؤسسات الدينية تتحدد في الظرف العراقي الراهن في نزع فتيل العنف الذي يحرق الأخضر واليابس في العراق، وليس تأجيجه. ينبغي أن تتعدى مسؤولية رجال الدين والمؤسسات الدينية المهمات العسكرية والبوليسية وحتى السياسية. فهذه المهمات تقع على عاتق الجيش والقوات المسلحة والأمنية الرسمية فقط، أو على عاتق الأطراف السياسية في حال ممارسة السياسة. إن مجرد وضع اللافتة الدينية على ميليشيات مسلحة من شأنه أن يشوه مشاعر الايمان الديني ويسوقه إلى مطبات ونزاعات دينية ومذهبية وحزبية خطيرة لا نهاية لها. فقد راح ضحية هذا التوجه إلى الآن في العراق الآلاف من الأبرياء، ناهيك عن ما جلبه ذلك من دمار وتعويق في اعمار البلاد. وفي النتيجة ألحق ويلحق هذا السلوك ضرراً بالغاً بالمعتقد والإيمان الديني نفسه، خلافاً لدعوات مؤسسي هذا التيار في الحرص على الدين والإيمان الديني.
لقد أصبح من الواضح خلال السنوات التي تلت سقوط النظام حقيقة أن هذا المنحى الخطير القائم على تشكيل فصائل مسلحة خارج الأطر الرسمية، لا يمكنه أن يشكل تنظيمات مسلحة تتسم بالضبط العسكري الملازم لأية تشكيلات عسكرية رسمية. وهذا ما يعرضها إلى عمليات اختراق دائمة من اطراف متعددة معادية للعراق ومن أجهزة استخباراتية هدفها إثارة عدم الاستقرار في البلاد، بل وحنى من قبل مافيات الجريمة. وبالنتيجة يتم اخضاع هذه االمجاميع المسلحة لأجندات لا علاقة لها بمصلحة العراق. لقد دللت السنوات الخمس الماضية على صحة هذه التوقعات، وباعتراف حتى مسؤولي هذه المجاميع بكل ألوانها وليس جيش المهدي فقط. إن الإعلان المتكرر للناطقين بإسم التيار الصدري حول قيامهم بعملية تطهير واسعة في جيش المهدي هو خير دليل على الاختراق المعادي لهذا “الجيش”. وليس أدل على ذلك هذه العصيانات المستمرة لأنصار هذا الجيش في المدن الجنوبية ضد قرارات “القائد”، وعدم تخليهم عن حمل السلاح واستخدامه بناء على أوامره، أو تلك الأفرازات الخطيرة المتمثلة بـ”جند السماء” و “المهدوية” وغيرها من الأسماء المترشحة من التيار الصدري نفسه كما تؤكده العديد من المصادر. كما يعرف القاصي والداني من العراقيين تلك المؤشرات التي بانت بعد الإطاحة بصدام والدالة على وجود توجيهات لفلول الحكم السابق وأجهزة مخابراته بالانضمام إلى التيار الصدري وجيش المهدي، والقيام بنشاطات تحت هذه اللافتة من شأنها إثارة عدم الاستقرار والحروب الداخلية في العراق. فقد أصبح جيش المهدي طرفاً ثانياً في أعمال التصفيات والتهجير الطائفية عبر تشكيله لكتائب الموت، والتي وضعت البلاد على حافة الحرب الأهلية الطائفية. وساعد هذا الجيش عملياً، شاء أم أبى، على تنفيذ مخطط الزرقاوي والمجاميع التكفيرية التي كان جل هدفها أحراق العراق وأهله بنار الحرب الطائفية المشينة التي أستطاعت قواتنا المسلحة ويقظة العراقيين أخمادها أخيراً.
كما انغمر هذا الجيش في أجندات خارجية ودخل على الخط العنصر الإيراني وحزب الله اللبناني في مسعى لنقل العراق إلى دائرة نزاعات إقليمية ودولية لا مصلحة له فيها. فقد كشف مسؤول كبير في استخبارات وزارة الدفاع العراقية قبل أيام أن عماد مغنية المسؤول العسكري لحزب الله، الذي كان يتردد على البصرة والمدن المقدسة بجوازات عراقية مزورة، كان له اليد الطولى في تشكيل جيش المهدي وعدد من التيارات الدينية المتطرفة المسلحة في المناطق الجنوبية. وتم تدريب أولى خلايا جيش المهدي على يده بعد أسابيع قليلة من سقوط النظام، سواء في البقاع أو على الأراضي الإيرانية. وليس من قبيل الصدفة أن يبالغ التيار الصدري في رفع اللافتات في المدن العراقية والتي تنعي هذه الشخصية إثر عملية اغتياله في دمشق أخيراً.
واستناداً إلى كل ممارسات جيش المهدي، يمكن الاستنتاج إن هذا الجيش وجيوش أخرى غير شرعية نبعت على الساحة العراقية، ليس لها أية علاقة بمسألة وجود أو عدم وجود القوات الأجنبية. إن أهم هدف لهذه التنظيمات المسلحة هو إثارة الفوضى والسطو على السلطة بعيداً عن رأي الفرد العراقي وعن أية عملية انتخابية، بما يشكل تعارضاً مع مواد الدستور العراقي. فالمتتبع المحايد لنشاط هذه التنظيمات المسلحة يرى أن جل فعاليات هذه التنظيمات تركزت وتتركز ضد العراقيين الأبرياء وأصحاب الكفاءة والخبرة والمؤسسات المدنية والتعليمية والتجارية والمراقد الدينية على اختلاف مشاربها بالدرجة الأولى، وليس استهداف الغازي الخارجي.
إن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها مقتدى الصدر للعراق والعراقيين هي:
1-أن يلتزم بمسؤوليته ومهامه الدينية ويتفرغ لها، ويكف عن تشكيل جيوش لا يستطيع ادارتها أو السيطرة عليها. إن مهمة رجل الدين الورع تبقى مهمة وجدانية روحية ودعوة للحق والرحمة، لا الانغمار في دروب السياسة ولا الفعاليات العسكرية.
2- أن ينصح أتباعه بتشكيل حزب سياسي مدني وليس بواجهات دينية ومذهبية ثبت فشلها عبر السنوات الخمس المهلكة الماضية، حزب يعتمد الديمقراطية ورأي الشعب وليس حزب يقوده “الفرد القائد”، الذي هو في الواقع تراث بائس ورثناه من العهد الصدامي. حزب ذو برنامج احتماعي اقتصادي يعالج المشاكل المستعصية لبلد مخرب كالعراق بسبب مغامرات “القائد” السابق، وبسبب تخبطات من خلفه في قيادة البلاد بعد زوال جبروته. حزب يخدم كل العراقيين ولا يخدم الطائفة أو العرق أو العشيرة وغيرهم فقط. حزب يكرس الديمقراطية ويؤسس لحكم الشعب ولا يكرر “صرعة” الحكم السابق في إقامة دولة الفرد –القائد-الديكتاتور.
3- أن يبادر مقتدى الصدر وبشجاعة إلى حل جيش المهدي وكل مظاهره المسلحة، ويسلم الأسلحة، التي هي أسلحة الجيش العراقي المنهوبة وملك للشعب العراقي، إلى وزارة الدفاع العراقية والمؤسسات الرسمية. وهذه هي أكبر خدمة يقدمها مقتدى الصدر للعراقيين، لأن هذه الخطوة تشكل أكبر ضغط على كل التشكيلات المسلحة غير الشرعية والتكفيرية والتدخلات الخارجية للتخلي عن نهجها الضار بالعراق وتسحب البساط من تحت كل من ينوي الإضرار بالعراق.
4- كما ينبغي على التيار الصدري أن يعالج مشكلة وجود القوات الأجنبية ضمن إطار وطني عراقي وبالاستناد إلى المؤسسات المنتخبة من قبل الشعب ومنها الحكومة العراقية الشرعية التي تتبنى هذا الشعار وتتخذ الخطوات للحد من وجود هذه القوات وصولاً إلى انسحابها من البلاد. إن أي انفراد من قبل أية جهة سياسية بأتخاذ موقف منفرد وعنفي لا يخرج القوات الأجنبية بل يكرس وجودها ويعرّض البلاد إلى حريق يلتهم العراقيين وثرواتهم قبل غيرهم.
ومن واجب الحكومة والمؤسسات التشريعية المنتخبة أن لا تتهادن مع من يخرق الدستور العراقي الذي يحظر تشكيل قوى مسلحة خارج إطار الدولة. إننا نسمع نغمتين متعارضتين من قبل المسؤولين في البلاد. فالفريق عبود كنبر، باعتباره الجهة الرسمية المسؤولة عن خطة فرض القانون، يعلن صراحة عن الوقوف بوجه أية مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة الرسمية. ولكننا لا نفهم تصريحات متعارضة لمسؤولين وجهات رسمية تعبر عن “ترحيبهم” بتمديد تجميد جيش المهدي!!، ولا يطالبون بحله وتسليم أسلحته إلى الدولة. ما هذه الإزدواجية في المعايير والتنكر لدستور العراق من جانب بعض المسؤولين الذين يرحبون بالتمديد لجيش غير شرعي، في حين أن الدستور الذي أوصلهم إلى الحكم يطالب بحل كل المظاهر المسلحة. لا يمكن أن نفسر موقف هؤلاء المسؤولون إلا تشجيعاً للعصيان على الدولة وضد الأرادة الشعبية.
24/شباط/2008 تكريت – جمهورية العراق